رواية جديدة 4-5-6

الفصل الرابع ………………. أوقف مالك سيارته أمام ذلك المنزل الكبير. أطفأ المحرك، فحل صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت الأصوات المترابطة بالليل أخرج هاتفه، وبأصابع ثابتة أجرى مكالمة. عندما أتاه الرد الناعس، قال باقتض’اب وبصوت أجش _ أنا مستنيك برة.’ أغلق الهاتف دون انتظار رد، وأعاده إلى جيبه ثم أسند رأسه للوراء على مقعد السيارة، وأغمض عينيه خرجت من صدره تنهيدة طويلة، حارة، وعميقة، أراد بها أن يخرج معها كل آلامه التي تؤرقه ليالٍ طويلة أراد أن يطرد طيفها من عقله، صورتها وهي تضحك، وهي تبكي، وهي تنظر إليه بتلك النظرة التي تراه فيها سنداً ودعماً، لا أكثر

لكن يبدو أن ما يريده صعب المنال، وكأن القدر قد حكم عليه أن يعيش بهذا العذاب الذي لن يتوقف يوماً. أخرجه من شروده طرقات خفيفة على زجاج النافذة فتح عينيه ببطء، ثم أنزل الزجاج، فإذا بوجه أكمل يطل عليه، وعيناه نصف مغمضتين من النعاس، وشعره أشعث. _ في واحد عاقل يزور حد في وقت زي ده؟! الساعة داخلة على اتنين. تطلع إليه مالك وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، ابتسامة من يرى صديقه الوحيد وملاذه الأخير.

_ لف واركب. تطلع أكمل في ساعته مرة أخرى، كأنه لا يصدق، وغمغم باحتدام _ أركب إيه يا مجنون إنت؟ إنت عارف الساعة كام؟ وبعدين أنا عندي طيارة بكرة الساعة تمانية الصبح، يعني لازم أكون صاحي وجاهز من ستة. أخفض مالك جفنيه بملل مصطنع، وغمغم بأمر لا يقبل الجدال _ بقولك بطل زن، واركب. استغفر أكمل في سره بغيظ، لكنه يعلم أن لا فائدة من النقاش مع مالك عندما يكون في هذه الحالة.

التف ليصعد بجواره في مقعد الراكب، وقال بحنق وهو يغلق الباب _ إنت… باغته مالك بانطلاقة مفاجئة بالسيارة، كأنه يريد أن يقطع عليه سيل تذمره لكن “أكمل” تشبث بمقعده وتحدث بغيظ: _ إنت مش هتبطل جنونك ده أبداً! رد مالك بدون مبالاة، وعيناه على الطريق الخالي أمامه _ لاه. علم أكمل من هذه الإجابة المقت’ضبة أن صديقه يود التحدث، وأن الأمر أكبر من مجرد نزهة ليلية. لذا، التزم الصمت، وترك مالك يقود في شوارع المدينة الفا’رغة، حتى وصلا إلى مكانهما المعتاد على النيل، مكان بعيد عن الضوضاء، حيث يجتمعان دائماً عندما تثقل الهموم على قلب أحدهما.

ترجل مالك أولاً، وتقدم من السور ليقف أمام المياه السو’داء التي تعكس أضواء المدينة الخافتة كان صوت الماء عذباً وهادئاً، يتهادى بدلال على الأحجار المتر’اصة على حافته ترجل أكمل بدوره، وأدنى منه ليقف بجواره، كتفاً بكتف، دون أن ينطق بكلمة فهو يعلم بحالة صديقه، ويعلم أنه يحتاج إلى هذه اللحظات من الصمت قبل أن يبدأ في إخراج ما في قلبه. بعد فترة قصيرة، خرج مالك من صمته. نظر إلى أكمل الذي كان يتطلع إليه بوجوم وقلق.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *