رواية جديدة 4-5-6

أغمض عينيه، وأخذ نفساً عميقاً، محاولاً طرد تلك الأشباح. لكن كيف لجسد استوطن عشق الروح أن تهدأ آلامه؟ انتبه على طرق الباب ودخول ناجي، صديقه المصري الوحيد وزميله في الشركة. _ السلام عليكم مبروك يا وحش، سمعت إنك قفلتها. التفت إليه مالك وهو يحاول ارتداء قناع البرود واللامبالاة الذي أتقنه على مر السنين. _ وعليكم السلام لسه، فاضل تفاصيل صغيرة. جلس ناجي على المقعد الجلدي الفاخر أمامه، وهو يحل زر سترته الأنيقة.

_ تفاصيل إيه بس؟ الراجل بنفسه قالي إن لولا تحليلك للبيانات وتوقعك لمكان البئر الجديد، كانوا هيفضلوا يحفروا في الهوا شهور. إنت أنقذت ملايين يا مالك. كان مالك قد قضى الأسابيع الثلاثة الماضية منكباً على مجموعة معقدة من البيانات لحقل نفط جديد في الصحراء. كانت كل الفرق الأخرى قد اقترحت مواقع حفر باءت بالفشل لكن مالك، بذكائه الحاد وقدرته على رؤية الأنماط التي لا يراها الآخرون اكتشف شذوذاً بسيطاً في البيانات ثغرة صغيرة قادته إلى استنتاج جريء ومختلف تماماً. راهن على استنتاجه، وأقنع الإدارة العليا بتغيير مسار الحفر بناءً على تحليله.

واليوم جاءت الأخبار بانفجار النفط من الموقع الذي حدده بالضبط. تنهد مالك وهو يجلس على مقعده بوجوم لم تظهر على وجهه أي علامات للانتصار أو الفرح. _ كلمت الشيخ حمدان؟ هز ناجي رأسه بأسف. _ كلمته وباركتله على البئر الجديد باسمك بس برضه، رافض تماماً فكرة إنك تتنقل لفرع الشركة التاني. قالي بالحرف: “مالك هو العقل المفكر هنا، ومستحيل أفرط فيه”. لم يتفاجئ مالك لقد كان هذا نجاحه الأكبر وفي نفس الوقت أصبح قيده الذهبي.

_ يبقى زي ما اتفقنا تجديد العقد مرفوض. نظر إليه ناجي بحيرة حقيقية. _ ممكن أفهم إيه اللي في دماغك؟ ليه يا مالك؟ ليه مصر تتنقل لفرع أبرد وأصغر ومكانه مقطوع زي ده، وتسيب دبي والمركز اللي وصلتله هنا؟ إنت على بعد خطوة من إنك تبقى رئيس قسم العمليات كله. كانت عينا مالك لا تظهران سوى البرود، كسطح بحيرة متجمدة تخفي تحتها أعماقاً عاصفة. أجاب بصوته الرزين الهادئ _ مفيش أسباب دي رغبتي.

لن يجادل ناجي معه. فرغم مرور سبع سنوات على صداقتهما، إلا أن مالك كان دائماً كصندوق أسود مغلق لم يستطع يوماً معرفة ما بداخله سوى إذا أراد هو ذلك. سحب مالك ورقة رسمية من الدرج، وأخرج قلماً فاخراً من جيب سترته. بدأ يكتب بهدوء وثبات كل حرف كان بمثابة مسمار يدقه في نعش وجوده في هذه المدينة. _ أنا هكتب استقالتي وهسيبها معاك. أول ما أرجع مصر بعد أسبوعين، قدمها نيابة عني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *