رفضي من 4للاخير

صوته كان بيرتعش.
​”أنا خلاص، تعبت من السكوت وماعنديش حاجة أخبيها تاني.”
​وفاء بصت له كأنها أول مرة تشوفه في حياتها.
​”سمير،” وشت. “إحنا كنا محتاجين الفلوس دي ضروري. سارة كانت متأخرة في مصاريف حضانة الولد. كنت عايزني أعمل إيه يعني؟”
​”كان المفروض تطلبي،” قالها بحزم. “كان المفروض تطلبي منها. أو مني. أو من أي حد. ماكانش المفروض تسرقي.”
​السكوت في الأوضة كان تقيل يتلمس بالإيد.
​وبعدين طنط ماجدة، جارتهم، حطت الفوطة بتاعتها على الترابيزة بالراحة أوي.
​”وفاء،” قالت بصوت واطي، “أنا بتهألي أنا وفاروق لازم نمشي دلوقتي.”
​”ماجدة، لأ قعدوا، دي مجرد…”
​”إحنا بنيجي هنا بقالنا عشرين سنة،” ماجدة قالت. “أنا شيلت سارة وهي لسة حتة لحمة حمرا. بس أنا مش هقعد على السفرة دي وأكل من الأكل ده والبنت دي واقفة قدامي وعلى إيدها رباط ومجروحة كده.” وقفت، وفاروق قام معاها. وهي ماشية رايحة للباب، وقفت جنب هالة ولمست إيدها. “أمك الله يرحمها كانت هتبقى فخورة بيكي أوي يا حبيبتي. أنا قابلتها مرة واحدة بس في فرحك، بس قادرة أعرف ده كويس.”
​بعد ما الجيران مشيوا، خالتو صفاء اتدورت لأختها.
​”وفاء،” قالت. “الأربع تلاف دولار اللي استلفتيهم مني في يناير؟ عشان ‘علاج سمير’. هالة هي اللي دفعت علاج سمير. أنا عارفة، لأنها قالتلي في العيد.”
​وفاء مارديتش.
​”الفلوس دي راحت فين؟” صفاء سألتها.
​عين وفاء راحت على سارة لثانية واحدة بس. وكانت كفاية أوي.
​تامر قام فجأة، مسك مفاتيحه من على الرخامة، وطلع يجري على الباب.
​”أنا مش مجبر أقعد أسمع الكلام ده،” قال. “أنا مش هقول كلمة واحدة من غير المحامي بتاعي.”
​”دي فكرة ممتازة يا أستاذ تامر،” جريس قالت بنبرة هادية. “لأن المقدم هشام في مباحث الأموال العامة هيحب يتكلم معاك أوي. ومع الأستاذة نجلاء جابر. هو معاه نسايل بالفعل من كل الورق اللي على الترابيزة ده.”
​تامر اتجمد وإيده على مقبض الباب.
​سارة انفجرت في العياط.
​ماكانش عياط هادي أو بتاع تمثيل، كان عياط طالع من المصارين، من شهور وسنين من الادعاء إن كل حاجة تمام. حطت وشها بين إيديها وجسمها كله كان بتهز.
​”أنا آسفة،” صرخت وهي بتشهق. “أنا آسفة، أنا آسفة جداً. تامر قال إننا هنضيع والبيت هيروح. قال إن الموردين هيحبسونا. وأمي قالت إن هالة معاها كتير وإحنا معنناش حاجة، وإنها مش هتلاحظ حتى، وكل حاجة هترجع وتترد. أنا ماكنتش عايزة أعمل كده! ماكنتش عايزة أزور الإمضا! قعدت أتتمرن عليها أسبوعين وكل مرة كنت بحس إني عايزة أرجع من القرف.”
​”سارة!” تامر زعق فيها.
​”لأ!” رفعت رأسها، والكحل سايح على وشها. “لأ يا تامر. أنا خلصت خلاص. أنا مش هضيع ابني ونفسي عشان الشغل بتاعك ده. أنا هقولهم على كل حاجة.”
​وبعدين اتدورت لهالة.
​”هالة، أنا آسفة أوي. العربية، والكروت، وكل حاجة. قعدت أقول لنفسي إن دي مش سرقة بجد لأننا عيلة. بس هي كانت سرقة. أنا عارفة إنها كانت سرقة.”
بصيت لها لوقت طويل. مرات أخو جوزي. نفس الست اللي كانت بتطلب مني أغسل طبقها الأسبوع اللي فات عشان ما تجرحش ضوافرها.
​”يبقى تقولي للظابط الحقيقة،” قلت بصوت واطي. “كلها. دي الوحيدة اللي تنفع اعتذار دلوقتي.”
​هزت رأسها وهي بتمسح وشها.
​وبعدين ما بقاش فاضل غير شخص واحد بس ما اتكلمش.
​شريف كان لسة قاعد مكان ما قلت له يقعد. كوعيه على ركبه، وإيديه مهدولة بينهم. كان شبه واحد قاعد في صالة انتظار حياته اللي بتضيع.
​”شريف،” قلت.
​رفع عينه. كانت حمرة دم.
​”أنا ما مضيتش على حاجة،” قال. “أنا عايز الكل يعرف كده. أنا ما مضيتش على حاجة.”
​”أنت إديتهم عقد الشقة،” قلت له. “إديتهم صورة بطاقتي. كنت عارف عن القرض. كنت عارف عن العربية. وقفت تتفرج على أمك وهي بترميك هدومي من الشباك وما فتحتش بقك. وطلبت مني أجي هنا الليلة دي وأعتذر، عشان أجيب المفاتيح وأمضي على أي حاجة يحطوها قدامي.”
​”أنا كنت بحاول أحافظ على السلام!”
​”كنت بتحافظ على سلامهم هما،” قلت. “عمرك ما حافظت على سلامي أنا. ولا مرة في أربع سنين.”
​قام وقرب مني خطوة. “هالة، أرجوكي. نقدر نصلح كل ده. نقدر نعزل ونعيش لوحدنا، إحنا الاتنين بس. هشوف شغل حسن، وهنروح لدكتور نفسي، هعمل أي حاجة تطلبيها. بس بلاش تعملي كده. بلاش تودي أختي السجن. بلاش تعملي كده في عيلتي.”
​حسيت بحاجة جوايا بتهدى تماماً وبتوضح بشكل مفيش فيه شك.
​”شريف،” قلت. “أنا ما عملتش كده في عيلتك. عيلتك هي اللي عملت كده فيا. الحاجة الوحيدة اللي أنا بعملها دلوقتي هي إني برفض أشيل شيلتكم أكتر من كده.”
​خلعت دبلة الجواز من إيدي. اتخلعت أسهل بكثير مما توقعت. يمكن خست الأسبوع ده، أو يمكن مكانتش مضبوطة عليا من الأول.
​حطيتها على الترابيزة، جنب طلب القرض بالظبط.
​”الأستاذة جريس هتتواصل معاك عشان إجراءات الطلاق،” قلت له.
​وفاء طلعت صوت زي الحيوان الجريح. “أنتِ ما تقصديش تسيبيه وتصدمينا كده! بعد كل اللي عملناه عشانك! إحنا فتحنالك بيت! إحنا إد يناكي عيلة!”
​اتدورت وبصيت لها.
​أربع سنين وأنا خايفة من الست دي. خايفة من تنهيداتها، من كلامها، ومن الطريقة اللي ابتسامتها بتتحول بيها لثلج في نص الجملة. طبخت لها عزومات وبخرت لها بيتها وسمعتها وهي بتقولي إني محظوظة إني اتجوزت دخلت العيلة دي.
​ما بقيتش خايفة خلاص.
​”طنط وفاء،” قلت لها. “أنتِ ما إديتنيش بيت… أنا اللي كنت بدفع إيجار السقف اللي حاميكم. أنتِ ما إديتنيش عيلة… أنا اللي دفعت مصاريف علاج جوزك. قولتيلي إني عايشة تحت سقفك، بس نسيتي مين اللي كان بيصلحه.”
​بصيت ناحية المطبخ.
​”والأطباق في الحوض مع السقف.”
​سمير وصلني لحد الباب.
على العتبة، تحت النور الأصفر، مسك إيديا الاتنين بين إيديه.
​”أنا هروح أقيم مع صفاء شوية،” قال. “محتاج وقت أفكر. أربعة وأربعين سنة وقت طويل أوي عشان ما أكتشفش حاجة زي دي.”
​”أنت شفت،” قلت له برفق. “وأنت الوحيد اللي عمل حاجة عشان يغير الوضع.”
​ابتسم ابتسامة صغيرة وفيها حزن.
​”أمك الله يرحمها رباتك صح،” قال. “كنت أتمنى أكون بشجاعتك دي من تلاتين سنة.”
​وبعدين مال وباس رأسي زي ما بابا كان بيعمل زمان. ونزلت درجات العتبة وطلعت عربية جريس من غير ما ألتفت ورايا.
​الجزء الخامس
​الشهور اللي جت بعد كده ماكنتش سهلة. بس لأول مرة من فترة طويلة، كانت كل حاجة صح ومفيهاش كدب.
​سارة وفت ببعدها. قابلت المقدم هشام بعد العزومة بتلات أيام وقالت له على كل حاجة. الإمضا المزورة. أوراق التمرين اللي كانت مخبياها في درج المطبخ. الإيميلات اللي بين تامر ونجلاء جابر مديرة مكتبه عن “ختم التوكيل”. ودور وفاء في تخبية البوسطة وفتح الحسابات.
​وعشان هي تعاونت بالكامل وماكانش عندها أي سوابق، المحامي بتاعها وصل لاتفاق مع النيابة. اعترفت بالتهمة المخففة، ووافقت ترد الفلوس، وتعمل خدمة مجتمعية مع إيقاف تنفيذ وعقوبة مع الشغل. مكتب المحاسبة استغنى عنها. والترقية اللي كانوا بيحتفلوا بيها في العزومة طارت قبل ما تقبض منها أول مرتب.
​العربية الجيب اللكزس البيضاء رجعت لشركة التأجير. اسمي اتمسح من العقد، وشركات كروت الائتمان قفلت الحسابات المزورة بعد ما راجعوا محضر الشرطة. التقييم الائتماني بتاعي، اللي كان بيقع في السر طوال السنة اللي فاتت من غير ما أعرف، بدأ يرجع ويرفع تاني شهر بعد شهر.
​تامر حاول يعافر. جاب محامي وقعد يقول لكل حد إن الموضوع كله كان مجرد سوء تفاهم. بس الإيميلات كانت إيميلات ومفيهاش مفر. ولما نجلاء جابر عرفت إن رخصة التوثيق بتاعتها تحت التحقيق وربما تتسحب، راحت وقدمت اعتراف كامل. قالت إن تامر قالها إنها “مجرد ورق عائلي” وهددها في شغلها لو ما ختمتش الورق.
​تامر اترفعت عليه قضية رسمية. وبنك المقاولات سحب منه خط الائتمان. شركة تامر للمقاولات قفلت أبوابها في الشتاء ده. وآخر حاجة سمعتها إنه شغال عند مقاول تاني عقبال ما قضيته تخلص في المحكمة، وسارة رفعت قضية طلاق.
​نجلاء اتسحبت منها رخصة التوثيق، بس عشان تعاونت، ما اترفعتش عليها قضية جنائية.
​أما بالنسبة لوفاء، فالتحقيقات أثبتت إنها هي اللي ملت بنفسها طلبات كروت الائتمان واستخدمت بياناتي من أوراق كانت في مكتبي. وكمان رهنت عقد أمي من غير إذن. اتوجهت لها تهمة سرقة الهوية وسرقة ممتلكات. المحامي بتاعها حاول يجادل إنها ست كبيرة وجدة ومفيش في سجلها حاجة وإنها “عملت اختيارات غلط تحت ضغط العيلة”. أخدت حكم مع وقف التنفيذ مع إرجاع الأموال، والقاضي بص لها من فوق نظارته وقالها: “يا ست هانم، كلمة ‘عيلة’ دي مش دفاع قانوني.”
وكان لازم ترجع المبلغ كاملاً لعم فرج، الـ 1300 دولار، صاحب محل المجوهرات في الصاغة. أول ما سمعت كده، بعت لعم فرج كارت شكر ومعه كارت هدايا لمحل المشويات اللي جنبه. وهو بعتلي صورته وهو ماسكه ومبتسم بعرض وشه.
​أما شريف…
​شريف ما اترفعتش عليه أي قضايا جنائية. المقدم هشام فسرلي إن مجرد تسليم نسخ من الأوراق الممتلكة، مهما كان تصرف نذل وبشع، صعب إثباته كجري/مة في المحكمة زيه زي تزوير الإمضاءات. طبعاً ماكنش في شك إنه عارف كل حاجة، بس المعرفة حاجة والتزوير بإيدك حاجة تانية قدام القاضي.
​بس ماكنوش حاجتين مختلفين في قلبي أنا.
​الطلاق تم رسمي في مارس. القانون بيعتبر إن أي عقار تورثيه بيفضل ملكك لوحدك طالما ما دخلتيهوش في الذمة المالية المشتركة، وأنا دايماً كنت مخلية شقة التجمع باسمي وبس. الشقة عمرها ما كانت محل شك. وجريس المحامية أثبتت كمان إن الـ 62 ألف جنيه اللي أنا حطيتهم في تصليحات بيت أهله موجودين بالورق. وشريف وافق، من غير ما يعافر أو يفاصل، إنه يردلي نصهم على مدار خمس سنين.
​وده كان الجزء الوحيد في موضوع الطلاق اللي فاجأني منه.
​ما اعترضش على أي حاجة. ما طلبش مؤخر ولا نفقة ولا أي حاجة. ومضى على كل ورقة بعتتها له جريس. وفي جلسة الطلاق الأخيرة، لما القاضي سأله لو فاهم وموافق على كل الشروط دي، قال: “أيوه يا فندم. ده أقل حاجة أقدر أردها لها.”
​برة المحكمة، حصلني على السلم.
​”هالة،” قال. “ممكن أقول حاجة واحدة بس؟ وبعدها مش هضايقك تاني خالص.”
​وقفت واستنيته يتكلم.
​”أنا بروح لدكتور نفسي دلوقتي،” قال. “مرتين في الشهر. سألتني أنا ليه دايماً كنت بقولك ‘كبري دماغك وعدي الليلة عشان خاطري’. وماعرفتش أرد. فسألتني مين اللي كان بيكلمني بالطريقة دي وأنا صغير.” بص للأرض الخرسانة تحت رجليه. “كانت أمي. كل مرة بابا كان بيحاول يعترض على حاجة، أو كل مرة كنت أزعل وأنا عيل صغير. ‘كبر دماغك وعدي الليلة يا شريف’. أنا حتى ماكنتش واخد بالي إني بكرر نفس كلامها. كنت فاكر إن دي الطريقة اللي العائلات بتعيش بيها.”
​رفع عينه وبصلي.
​”أنا مش بطلب منك أي حاجة. عارف إن ماليش حق أطلب. أنا بس كنت عايزك تعرفي إني أخيراً سمعت صوتي وشفت أنا كنت عامل إزاي. أنا آسف إن الموضوع أخد مني إني أخسرك عشان أفهم.”
​دي كانت أكتر جملة صريحة وصادقة قالها لي في حياته.
​”أتمنى تفضل متابع مع الدكتور،” قلت له. وكنت قاصداها بجد. “وأتمنى إن الإنسانة الجاية اللي تحبها، ما تضطرش تطلب منك إنك تقف وتستراجل عشانها.”
​هز رأسه، وعينيه كانت مدمعة. وبعدين اتدور ونزل درجات السلم، وقفت أتفرج عليه وهو ماشي، حسيت بحزن… بس مش بندم.
​في فرق كبير بينهم. وأخدت وقت طويل أوي عشان أتعلمه.
​الجزء السادس
​في أبريل، نقلت وقعدت في شقة التجمع الخامس.
​عقد آخر سكان كان خلص في فبراير، وقررت إني مش هأجر الشقة تاني خلاص. ولأول مرة من يوم ما أمي اتوفت، فتحت الباب بالمفتاح مش بصفتي المؤجرة اللي جاية تطمن على الشقة، بس كواحدة أخيراً راجعة بيتها.
شمس الصباح كانت داخلة من الشبابيك العالية بالظبط زي ما كنت فاكراها. الكرسي المفضل بتاع أمي اللي بتحب تقعد تقرأ عليه كان لسة في الركن زي ما السكان زقوه. قعدت عليه ييجي ساعة في أول يوم، مجرد إن بطل على شجر الشارع والحديقة، وعقد اللؤلؤ حولين رقبتي.
​”أنا حافظت عليها يا ماما،” قلتها بصوت عالي. “هما حاولوا. بس أنا حافظت عليها.”
​رجعت بنيت شغلي في الديكور والتصميم من الشقة دي. وتطلع إن الحاجة اللي وفاء كانت دايماً بتتريق عليها، وتقول “الفلوس القليلة اللي بتعمليها وأنتِ قاعدة قدام الكمبيوتر”، كانت تقدر تتعمل من أي مكان. القاهرة كانت مليانة ناس بيشتروا بيوت قديمة وعايزين يرجعوا فيها الروح والدفء تاني. على الصيف، كان عندي زباين أكتر من اللي كانوا عندي زمان. وعلى الخريف، عينت أول مساعد ليا، بنت شاطرة وصغيرة اسمها كنزة، كانت لسة متخرجة من فنون جميلة وكانت بتفكرني بنفسي وأنا في سنها، بس هي كانت أشجع.
​أكثر مشروع كنت فخورة بيه السنة دي كان لجمعية خيرية غير هادفة للربح. كانوا عاملين دار إيواء ومركز استضافة للستات اللي بيبنوا حياتهم من جديد بعد ما اتعرضوا للاستغلال المالي. ستات خسروا بيوتهم، وفلوسهم، وشق عمرهم، وأحياناً أساميهم، بسبب ناس كانوا بيفهموهم إنهم بيحبوهم.
​المديرة، ست هادية ولطيفة اسمها مدام أمل، كانت قرأت مقال صغير كتبته في مدونة ديكور عن البدايات الجديدة. اتصلت بيا وسألتني لو أقدر أساعدهم وأعيد تصميم المطبخ المشترك بتاعهم بلاش.
​قلتلها موافقة قبل ما تكمل سؤالها حتى.
​صممت المطبخ ده بـ ترابيزة أكل طويلة بدل “الرخامة” المقفولة، عشان الكل يقدر يقعد مع بعضه. رخامات عريضة عشان أي اتنين يقدروا يقفوا يطبخوا جنب بعض. وحوضين، عشان ما فيش واحدة تفضل واقفة لوحدها تغسل الأطباق والباغيين قاعدين مأنتخين في الأوضة الثانية. وفوق الباب، مدام أمل سابتني أكتب جملة بخط أبيض بسيط:
​”في المطبخ ده، الكل بيساعد.”
​لما المطبخ خلص، المقيمات في الدار عملوا عزومة عشاء عشان يحتفلوا. واحدة اسمها نادية عملت أحلى صينية بسبوسة أكلتها في حياتي. وأم صغيرة ومكسوفة اسمها بسنت عملت أم علي في برام زجاج، وكانت بتتحرج كل ما حد يطلب منها غرف تاني.
​ولما العشاء خلص، حصلت حاجة عمرِي ما هنسالها أبداً.
​الكل قام في نفس اللحظة. ما حدش طلب منهم. ما حدش قالهم. بدأوا على طول يلموا الأطباق، ويشطفوا الكبابي، ويضحكوا، ويهزروا وهما واقفين جنب الحوضين، ويسلموا الفوط لبعض. واحدة شغلت أغنية، والكل بدأ يغني معاها.
​كنت واقفة في جنب ومسكة فوطة مطبخ في إيدي والدموع نازلة على وشي.
​مدام أمل جت وقفت جنبي.
​”أنتِ كويسة؟” سألتني.
​”أنا في أحسن حالاتي،” قلت لها. وكنت فعلاً كده.
​في رأس السنة، عملت عزومة عشاء في شقة أمي.
​ماكانتش مجموعة كبيرة. مي جارتي القديمة جت، وجريس المحامية جيت هي وجوزها وولادها الاتنين الشباب. وكنزة جابت أختها معاها. والمقدم هشام مراته كانوا بيزوروا بنتهم بالقاهرة في الأسبوع ده، ولما جبت له سيرة العشاء في التليفون، ضحك وقال إنه هيجيب معاه صينية البطاطا بالبشاميل.
وعم سمير جه.
​كان رجع البيت في الربيع بعد كلام طويل مع وفاء وكلام أطول مع شيخ الجامع. قال لي في التليفون بكل وضوح إن جوازه اتغير، وإنه بقى هو اللي بيستلم البوسطة ويفتحها بنفسه، وبقى يحط اسمه هو على كل حساب وكل فاتورة، وإن وفاء بتابع مع دكتور نفسي كجزء من شروط الحكم عليها مع وقف التنفيذ. وقال لي إنها كتبت لي جواب، بس هو ما رضيش يبعته إلا لما أكون أنا مستعدة.
​”مفيش استعجال،” قلت له.
​”عارف،” قال. “عشان كده أنا مش بستعجل.”
​عم سمير أخد القطار من الإسكندرية وسافر للقاهرة لوحده. جه بالعكاز بتاعه، وشنطة هدوم صغيرة، وصينية بسبوسة بالمكسرات معمول في البيت ومغطية في علبة بلاستيك فضل شايلاها على حجر طول السكة الست ساعات.
​”عملتها بنفسي،” قالها ب any كبرياء لما فتحت له الباب. “حماتك عمرها ما سابتني أدخل المطبخ. اتضح إني شاطر فيه أوي.”
​ضحكت بصوت عالي لدرجة إني سندت على إفريز الباب.
​أكلنا على ترابيزة السفرة القديمة بتاعة أمي، اللي أنا كنت جددتها بنفسي في الصيف. ولاد جريس المحامية اتخانقوا على آخر قطعة جلاش. والمقدم هشام قعد يحكي حكايات عن أغرب قضايا النصب اللي اشتغل عليها، مع الحرص التام إنه ما يذكرش اسم حد. ومي عملت نخب خلى الكل يعيط، وبعدين عملت نخب تاني عشان تخلي الكل يوقف عياط ويضحك.
​ولما البسبوسة خلصت والقهوة اتصبت، وقفت عشان ألم الأطباق كالعادة.
​عم سمير حط إيده على دراعي.
​”اقعدي يا حبيبتي،” قال. “أنتِ تعبتِ وطبختِ.”
​وبعدين قام، علق عكازه على ظهر الكرسي، وشال أول كومة أطباق ورايح بيها على الحوض.
​واحد ورا التاني، الكل مشي وراه. ولاد جريس اتخانقوا مين اللي ينشف، والمقدم هشام شمر أكمامه، ومي كانت بتوزع فوط المطبخ كأنها بتوزع ميداليات.
​قعدت لوحدي على ترابيزة أمي لأول مرة الليلة دي، وأنا بتمتع بصوت المية وهي شغالة وتكتكة الأطباق وضحك الناس اللي بحبهم في مطبخي.
​إيدي كانت خفت من زمان. ما فاضلش غير علامة باهتة مكان حرق الفرن، بحجم بصمة الإبهام. أيام ما باخدش بالي منها، وأيام بتعمد أبص عليها.
​كانت بتفكرني بالليلة اللي قلت فيها “لأ” لأول مرة.
​بعدها بأسابيع، فتحت جواب وفاء.
​كان قصير. خطها كان بيرتعش أكتر ما فاكرة.
​هالة،
​الدكتور المتابع معايا قال لي لازم أكتب الجواب ده من غير ما أقدم أي أعذار أو تبريرات لنفسي، وعشان كده هحاول.
​أنا أخدت حاجات ملكك وبتاعتك. فلوسك، واسمك، وعقد أمك، وراحة بالك. قعدت أقول لنفسي إن كل ده عشان ولادي، وإن كل ده عشان كبريائي. كنت مكسوفة وخجلانة إن عيلتي محتاجة كتير كده، وكنت غضبانة ومغلولة إنك عندك اللي مش عندنا. عملتك خدامة في بيتي عشان ما أحسش بالصغر قدامك.
​أنا آسفة. ومش مستنية منك أي رد.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *