رواية جديدة 4-5-6
❈-❈-❈ كان الهواء الساخن يلفح وجه أكمل وهو يطل من نافذة السيارة، مُودّعًا النخيل المتناثر على جانبي الطريق والذي كان يمثل آخر ما تبقى من صورة الصعيد في عينيه. كانت رحلة طويلة، لكنها أقصر بكثير من المسافة التي يشعر بها في قلبه بين عالَمين عالم جده الهادئ المترسخ في الأرض والتقاليد، وعالم القاهرة الصاخب الذي ينتظره بأحلامه وطموحاته. وصلت السيارة إلى المطار وكم وجد صعوبة في الترجل من السيارة والسير على أرض المطار الذي سيفصله عن عالم جده
لم يدم تردده فأمامه حياة وهدف آخر بانتظاره بخطوات بطيئة سار حتى أنهى اجراءات الطائرة ثم توجه إليها وطوال رحلته ظل يفكر في كل شيء متعلق بالبلدة وبجده حتى وصل إلى القاهرة نزل أكمل حاملاً حقيبته التي لم تكن تحتوي على الكثير من الملابس، بل كانت مُثقلة بذكريات إجازة قضاها في أحضان جده. رائحة الأرض الطينية بعد ريِّها، صوت الجد وهو يحكي له حكايات الأجداد تحت ضوء القمر، ودفء الأحاديث البسيطة التي لا تحمل في طياتها إلا الصدق والمحبة.
استقل سيارة أجرة إلى منزل أسرته، وفي كل شارع تمر به السيارة، كان يشعر بأن القاهرة تبتلعه مرة أخرى في ضجيجها وزحامها الذي كاد أن ينساه. فتح باب الشقة بمفتاحه، ليجد والدته في استقباله بابتسامة واسعة وحضن دافئ طال انتظاره. _أكمل! حمدًا لله على السلامة يا حبيبي. وحشتني جدًا. عانقها بقوة، ثم قبّل يدها وهو يقول بمحبة _وانتي كمان يا أمي وحشتيني أوي التفت إلى والده الذي خرج من غرفته على صوت ترحيب زوجته. نظر إليه حسين بفخر، وقال بصوتٍ هادئ يملؤه الرضا:
_أهلاً يا سيادة وكيل النيابة. نورت بيتك. ابتسم أكمل ابتسامة باهتة، حاول أن يجعلها تبدو أكثر فرحًا مما يشعر به حقًا. جلس معهما في غرفة المعيشة، وأخرج من حقيبته الظرف الذي يحمل نتيجة قبوله في الهيئة القضائية. وضعه على الطاولة أمام والده قائلاً: _الحمد لله يا بابا، ربنا كرمني وقبلت. تهللت أسارير والدته وهي بفرحة عارمة، بينما التقط والده الظرف، وقرأ الخطاب الرسمي وعيناه تلمعان بالفخر. ربّت على كتف ابنه بقوة وهو يقول: كنت عارف أنك هتعملها طول عمرك رافع راسي، بس المرة دي أفضل بكتير.
كانت فرحتهما غامرة وصادقة، وهي الفرحة التي حلم أكمل دائمًا بأن يراها على وجهيهما. لقد عمل بجد واجتهد لسنوات طويلة من أجل هذه اللحظة، من أجل أن يرى هذا الفخر في عيون والده وهذه السعادة في قلب والدته. لكن، وفي وسط هذه الأجواء الاحتفالية، كان هناك جزء من قلبه لا يزال عالقًا في ذلك البيت الكبير في صعيد مصر. استأذن منهما ودخل غرفته بحجة تغيير ملابسه أغلق الباب خلفه واستند عليه، وأغمض عينيه.