رواية جديدة 4-5-6
_ ياريت بس أنا شايف إن الشغل ده هيبعدني أكتر عن جدي والمشكلة إنه رافض تماماً يسيب البلد وييجي يعيش معانا في القاهرة. دايماً يقولي أنا عامل زي السمكة اللي لو خرجت من المايه تموت على طول. غصب عني بسكت ومبرداش أضغط عليه. ربت مالك على كتفه، وهذه المرة تبادلت الأدوار، وأصبح هو من يواسي. _ سيبه براحته بلاش تضغط عليه هو هنا وسط أهله وناسه وأصحابه دي حياته اللي يعرفها وإنت كل أجازة انزله، متقطعوش.
نظر كل منهما للآخر، صديقان جمعهما القدر، وكل منهما يحمل هماً مختلفاً، لكنهما يجدان في وجود بعضهما البعض السند والعون، في صمت أبلغ من أي كلام. ❈-❈-❈ في منزل قاسم المحلاوي نزل أكمل الدرج بخطوات هادئة، وهو يحمل حقيبته الجلدية في يده. وجد جده قاسم جالساً في مكانه المفضل على الأريكة الكبيرة في بهو المنزل، يقرأ في جريدته الصباحية التي لا يبدلها مطلقاً، وكأن العالم خارج صفحاتها لا يعنيه. كانت هذه طقوسه اليومية التي لم تتغير منذ سنوات.
_ السلام عليكم. رفع قاسم عينيه ببطء عن الجريدة، ونظر من فوق نظارته الطبية إلى حفيده الذي يقف أمامه بكامل أناقته، جاهزاً للسفر. _ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. على فين العزم دلوقت؟ تطلع أكمل في ساعته بابتسامة. _ دلوقت إيه يا حج؟ الساعة عدت ستة، وأنا عندي مقابلة مهمة النهاردة في القاهرة. تذكر قاسم فجأة، وضرب بكفه على ركبته بخفة. _ والله نسيت يا ولدي فرحة امبارح واللمة نستني كل حاجة على العموم، ربنا يوفقك، بس متتأخرش عليا وتغيب عني كتير إكده الشهور اللي فاتت كانت طويلة جوي.
مال أكمل ليقبل يد جده الخشنة التي تحمل تجاعيد الزمن، وقبلها بكل الحب والتقدير الذي يحمله له، متمتماً بصوت حنون _ إنت عارف يا جدي إنه غصب عني. الجامعة ومشاغلها بس أول ما الظروف بتسمح، بتلاقيني خدت أول قطر وجيلك على طول. أومأ له قاسم برضى، وربت على ظهر يده الممسكة بيده. _ خابر يا غالي، خابر. بس بلاش تعمل زي ابوك، وتشغلك الدنيا عني. جثى أكمل على ركبتيه أمام جده، ووضع حقيبته جانباً قال بعتاب مرح، كطفل يداعب أباه
_ طب ما إنت اللي رافض تاچي معانا وتريحني وتريح نفسك، وكل مرة تتحجج بحچة الأرض يا حچ قاسم. غامت عين قاسم بالذكريات، وسرح بنظره للحظات في الفراغ، كأنه يرى شريط حياته يمر أمامه. _ مش بس الأرض يا ولدي أنا اتولدت اهنه، واتربيت اهنه، وربيت أبوك في الدار دي حياتي وذكرياتي كلها، الحلوة والمرة، مدفونة في تراب البلد دي. مخرجتش براها، وعشان إكده بجيت زي السمكة اللي لو خرجت من المايه… تموت.