رواية جديدة 4-5-6
كان يعلم أنه يقدم وعداً لطفلة قد لا تتذكر كلماته بالتفصيل حين تكبر، لكنه كان يقدم هذا الوعد لنفسه قبل كل شيء. كان ينقش هذا العهد على قلبه. هذا هو هدفه الجديد، ووقوده الذي سيجعله يتحمل الغربة، والبعد، وكل شيء. مسح دموعها المتبقية بأطراف أصابعه، ثم ابتسم لها ابتسامة دافئة، محاولاً زرع بعض الطمأنينة في قلبها الصغير. _ دلوقت بجا، تمسحي دموعك دي، عشان العيون الحلوة دي مينفعش تبكي. إنتي “روح مالك”… ولا نسيتي؟
هزت رأسها مسرعة، وظهر بريق خفيف في عينيها الحزينة. _ لا، منسيتش. أني طول عمري “روح مالك”، وبجول إكده لصحابي في المدرسة. ابتسم مالك بحزن. هي لا تفهم المعنى الحقيقي لذلك اللقب الذي أطلقه عليها منذ أن كانت رضيعة. لا تفهم أنه ليس مجرد اسم تدليل، بل هو إعلان ملكية، حقيقة منقوشة في روحه. شعرت روح ببعض الطمأنينة وهي تستمع لكلماته. لم تفهم تمامًا كيف سيحميها وهو بعيد، لكنها صدقت نبرة صوته الواثقة، وصدقت الوعد في عينيه.
أومأت برأسها ببطء، وتمسكت بدميتها بقوة. وقف مالك، وسحبها معه برفق ليخرجها من غرفته، ثم أغلق الباب خلفها. استند بظهره على الباب، وأغمض عينيه. في تلك اللحظة، أدرك أن نجاحه لم يعد مجرد حلم شخصي’ بالثرو’ة والمركز، بل أصبح سلا’حه الوحيد في معركة لم تبدأ فصولها بعد. معركة من أجل جده الذي وض’ع كل آماله عليه، ومن أجل هذه الطفلة التي سر’قت قلبه دون أن يدري أحد، ودون أن تدري هي. الفصل الخامس ………………….
بعد مرور سبعة أعوام. ’ كان مالك يقف أمام الجدار الزجاجي البانو’رامي لمكتبه في برج من أحد أبراج دبي الشاهقة. كانت زخات المطر تتساقط بغزارة، في مشهد نادر وغير معتاد للمدينة، تغسل واجهات ناطحات السحاب الزجاجية وتحول الشوارع السفلية إلى أنهار مؤقتة. كان يراقب المارة وهم يهرعون للاختباء، وسيارات الفخمة المصطفة على جانبي الطريق تلمع تحت قطرات الماء. لم يشعر بالسرور الذي يشعر به معظم الناس عند رؤية المطر. بل على العكس أصبح يبغضه.
فقد باتت كل قطرة تذكره بذكريات يجاهد لينساها بذكريات قريته ورائحة الطين المبلل وصوتها وهي تضحك تحت المطر. غامت عيناه كغيوم تلك السماء وهو يتذكر أيامه القليلة التي يقضيها معها في إجازاته السنوية نصل حاد وبارد غُرز في قلبه عندما تذكر نظراتها الهائمة لأخيه عدي ابتسامتها التي خاصته بها وحده، والتي كانت تضيء عالمه المظلم ملاحقتها له بعينيها الآسرة أينما ذهب نطقها لاسمه بصوتها العذب كان يذبحه من الوريد للوريد، دون شفقة ولا رحمة.