رواية جديدة 4-5-6

عادت إليه صورة جده وهو يودعه عند السيارة صباحًا. لم يتحدث الجد كثيرًا، لكن نظرة عينيه كانت تحمل كل الكلمات. كانت نظرة فخر ممزوجة بوحدة قادمة، ووداع صامت لرجلٍ مسنٍّ سيظل في بيته الكبير وحيدًا مرة أخرى. تذكر آخر كلماته له: متنساش أصلك يا ولدي مهما كبر مجامك، جذورك هنا. جلس على طرف سريره، وشعر بثقل المسؤولية يزداد على كتفيه. لم يعد الأمر مجرد نجاح مهني، بل أصبح صراعًا داخليًا بين تحقيق طموحه الذي كافح من أجله، وبين شعوره بالذنب لتركه جده وحيدًا.

كيف يمكنه أن يبدأ حياته الجديدة المليئة بالعمل والتحديات في القاهرة، بينما الرجل الذي علّمه أولى خطوات الحياة يقضي أيامه وحيدًا في أقصى الجنوب؟ كانت فرحة النجاح موجودة، لكنها كانت فرحة منقوصة، يغلفها شعور بالحنين والقلق. . نظر من نافذة غرفته إلى أضواء القاهرة التي لا تنام، وتساءل في صمت: هل كان قراره بالعودة هو الصواب حقًا؟ ❈-❈-❈ بعد أن انقضى بعض الوقت على لهفة والديه الهادئ، الذي شعر به مالك كأنه مراسم وداع، انسحب إلى غرفته أغلق الباب خلفه، وشعر وكأنه يغلق ستارة على فصل من حياته.

كان يحاول ترتيب أفكاره المشتتة، صدى كلمات أبيه عن ان “روح لعدي” لا يزال يرن في أذنيه كحكم قضائي نهائي. وبينما كان غارقاً في بحر من الحيرة والألم، سمع طرقاً خفيفاً ومتردداً على الباب. لم يكن طرق والدته الحاسم، ولا طرق والده الوقور. كان طرقاً يعرفه جيداً، طرقاً يحمل براءة وخجلاً، طرق “روح”. _ ادخل. قالها بصوتٍ هادئ، محاولاً أن يخفي بحة الألم فيه. انفتح الباب ببطء، وظهرت منه “روح” ابنة عمه.

كانت في الثانية عشرة من عمرها، تقف على أعتاب المراهقة، جسدها النحيل لا يزال يحمل طفولة، لكن عينيها كانتا تحملان حزناً يفوق سنها بكثير. كانت ترتدي فستاناً بسيطاً من القطن، وتضم بيديها الصغيرتين دمية قديمة مهترئة، تلك التي أهداها إياها في أحد أعياد ميلادها البعيدة. كانت وجنتاها متوردتين من أثر البكاء، وعيناها الجميلتان غارقتين في بحر من الدموع التي كانت تحاول حبسها عبثاً. بمجرد أن رآها، شعر مالك بغصة حادة في حلقه. نسي للحظات حزنه الشخصي، وقلقه من المستقبل، وكل شيء آخر.

لم يعد في العالم سوى هذه الطفلة التي تقف أمامه بقلبٍ مكسور، وكأنها تحمل حزن العالم كله في عينيها الصغيرتين. نهض من سريره واقترب منها، ثم جثا على ركبتيه ليكون في مستوى نظرها، ليرى الألم بوضوح. مد يده ليمسح دمعة هاربة على خدها، وشعر بنعومة بشرتها ورقتها. سأل بصوتٍ حنون، صوت لم يكن يستخدمه إلا معها، صوت كان يخبئه للعالم كله ويظهره لها وحدها _ روح؟ بتعيطي ليه يا قلب مالك؟ لم تجب كانت كلماته الحنونة هي المفتاح الذي فتح سدود دموعها. انفجرت في بكاءٍ صامت اهتز له جسدها الصغير

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *