رواية جديدة 4-5-6

لكن جسدها بدأ يخونها. ازدادت ضربات قلبها حدة لم تعد مجرد خفقات بل ارتطامات عنيفة ومؤلمة في قفصها الصدري، كطائر مذعور يحاول كسر قضبان سجنه شعرت بدوار يغزو رأسها، وبقع سوداء بدأت ترقص أمام عينيها. لم تعد قادرة على المواصلة. استندت على جذع شجرة ضخمة، خشن الملمس وضغطت بكفها على صدرها، في محاولة يائسة لتهدئة هذا الجنون الذي بداخله. أغلقت عينيها للحظة وأذناها متيقظتان لأي صوت. هل نهض؟ هل هو قادم؟ كل ثانية من الصمت كانت تعذيبًا ترقبًا مرعبًا لما هو آت.

بعد لحظات بدت كدهر وجدت بصيصًا من الضوء أمامها. لم تكن الشمس بل كان فراغًا بين الأشجار. مخرج! دفعت نفسها بعيدًا عن الشجرة، وركضت نحو هذا الضوء بكل ما تبقى لها من قوة. خرجت من كثافة الأشجار إلى حافة طريق ترابي قديم. كانت تلهث بعنف، والهواء يصفع وجهها. نظرت يمينًا ويسارًا الطريق كان مهجورًا وموحشًا. لم يكن هناك أمل. استدارت لتواصل الركض على طول الطريق لا يهم إلى أين المهم أن تظل في حركة.

وفي لحظة استدارتها اصطدمت بجدار بشري. لم يكن ارتطامًا عاديًا. كان صلبًا وثابتًا كالصخر. القوة التي اصطدمت بها جعلت الهواء يخرج من رئتيها دفعة واحدة، وشعرت بأن عظامها قد اهتزت. رفعت رأسها المذعور وعيناها المتسعتان بالرعب تبحثان عن وجه المعتدي، متوقعة أن ترى نفس النظرة الوحشية التي كانت تطاردها. لكن ما رأته جمدها في مكانها، وأوقف قلبها الذي كان ينبض بجنون. لم تكن نظرة شهوة أو وحشية كانت شيئًا آخر شيئًا أبرد وأقسى. كانت عيونًا جليدية بلون السماء في شتاء قاسٍ حادة كشظايا الزجاج، وثابتة لا ترمش.

عيون لا تعرفها كانت تلك العيون الجليدية التي لم تحمل أي تعبير سوى القوة الباردة، هي آخر ما وقعت عليه عيناها قبل أن يبتلعها الظلام وتتهاوى بين ذراعيه فاقدة للوعي. ❈-❈-❈ كان عقل سند عبارة عن ضجيج أبيض، لا صوت فيه يعلو على صدى صرخة نغم الأخيرة. “الحقني!” كلمة واحدة لكنها كانت كافية لتفجير بركان من الرعب في داخله. ظل يضغط على زر إعادة الاتصال في هاتفه ويداه ترتجفان على عجلة القيادة لكن الرد كان دائمًا نفسه: صوت آلي بارد يعلن أن هاتفها مغلق، كل إعلان كان طعنة جديدة في قلبه القلق.

لم يرحمه عذاب التخيلات. صور مروعة تتراقص في ذهنه سيارة صدمتها، ذئب بشري اعترض طريقها، سقوط في مكان مهجور. كل فكرة كانت أسوأ من سابقتها، وكلها تنتهي بنفس النهاية المظلمة. قال عادل بصوت هادئ حاول به اختراق جدار الهلع الذي يحيط بسند. _سند، اهدى شوية وخلينا نفكر سوق على مهلك، أنت كده ممكن تعمل حادثة اديني أنا أسوق. هز سند رأسه بعنف وعيناه الجاحظتان مثبتتان على الطريق أمامه. _لأ! لازم أوصلها… لازم ألاقيها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *