رواية جديدة 4-5-6

ألقت بنفسها في حضنه، ودفنت وجهها في قميصه، بينما تشبثت به بكل قوتها، كأنها تخشى أن يختفي إذا أفلتته، كغريق يتمسك بآخر طوق نجاة. تردد مالك في ضمها إليه رغم رغبته الشديدة في ذلك لكنه منع ذراعيه من ذلك، وشعر بقميصه يبتل بدموعها الساخنة تركها تبكي، تركها تفرغ كل حزنها وخوفها في حضنه. كان قلبه يتمزق من أجلها.

هو يعرف سبب هذا الحزن جيداً لقد وصل إلى مسامعه الهمس الذي يدور في جلسات العائلة، عن تلك الوصية الشفهية التي قطعها أبوه على نفسه بأن “روح لعدي” أخيه، بمجرد أن تكبر. كان سفره بالنسبة لها انكساراً وهزيمة، لكنه كان يدرك الآن أنه بالنسبة لها فرحة مستقبلية لا تعلم عنها شيئاً. لقد أضاع فرحتها الحالية بذهابه، ولا تعرف تلك الصغيرة أنه يذهب لتكتمل سعادتها المزعومة في المستقبل.

كان عدي يكبر روح بسنوات قليلة، لكنه كان يمثل كل ما يكرهه مالك؛ الانانية وحب الذات. مجرد التفكير في أن تكون روح، ببرائتها ورقتها وقلبها النقي، من نصيبه في المستقبل، كان يشعل ناراً من الغيرة والغضب في صدر مالك بعد أن هدأت شهقاتها قليلاً، وتحولت إلى تنهيدات متقطعة، أبعدها عن حضنه برفق، وسألها بحيرة _ ليه العياط ده كله؟ عشان مسافر؟ سألها، مع أنه كان يعرف أن هذا هو السبب الظاهري فقط. هزت رأسها بالإيجاب، ثم قالت بصوتٍ متقطع ومبحوح من البكاء

_ ايوة… سمعتهم بيجولوا إنك هتهمل البلد… وتسافر بعيد جوي. ابتلعت ريقها بصعوبة، وأضافت بخوفٍ طفولي حقيقي _ وإنك… مش هترچع تاني واصل. ابتسم مالك لتلك الصغيرة التي تفهم وتستوعب أكثر مما يتصورون. لم تعد تلك الطفلة التي يمكن خداعها بقطعة حلوى أو لعبة جديدة. إنها تشعر بالخسارة الحقيقية. تنهد “مالك” بعمق، وحاول أن يجمع شتات نفسه ليجد الكلمات المناسبة. قال بحزمٍ لطيف، ونبرة تحمل سلطة الأب وحنان الأخ _ اسمعيني يا روح أنا مسافر عشان شغلي ومستقبلي…

لاح الحزن في عينيه وهو يضيف الكلمة الأهم _ ومستقبلك. نظرت إليه بعينين تملؤهما الحيرة والرجاء. _ مستقبلي؟ كيف يعني؟ قالها وهو ينظر مباشرة في عينيها، بصدقٍ ووعدٍ لا تخطئهما عين _ أيوة مستقبلك لأن وجودي في حياتك دلوقت… ممكن يكون عقبة فيه. لم تفهم شيئاً، لكنها لم تجادل هي تعلم جيداً أنه لا يوعدها بما لا يستطيع فعله صمتت، تنتظر منه المزيد. _ وأوعدك… أوعدك يا روح، إني طول ما أني عايش، مش هسمح لحاچة تزعلك أو تأذيكي حتى وأني غايب… هفضل أحميكي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *