رواية جديدة 4-5-6

عالمٌ هو من سيصنعه لها، بقواعده هو، وبشروطه هو ها قد حالفه الحظ، وجاءته فريسته على طبق من ذهب، بطريقة لم تخطر له على بال، وبهذه السهولة المريبة. لاح على فمه شبح ابتسامة، ابتسامة نصر باردة لم تلبث كثيرًا واختفت سريعًا، وحل محلها قناع البرود الذي يتقنه. تطلع إلى ملامحها الهادئة، إلى رموشها الطويلة التي ترسم ظلالاً على خديها الشاحبين رأى فيها هشاشة واضحة، شخصية بدت له كتابًا مفتوحًا، وصل لأدق تفاصيلها في غضون دقائق معدودة.

عندما سقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي، عرفها سائقه على الفور. “دي… حفيدة وهدان الرفاعي يا بيه.” همس السائق بقلق في تلك اللحظة، لمعت عينا جاسر ببريق شيطاني فكر لوهلة أن يتركها لمصيرها في تلك الغابة، لكنه أدرك أن ذلك المصير ليس ما أراده لتلك العائلة لم يتوانَ عن حملها والذهاب بها إلى المشفى. فتلك هي أولى خطواته على سلم الانتقام، سيرد الصاع صاعين، وسيجعلهم جميعًا يرضخون تحت قدميه. وصل السائق أمام المشفى، وفتح له الباب وهو يقول بقلق

_ استنى يا بيه، هنادي حد يجيب ترولي… قاطعه جاسر بصوت حازم كحد السيف _ متندهش حد. ترجل من السيارة وهو يحملها بين ذراعيه، ودلف بها إلى المشفى أمام أنظار الجميع المندهشة. كان المشهد عجيبا جاسر التهامي، الرجل الذي يشبه الصخر في قسوته، يحمل فتاة غريبة بين ذراعيه، ضامًا إياها إلى صدره، وقد استطاع ببراعة أن يرسم على ملامحه قناع قلق المحب على محبوبته. انقلبت المشفى رأسًا على عقب فور رؤيته. أسرع أحدهم نحوه بسرير متحرك، لكن جاسر رفض أن يبعدها عن ذراعيه، وصار بها للداخل إلى قسم الطوارئ، حيث أشارت له إحدى الممرضات إلى غرفة فارغة.

وضعها برفق على السرير، وفي تلك اللحظة دلف الطبيب قائلاً _ خير، إيه اللي حصلها؟ همّ الطبيب بالاقتراب منها ليفحصها، لكن صوت جاسر الحازم أوقفه كصاعقة كهربائية. _ متقربش منيها. اندهش الطبيب، واستدار نحوه. _ نعم! يعني إيه مقربش منيها؟ أومال هكشف عليها إزاي؟ لم يعر جاسر رده أي اهتمام، ووجه حديثه للممرضة بنبرة لا تقبل الجدال. _ لو مفيش دكتورة هنا، هاخدها وأمشي. تمتمت الممرضة، التي تعرف جيدًا من يكون جاسر التهامي وما يمكنه فعله، بوجل

_ لأه… لأه… إزاي بس الدكتورة مها موجودة دلوقتي، ثواني وهندهلها. هز الطبيب رأسه بيأس من تلك العقول التي لم تتغير، وخرج من الغرفة في صمت. عاد جاسر من شروده على آهة خافتة خرجت من بين شفتيها استرخى في مقعده بجانب السرير، يتطلع إليها بتسلية، مستمتعًا بالبداية التي تسير تمامًا على هواه. وضع قدمًا فوق الأخرى، وعلى محياه ذلك البرود القاتل المعروف عنه، والذي يجعل من أمامه يفكر ألف مرة قبل أن يخطو نحوه خطوة واحدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *