بعد ست أيام بس من جوازي
حصري لصفحة روايات رولا
بعد ست أيام بس من جوازي، جوزي حاول يسيطر على مرتبي، وجدول يومي، وتحويشتي، وحتى البيت اللي كنت شاريته بفلوسي قبل ما أشوف وشه بسنين.
ولم الموضوع مش مكفيه، جاب أمه عشان تعاونه عليّ.
كانوا فاكرين إني هعمل خناقة وأصوت.
بس أنا ابتسمت.
عشان قبل فرحنا بتلات أسابيع، هيثم كان ماضي على ورقة مقراش منها حرف واحد.
وقبل ما الشمس تطلع الصبح، أمه كانت هتفتح ظرف مقفول وتكتشف إن كل الجر والمجرور والخطة اللي بنيوها على فلوسي كانت مبنية على غلطة عمرهم.
البداية كانت على العشا.
الفراخ المحمرة كانت لسة بتطلع بخارها لما هيثم أخد الطبقين بتوعنا — ولسة متلمسوش — وزقهم لأخر رخامة المطبخ.
بصلتله وأنا مستغربة ومفيش حاجة فاهمة.
بعدين لمحت تليفونه محطوط جنب ملاحة الملح.
أمه، الحاجة عفاف، كانت على المكالمة فيديو.
وشها كان مالي الشاشة تحت النور العالي بتاع صالتها في المعادي. كانت مالية على الشاشة بفضول، كأنها مستنية اللحظة دي من الصبح.
“يلا يا هيثم،” قالتله في التليفون. “فهّمها الأصول بصوت واضح.”
هيثم حط ورقة واحدة قدامي على الرخامة.
وبصابعه فرد حرف الورقة اللي كان متني.
من فوق، وبخط أسود تقيل، كان مكتوب كلمتين:
قواعد البيت.
برقت في العنوان.
وبعدين بدأت أقرأ.
كانوا اتناشر بند.
مرتبي يتأحّول أول ما ينزل على حساب مشترك من يوم الجمعة.
الحاجة عفاف يتعملها إذن اطلاع على الحساب ده “عشان تساعدنا في مصاريف البيت.”
أعمل الفطار قبل ما هيثم ينزل على شغله.
الغدا يتحط على التربيزة الساعة ستة ونص بالدقيقة.
الكورسات المسائية اللي بديها في مركز الشباب اللي في الحي تقف فوراً.
أي حاجة تتشري بأكتر من خمسين جنيه لازم تتقال وتتناقش الأول.
وفي أخر الورقة، البند الأخير كان بيعلن إن أي قرار كبير في الحياة هيبقى “بشورى العيلة.”
رفعت عيني بالراحة.
هيثم كان شابك إيديه في بعض وقاعد مستعد.
“كده الأمور تمشي بسلاسة ومن غير وجع دماغ،” قالها ببرود.
ضحكة ضيقة ومستفزة طلعت من سماعة التليفون.
عفاف.
قريت الورقة تاني.
مش عشان مافهمتهاش.
بس عشان كنت محتاجة كام ثانية أستوعب إن جوزي بيتكلم بجد ومش بيهزر.
من ست ليالي بس، نفس الراجل ده كان واقف معايا في قاعة الأفراح في التجمع، باصص في عيني، وبيتوعد إنه يحترم حياتي وكياني اللي بنيتهم.
دلوقتي مد إيده ناحية جواب إيصال المرافق بتاع شقتي اللي جنب كوعي وطبطب عليه بصباعه.
“إحنا اتجوزنا،” قالها. “البيت بقى بيتنا. وتحويشتك جزء من مستقبلنا سوا.”
بصلتله بذهول.
البيت ده بتاعي بقاله أربع سنين.
أنا اللي شريته.
أنا اللي دفعت كل أقساطه ومقدمه.
أنا اللي شيلت صيانته، وتأمينه، وضرائبه، وبنيت حياتي جوه حيطانه من قبل ما هيثم حتى يعرف إني عايشة في الدنيا.
ومع ذلك بيتكلم وكأن مجرد ما مضينا قبالة المأذون، ملكية كل حاجة شقيت فيها راحتله بالسهولة دي!
وفجأة، مواقف غريبة كتير حصلت الشهر اللي فات نورت في دماغي.
عفاف وهي بتسألني بالخبث كده عن عقود الشقة وورقها.
هيثم وهو بيزن عايز نسخة من مفتاح الشقة لأمه “عشان لو سافرنا في أي وقت.”
توطية صوتهم مع بعض أول ما أدخل عليهم وهم بيتكلموا فيديو.
أنا كنت ملاحظة كل ده.
بس عمري ما ربطت الخيوط ببعضها.
لحد اللحظة دي.
وفجأة تليفوني نور جنب كوباية المية.
إشعار جايلي من بنك مصر.
مسكت التليفون.
طلب ربط حساب جديد مع حسابي كان بيتبعت دلوقتي.
عيني راحت من الشاشة لـ هيثم.
ابتسم بثقة.
“شفتي؟” قالها. “أنا بدأت في الإجراءات أهو.”
الابتسامة دي كشفتلي كل حاجة.
سجلت الإشعار عندي.
وبعدين قلبت التليفون على وشه.
هيثم طول عمره مكنش فارق معاه يعرف تفاصيل شغلي.
كان دايماً بيقول عليه “شغلك الصغير ده بتاع مركز الشباب.”
بالنسبة له، أنا بضيع يومي ورصيدي في إني أرتب كراسي، وأرد على التليفونات، وأساعد الناس تغطي استمارات عادية.
عمره ما كلف نفسه يسأل أكتر.
الحقيقة إن أنا مديرة برامج التوعية المالية في مركز الشباب بالحي.
بساعد العائلات تراجع العقود والالتزامات.
بعلم الناس إزاي ينظموا أوراقهم المالية.
وبفهمهم إزاي يقروا أي اتفاقية قانونية ويستوعبوا البنود قبل ما القلم يلمس الورقة.
ولسنين طويلة، كنت بكرر نفس النصيحة للناس:
إياك تمضي على حاجة مقريتهاش بالحرف.
وانا قاعدة قدام جوزي الجديد، اكتشفت إن هيثم وقع في نفس الغلطة اللي كان فاكر إني هقع فيها.
طبقت ورقة “قواعد البيت” بتاعته نصين بانتظام.
“أنا مش همضي على الكلام ده،” قلتها بهدوء.
ولا رمش له جفن.
“أنتِ خلاص اخترتي وعقدي عليكي طالما اتجوزتيني.”
عفاف هزت رأسها بموافقة من التليفون.
“سيبها للصبح يا هيثم،” قالت له. “بكرة الصبح هتعقل وتفهم الأصول.”
رديتش بكلمة.
وبدلاً من كده، بصيت ناحية الأوضة الصغيرة اللي عاملة فيها مكتبي جنب السلم.
جوة الأوضة دي كان فيه درج حديد ضد الحريق.
وجوة الدرج ده، كان فيه ظرف كريمي مقفول.
مختوم رسمياً.
عليه ختم النسر وتوثيق الشهر العقاري على القفلة بتاعته.
وتحت عنوان المراسلات كان فيه رقم تسجيلي رسمي من المحكمة.
هيثم كان ماضي على الورقة الأصلية دي قبل فرحنا بتلات أسابيع.
محدش استعجله.
محدشخبى عنه حاجة.
خد نسخة كاملة في إيده.
وأخد مهلة أيام يقرأ فيها كل صفحة كلمة كلمة.
وحتى اتقال له بوضوح إنه يقدر ياخدها لأي محامي من طرفه يراجعها قبل ما يمضي.
بس هيثم قلب الصفحات وراح على صفحة الإمضاء على طول.
وضحك وقتها وقال على الورق ده “عقدة العقد والورق بتاعك.”
ومضى وهو بيتفرج على ماتش الأهلي في التليفون.
فاكرة كويس حركة قلمه وهو بيمضي على الورقة.
ساعتها كنت هقوله تاني يقرأ بتركيز.
بس سكت.
ودلوقتي، أنا بحمد ربنا إني سكت ومقلتش.
فردت ضهري وارتحت في قعدتي.
وسبت السكوت يطول بيننا شوية حلوين عشان هيثم يفتكر إني استسلمت.
“ماشي،” قلتها بصوت واطي.
حواجبه اترفت بانتصار.
بصيت ناحية تليفونه.
“تعالي الصبح بدري قبل ما البنك يفتح يا حاجة عفاف.. عشان نخلص كل حاجة مرة واحدة.”
هيثم ابتسم.
وعفاف ابتسمت بأكبر من ابتسامته.
وقالتلي إني “أخيراً بدأت أفهم في الأصول والعقل.”
وفصلت المكالمة.
هيثم أخد كوبايته وطلع على فوق، وساب الورقة المطبوعة على الرخامة كأنه كسب المعركة خلاص.
أول ما اختفى من قدامي، صورت كل صفحة بتليفوني.
وبعدين أخدت سكرين شوت لطلب بنك مصر.
وبعدها، بعت رسالة لـ أستاذة أمل، المحامية اللي كانت معايا في تسجيل الشقة لما شريتها.
ردها جاني في أقل من دقيقة.
متوقعيش على أي حاجة.
استخدمي النسخة المختومة اللي معاكي.
كلميني الساعة 6:15 الصبح.
نمت مرتاحة جداً.
الساعة 5:52 الصبح، نور عربية ضرب في صالة البيت من الشباك.
الحاجة عفاف وصلت بدري.
طبعاً، متوقعة.
ركنت عربيتها بزاوية قاطعة المدخل، ودخلت البيت شيلة في إيدها دوسيه جلد، ومج حراري، وتلات استمارات مطبوعين ومتدبسين بانتظام.
لما دخلت المطبخ، هيثم كان قاعد على الرخامة.
مسترخي.
وواثق في نفسه.
وكان فيه كرسي فاضي مستنيني.
أنا دخلت الأوضة وأنا شيلة حاجة واحدة بس في إيدي.
الظرف الكريمي المقفول.
حطيته في نص الرخامة بالظبط.
وبعدين حطيت مفتاح الشقة فوقيه.
هيثم بص للظرف.
وبعدين بصلي.
“عظيمة،” قالها. “كنت عارف إنك هتعقلي.”
عفاف حتة متعبتش نفسها تقلع الجاكيت قبل ما تفتح الدوسيه الجلد.
كانت مجهزة كل حاجة.
ميزانية الشهر.
جدول أكل الأسبوع.
واستمارة تفويض سحب وتحويلات آلية.
ورق متقسم بألوان علم بجدية وتركيز.
“عشان نمنع أي سوء فهم بعد كده،” قالت وهي بتبصلي.
وزقت القلم ناحيتي.
ملمستوش.
تليفوني كان كاتب 6:14.
فاضل دقيقة وأستاذة أمل ترن.
بصيت لـ هيثم.
وبعدين لـ عفاف.
“قبل ما نتكلم في إمضتي أنا،” قلت بهدوء، “محتاجين نتكلم الأول في إمضاء هيثم.”
الجو في المطبخ اتغير في ثانية.
عين عفاف نزلت على الظرف.
بالتحديد، على ختم الشهر العقاري الأزرق.
وعلى الرقم التسجيلي اللي تحته.
هيثم أخدها بضحكة خفيفة.
بس الضحكة اختفت تماماً أول ما أمه مسكت الظرف وبدأت تبص فيه بتركيز.
ملامح وشها اتشدت.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت بيتي، عفاف مكنتش باينة واثقة من نفسها.
كان باين عليها الذهول والشك.
وبعدين لفت وشها وابتدت تبص لابنها.
“انت مضيت على إيه بالظبط يا هيثم؟”
هيثم هز كتفه.
“ورق أملاك عادي يعني يا أمي، روتين.”
عفاف برقت له.
تليفوني اتغير من 6:14 لـ 6:15.
وبدأ يرن.