رواية جديدة 4-5-6

أغلق الخط دون أن ينتظر ردًا، تاركًا سند يصرخ في هاتف صامت، وتاركًا نغم ترتجف في غرفتها، وقد أدركت أنها لم تنجُ من ذئب الغابة… بل وقعت في عرين الاسد نفسه. ❈-❈-❈ عاد مالك إلى شقته في الموقع، وأغلق الباب خلفه بهدوء، كأنه يغلق الباب على العالم بأسره كان يشعر بإرهاق شديد ليس إرهاق الجسد وحده، بل إرهاق الروح التي سُحقت تحت وطأة خبر واحد ارتمى بكامل جسده على أقرب مقعد، وأطلق تنهيدة حارة طويلة لعلها تخرج معها تلك النيران المتأججة بداخله.

لكن كيف لها أن تخرج؟ كيف وقد تلقى للتو الصدمة التي جعلت روحه تنسحب من جسده، وتتركه مجرد هيكل فارغ؟ أغمض عينيه بقوة، كأنه يحاول طرد صورة خطبة أخيه من رأسه. ولما لا ينهار؟ وقد فقد كل أمل يربطه بها لم تعد مجرد روح، ابنة عمه التي نشأ معها بعد أشهر قليلة، ستكتسب صفة جديدة، صفة قاسية كحد السيف: “زوجة أخيه”. رمش بعينيه مستصعبًا تلك الكلمة، لقد كانت ثقيلة على لسانه حتى في التفكير لكنها الآن أصبحت واقعًا لا يمكن الهرب منه.

نهض ببطء، وجر قدميه نحو غرفته، فاستقبلته صورتها صورة ضخمة تحتل جزءًا كبيرًا من الجدار، التقطها لها في آخر زيارة له للبلد دون أن تنتبه. كانت تضحك، رأسها مائل للخلف كانت ضحكة نقية، ضحكة لم يكن يراها إلا مع شخصين: هو، وأختها نغم. في كل زيارة، كان يسرق لها صورة، لقطة تعبر عن مرحلة جديدة من عمرها، حتى يعيش معها تقدمها في العمر وهو بعيد. توجه إلى المنضدة، وأخرج منها ألبوم صور قديمًا، واستلقى على الفراش ليفتح بوابات آلامه فور أن فتح أولى صفحاته.

كان الألبوم تاريخًا مصورًا لروحهما معًا. كل صفحة بعام من عمرها وعمره. هنا، كانت طفلة صغيرة تتعلق برقبته كأنه مركز عالمها. وفي صفحة أخرى، كانت ضحكتها التي كانت تخصه بها وحده، ضحكة يعرفها من بين ألف ضحكة وهنا كانت تحتضنه بقوة عند عودته في الإجازة، كأنها تخشى أن يهرب منها مرة أخرى وهنا، كانت دموعها وهي تودعه، تبكي عندما يتركها ويعود إلى القاهرة. كانت ذاكرته تراجع كل ذلك بابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيه.

أغلق الألبوم، وتطلع إلى هاتفه بشوق وحنين ماذا سيفعل؟ ماذا سيقول؟ هل يبارك لها؟ أم يعزي حاله معها؟ وكعادته دائمًا، سار خلف رغبة قلبه، قلبه الذي لا يعرف المنطق أمامها. قام بالاتصال بها عبر الفيديو متحججا بالاطمئنان عليهم ثوانٍ معدودة وظهرت صورتها أمامه لكنها لم تكن روح التي يعرفها كانت عيناها متورمتين، ووجهها شاحبًا. وصوتها الهادئ، الذي حاول أن يكون طبيعيًا، قال _ إزيك يا مالك، كيفك؟ قطب مالك جبينه بحيرة وقلق لقد لاحظ على الفور أنها تخفي عينيها عنه وأن صوتها مهما حاولت إخفاء الحزن به، لا يخفى عليه أبدًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *