رواية جديدة 4-5-6
رفع عينيه لحفيده، وتابع بعتاب حنون يحمل في طياته حباً عميقاً _ عايزني أموت يا ولدي؟ شدد أكمل بقبضته على يد جده، ونفى بلهفة صادقة _ بعد الشر عنك يا جدي! ربنا يديك طولة العمر والصحة. قالها “قاسم” بحسم. _ يبجى خلاص بلاش تطلب مني الطلب ده تاني وجت ما تجدر تاچي، هتلاجيني مستنيك يا غالي. ابتسم أكمل بود وهو ينهض من أمامه، ليلتقط حقيبته. _ إن شاء الله يا جدي أنا همشي بقى عشان…
قاطعه “قاسم” بنبرة آمرة لا تقبل النقاش، وهو يطوي جريدته ويضعها جانباً. _ تمشي فين؟ مفيش خروج من الدار دي قبل ما تفطر يا أم حسن! الفطار! لم يكد أكمل يعترض، حتى كانت أم حسن مدبرة المنزل تطل من باب المطبخ بابتسامتها المعهودة. _ الفطار جاهز يا حچ. _ يبجى حطيه على السفرة حفيدي وكيل النيابة مسافر، ولازم ياكل لقمة تتقل جلبه.
استسلم أكمل بابتسامة، ووضع حقيبته مرة أخرى لا فائدة من مقاومة أوامر جده، خاصة عندما تتعلق بالطعام. جلس إلى طاولة السفرة الكبيرة، وسرعان ما امتلأت أمامه بالأطباق الشهية، الفطير المشلتت، والجبن القديم، والعسل الأبيض، والبيض المقلي. جلس قاسم على رأس الطاولة، وبدأ يضع الطعام في طبق حفيده بنفسه. _ كل يا ولدي، كل أكل القاهرة ده ميسندش طول عايزك ترجعلي إكده وشك منور وصحتك ترد فيك. ضحك أكمل وهو ينظر إلى طبقه الذي تحول إلى جبل من الطعام.
_ كفاية يا جدي، والله كفاية هنام في المقابلة. _ كل بس ومتتكلمش. قال “قاسم” وهو يقطع له قطعة من الفطير ويغمسها في العسل ويضعها أمامه. _ عايزهم يشوفوا وكيل النيابة بتاعنا مالي مركزه إكده. أكل أكمل وهو يشعر بدفء لا مثيل له. لم يكن مجرد طعام، بل كان حباً خالصاً يقدمه له جده كانا يتحدثان بين اللقمة والأخرى، عن ذكريات الطفولة، وعن أهل البلد، وعن أحلام أكمل المستقبلية. كان قاسم يستمع إليه بفخر واهتمام، وكانت عيناه تلمعان بحب لا تخطئه عين.
_ ربنا يخليك ليا يا جدي، وميحرمنيش منك أبداً. قال أكمل بصدق وهو ينهي طعامه. رد قاسم وصوته يملؤه الحنان _ ويخليك ليا يا غالي إنت اللي فاضلي من ريحة الغالية، كانت روحها فيك. روح يا ولدي، ربنا يفتحها في وشك، وينور طريقك بس متنساش… إن فيه قلب مستنيك اهنه . نهض أكمل وقبل رأس جده مرة أخرى، وشعر بأن هذه اللحظات هي الوقود الحقيقي الذي يعينه على مواجهة العالم بقسوته وبرودته.