رجعت من سفريتي

حصري لصفحة روايات رولا
رجعت من سفريتي بتاعة الشغل ولقيت حاجتي كلها مرمية فوق بعضها في الجراج: “أصلنا أجرنا أوضتك لسائح.. كنا محتاجين فلوس عشان فستان أختك”، أمي قالتها بمنتهى البساطة والبرود. أنا ماردتش، مديت إيدي بإيد فيها فايل وقلت لها: “طب اقري ده”.
​”هي ليه حاجتي مرمية في الجراج؟”
​أمي كانت واقفة على باب المطبخ وماسكة كوباية الشاي كأني بسألها هي حاطة السكر فين.
​ورايا كان محطوط كل شبر في أوضتي، كل حاجة كانت جواها لما سافرت دبي من أسبوع فات.
​هدومي.
​الجيتار بتاعي.
​شاشة الكمبيوتر.
​الميني بار الصغير بتاعي.
​كراتين كرتون مرصوفة بمالان جمب مكنة قص النجيلة.
​أمي حتى بربشة عينها متهزتش.
​”كنا محتاجين مساحة يا حبيبي.. متعملش مشكلة من ولا حاجة.”
​برقت لها وأنا مش مصدق.
​”مساحة إيه؟”
​”أجرنا أوضتك للويك إيند، لكوبل سياح ظراف قوي من إسبانيا.”
​لثانية واحدة، افتكرت بجد إن تعب الطيران زغلل دماغي وخلاينش فاهم عربي.
​”أجرتوا أوضتي؟”
​”دفعوا الفلوس مقدم.”
​مشت أطراف صوابعها على كرتونة من كراتيني.
​”أختك كانت محتاسة ومحتاجة فلوس عشان بروفات الفستان بتاعها.. أنت عارف التخرج ده مهم قد إيه بالنسبة لها.”
​أنا كنت لسه ماسك في إيدي شنطة فيها حلويات وشوكولاتة جايبها معايا من دبي عشان دي أكتر حاجة هي بتحبها.
​حطيتها بالراحة على رف في الجراج.
​”نقلتوا كل حاجة أملكها في الدنيا ورميتوها في الجراج عشان فستان ندى؟”
​أمي اتنهدت.
​”ده مش مجرد فستان يا يوسف.. ده فستان التخرج.”
​وبعدين ابتسمت كأنها حلت لي المشكلة خلاص.
​”وبعدين أنت طول عمرك بتقول إنك عايز تعزل وتعيش لوحدك.. اعتبر دي بروفة.”
​أبويا طلع من جنينة البيت وهو ماسك في إيده بكرة مناديل ورق.
​كان باين عليه إنهكسوف ومحرج، بس مش محرج كفاية للدرجة اللي تخليه يمنع العك ده إنه يحصل.
​”قلنا مش هتزعل يا يوسف.. أنت كده كده مابتعدش في البيت كتير.”
​الجملة دي عملت فيا اللي مقدرتش تعمله الكراتين اللي في الجراج.
​أنا كنت رجعت سكنت مع أبويا وأمي عشان أوفر فلوس، بس في نفس الوقت كنت أنا اللي شايل البيت ده وبيصرف عليه.
​فواتير الكهربا والمية.
​المصارية وطلبات البيت.
​ضرائب العقارات.
​الصيانة والتصليح.
​كل ما كانت تيجي حاجة محتاجة تدفع، فجأة وبقدرة قادر اسمي بيتقال في الجملة.
​تحولت لشخص بيعتمدوا عليه بالتدريج، لدرجة إن محدش بقا فاكر إن اعتمادي ده كان اختيار مني أنا.
​تعاملوا مع الموضوع كأنه خدمة ممتدة.
​موجود دايماً.
​مدفوع دايماً.
​ومفيش كلمة شكراً أبداً.
​بصيت من ورا أمي على الطرقة.
​باب أوضتي كان مقفول.
​وراه، ناس غريبة داخلة تنام في الأوضة اللي أنا بتعب وبدفع عشان حيطانها تفضل قايمة.
​وأهلي مستنيين مني أتقبل ده عادي جداً عشان ندى هانم عايزة فستان تخرج من مصمم مشهور.
​في حاجة جوايا سكتت تماماً.
​مش انفجار ولا عصابية.
​ساقعة.. زي التلج.
​لفيت واديتهم ضهري من غير ما أنطق بكلمة.
​”يوسف؟”
​مشيت ورجعت لعربيتي.
​أبويا مشي ورايا لحد نص العربيات في الجراج.
​”أنت رايح فين؟”
​فتحت شنطة عربيتي.
​بين أوراق السفر وحجوزات الطيران كان في فايل أسود رفيع.
​كُنت واخدوا معايا دبي عشان بقالي كام شهر بفكّر وأحسبها هل أنا جاهز فعلاً أخد الخطوة اللي جواه ولا لأ.
​وباين كده.. إني بقيت جاهز جداً.
​رجعت مشيت وحطيت رجلي جوه الجراج تاني.
​أمي كانت لسه واقفة جمب الكراتين.
​مديت إيدي بالفايل واديتوهولها.
​”إيه ده؟”
​”اقريه.”
​بصت لي بقلبة وش وزهق شبه اللي بتعمله لما أكون بتكلم عن الشغل كتير.
​وبعدين فتحته.
​عينيها مشيت على أول صفحة.
​الزهق والضيق اختفوا تماماً.
​أكتافها نزلت لتحت.
​وبقها اتفتح حتة صغيرة.
​أبويا شد الفايل من إيدها.
​”إيه ده في إيه؟” سأل وهو مستغرب.
​”كمل قراية.”
​الفايل مكنش فيه حاجة درامية ولا شو.. وده كان أصل الموضوع.
​جواب متوثق من المحكمة.
​إيصال تحويل بنكي رسمي.
​وايميلات مطبوعة.
​كل حاجة بهدوء.
​كل حاجة بالتاريخ.
​كل حاجة خلصت واتعملت خلاص.
​قبل ما أسافر دبي، كنت بدأت أخيراً أفصل فلوسي وحساباتي عنهم.
​كنت محذرهم من شهور إني مش هفضل أدفع وأصرف للأبد.
​محدش سمعني.
​عشان كده أخدت القرار ومستنيتش إذن من حد.
​أختي ندى طلعت من باب المطبخ الوراني في الوقت اللي كان أبويا لسه بيقرا فيه.
​عندها أربعة وعشرين سنة، ولابسة كأنها وراها معاد مهم ومستعجلة.
​شدت الفايل من إيد أبويا.
​عينها جابت الصفحة التانية.
​”استنى كده..”
​أنا دخلت الريسيبشن وقعدت.
​خطواتها جرت ورايا بسرعة.
​”إيه ده؟ إيه الكلام ده؟”
​قلعت الجاكيت بتاعي وقعدت على الكنبة.
​”أنتِ قريتي، عارفة إيه ده.”
​”أنت شلت اسمك من الحساب المشترك؟”
​”ده حصل من شهور.”
​حواجبها اتعقدت.
​”بس الفواتير والتحويلات كانت لسه بتتدفع وبتمشي عادي!”
​”من حسابي الشخصي الخاص بي.”
​بصيت في عينها مباشرة.
​”لحد إمتى؟”
​سكت لثانية وقلت لها: “لحد دلوقتي.”
​وشها اتغير تماماً.
​”بس أنت وعدتني إنك هتساعدني في مصاريف التخرج!”
​”لأ.. أنا قلت هفكر.”
​”أنت وعدتني!”
​”لأ يا ندى.”
​صوتي كان هادي جداً وواطي.
​”أنتوا اتعاملتوا مع أوضتي كأنها مكنة ATM.. على أساس إن العيلة لما بتحتاج فلوس، بتشيلوا حاجتي ترموها في كراتين وتبيعوا المكان للي يدفع.”
​”أمي هي اللي قالت—”
​”عارف.. وأنا أخدت بالي قوي من كلام أمي.”
​الكلمة دي سكتتها في مكانها.
​وقفت.
​”محدش فيكم بيسألني أنا عايز إيه، ولا حد مهتم أنا محتاج إيه.. عايشين طول الوقت زي الأمراء في بيت أنا شايل نص مصاريفه.”
​ربعت إيدها.
​”أنا كنت محتاجة الفلوس دي!”
​”وأنا كنت محتاج بيت أحس فيه بأمان.”
​الكلمات طلعت أهدى وأرق من أي حاجة قلتها طول القعدة.
​”بس باين كده إني الوحيد هنا اللي كنت فاكر إني أستاهل يكون ليا بيت.”
​من سفرة الأكل، أبويا اتكلم وصوته طالع بالعافية.
​”أنت لغيت كل التحويلات والتفويضات.”
​أمي تلف وشها برعب ناحيته.
​”كلهم؟”
​قلب صفحة كمان في الفايل.
​”كهربا، مية، غاز، مصاريف البيت، والضرايب.”
​أمي أخيراً ظهر على وشها الخوف بجد.
​”يوسف.. أنت أكيد مكنتش تقصد تعمل كده بجد؟”
​”أنا قلت لكم الكلام ده من شهر مارس اللي فات.”
​”أنت قلت إنك متضايق بس!”
​”أنا أديتكم مهلة ست شهور كاملة.”
​قربت مني خطوة.
​”إحنا أهلك يا يوسف.. إحنا عيلتك!”
​بصيت ناحية الجراج.
​على الجيتار بتاعي المحشور بين الكراتين.
​على هدومي الملفوفة ومحطوطة كأنها كراكيب في مخزن قديم.
​على علبة الحلويات اللي شايلها وجايبها معايا عبر التيارات والهوا عشان ست راحت أجرت أوضتي من غير حتى ما ترفع عليا السماعة تطمن عليا.
​في اللحظة دي، أبويا وصل للظرف المقفول اللي في آخر الفايل.
​فتحه.
​وشه اتغير للمرة التانية، بس المرة دي بشكل أرعب.
​أمي أخدت بالها على طول.
​”في إيه تاني؟”
​ماردش عليها.
​”في إيه يا محمد؟”
​أبويا كان باصص للورقة ومذهول.
​”عقد إيجار.”
​أمي عقدت حواجبها.
​”إيجار إيه؟”
​”شقة في التجمع.. في كومبوند داون تاون.”
​ندى وقفت مكانها مابتتحركش.
​أبويا بص لي في عيني مباشرة.
​”والعقد ممضي ومختوم خلاص.”
​صوت أمي نزل للواطي وخاف : “يوسف… أنت أجرّت مكان تاني لك؟”
​مديت إيدي وأخدت مفاتيح عربيتي.
​”كان لازم ألاقي مكان محدش يعرف يأجره من ورا ضهري.”
​في اللحظة دي بالضبط.. جرس الباب رن.
​التلاتة بصلوا ناحية الباب الرئيسي في وقت واحد.
​أبويا قام ببطء شديد.
​”مين ده اللي بيخبط دلوقتي؟”
​أنا شلت شنطة سفري في إيدي.
​أنا كنت عارف مين اللي بره.
​ومن منظر الوشوش ورعب أمي اللي بدأ يظهر.. باين كده إنهم بدأوا يفهموا مين اللي واقف على الباب.
​اسمي يوسف، عندي 27 سنة، ولسه راجع من سفريّة شغل لمُدة أسبوع في دبي، سفريّة كنت بجهّز لها بقالي حجييجي ييجي تلات شهور.
​كانت فرصة كبيرة بالنسبة لي، حاجة اختارني فيها مديري بنفسه. ورغم إنها كانت مجهدة جداً وقهوة الفندق هناك كان طعمها يمرر النفس، إلا إني رجعت وأنا حاسس بفخر.. فخور وتعبان.
​كنت مستني على نار أترمي على سريري في أوضتي، أرمي الشنطة في أي كورنر، وأقضي باقي السفرية وأنا لابس السماعات العازلة للدوشة وببتفرج على أفرام أو مسلسلات كوميدية ملهاش لازمة.
​بس أول ما دخلت بعربيتي في مدخل البيت بتاع أهلي — نفس البيت اللي بقالي فترة بشارك في مصاريفه وفواتيره من ساعة ما رجعت أعيش معاهم عشان أوفر قرشين — حسيت على طول إن في حاجة مش مظبوطة.
​أولاً، باب الجراج كان مفتوح نص فتحة.. مش عشان عطلان، لأ، بالطريقة بتاعة “احنا زنقنا حاجة تحته بالعافية”.
​ركزت عربيتي ونزلت، شنطة الهدوم في إيد، وشنطة فيها حلويات وشوكولاتة جايبها معايا من دبي في الإيد التانية.. أمي بتموت في الشوكولاتة والحلويات اللي بجبها لها من هناك.
​وفجأة وقفت مكاني وأنا مشدوه من اللي شايفه.
​حاجتي!
​حاجتي كلها!
​هدومي، شاشة الكمبيوتر بتاعي، الجيتار، حتى الميني بار الصغير اللي كان في أوضتي.. كل ده محطوط ومكوم فوق بعضه بعشوائية في أول الجراج.
​وقفت أتنح وأبص، عقلي مكنش قادر يستوعب اللي شايفاه عيني.
​حطيت شنطة الحلويات على رف، رفعت باب الجراج للآخر، ووقفت عند العتبة.
​أمي ظهرت في باب المطبخ وهي ماسكة كوباية شاي وكأن مفيش أي حاجة غريبة حاصلة.
​”أوه، يوسف! حمد الله على السلامة يا حبيبي، السفرية كانت عاملة إيه؟” قالتها بمنتهى البساطة كأننا قاعدين بنرغي في القهوة.
​ماردتش عليها، وسألتها مباشرة:
​”هي ليه حاجتي مرمية في الجراج؟”
​حتى جفن عينها متهزش.
​”كنا محتاجين نفضي مساحة يا حبيبي، متعملش هيصة وموضوع من ولا حاجة. أصلنا أجرنا أوضتك للويك إيند، لكوبل سياح ظراف قوي من إسبانيا، ودفعوا الفلوس مقدم.”
​بقي اتفتح وقفل من الصدمة.
​”أجرتوا إيه؟!”
​”الموضوع مش دايم يعني”، قالتها وهي بتقرب وبتمشي صوابعها على كرتونة من كراتيني.. “هما قاعدين لحد يوم الإثنين بس. اختك ندى كانت محتاسة ومحتاجة الفلوس دي ضروري عشان بروفات فستان التخرج بتاعها، وأنت عارف التخرج ده مهم قد إيه بالنسبة لها.”
​حسيت بإن في حاجة جوايا اتكسرت، مش بفرقعة وعصبية، بس بحالة سكوت وفضا غريب.. نوع الغضب اللي بيتحول لتلج.
​”أجرتوا أوضتي من غير ما تقولوا لي وأنا مسافر.. عشان فستان؟”
​أمي بوقاحة مش طبيعية شاورت بإيدها كأني بأفور.
​”ده مش مجرد فستان يا يوسف، ده ‘الفستان’.. دي آخر سنة لها في الجامعة وعايزة تبان وسط زميلاتها حاجة نضيفة. وبعدين أنت طول عمرك بتقول إنك عايز تعزل وتأجر لك شقة لوحدك في التجمع، اعتبر دي بروفة!”
​في اللحظة دي، أبويا طلع من باب الجنينة الجانبي وهو ماسك بكرة مناديل ورق وبيمسح إيده كأنه كان بيصلح حاجة.
​بص لي بصة فيها حرج وشوية كسوف.
​”قلنا مش هتزعل يا يوسف، أنت كده كده مابتعدش في البيت كتير ودايماً مسافر.”
​ماردتش عليهم.
​ولا كلمة.
​لفيت واديتهم ضهري، مشيت لعربيتي، فتحت الشنطة، وطلعت الفايل الأسود الرفيع اللي كنت شيله وسط أوراق حجوزات الطيران والفندق.
​الفايل ده كان معايا طول السفرية.
​فكرت فيه ييجي ألف مرة، أكلمهم؟ أستنى؟ أعمل إيه؟
​بس دلوقتي.. القرار اتأخد لوحده من غير تفكير.
​رجعت الجراج واديت الفايل لأمي.
​قلت لها بهدوء: “اقري ده.”
​بربشت بعينها وهي مستغربة، وفتحته بنفس عدم الاهتمام اللي بتديهولي لما أكون بتكلم عن تفاصيل شغلي.
​بس أول ما عينها قريت أول صفحة.. وشها اتغير تماماً.
​عارف لما بالونة تتخرم وتهوي مرة واحدة؟ هي كانت كده بالضبط.
​أكتافها نزلت لتحت، الابتسامة اختفت من وشها، وبقها اتفتح حتة صغيرة كأنها عايزة تتكلم ومش لاقية كلام تقوله.
​أبويا شد الفايل من إيدها وبدأ يقرا من فوق كتفها.
​رد فعله كان أبطأ شوية.. مش صدمة ولا ذهول، بس نوع من الفهم التدريجي اللي تحس إنه بيكلك في دماغه ووراء عينيه.
​محدش فيهم نطق بكلمة.
​السكوت اللي بعد كده كان تقيل كأنه جبل.
​سيبتهم غرقانين فيه عشان يتشربوا اللي قروه ويفهموا أثره.. ويفهموا أنا عملت إيه من قبل ما أركب الطيارة وأسافر أصلاً.
​الفايل مكنش فيه صور ولا حاجات مبهرجة. مجرد أوراق رسمية.
​جواب متوثق من الشهر العقاري، إيصال تحويل بنكي رسمي، وشوية إيميلات مطبوعة.. كلام هادي، مهني، ونهائي.
​بصيت لهم هما الإثنين، وشفت الخوف والبانيك بدأ يتحول لرعب في عين أمي.
​ولأول مرة من سنين، منحستش إني الغريب أو الدخيل في البيت ده.. حسيت إني أنا اللي مسيطر.
​بس مقت/لتش ولا كلمة زيادة.
​لسه.. عشان هما لسه مقروش الصفحة التانية، الصفحة اللي فيها المفاجأة بجد.
​أختي هي اللي قلبت الصفحة الأولى.
​كنت يا دوبك وصلت لنص الريسيبشن لما سمعت باب المطبخ الوراني بيتفتح.
​خطوات جريت ورايا بسرعة، مش جاري ولا رزع، بس سرعة حد قرا حاجة مكنش المفروض يقراها.. أو بمعنى أصح، حاجة مكنش متوقعها إطلاقاً.
​”استنى عندك!” قالتها بصوت أرفع وأدبش من أي مرة كلمتني فيها من شهور.. “إيه ده؟”
​ملفتش وشي لها.
​قعدت بالراحة على الكنبة، حطيت رجل على رجل، وقلعت الجاكيت بتاعي.
​كنت تعبان، مش بس من الطيران، بس من كل حاجة.. سنين وأنا بتعامل كأني الخطة ب، مكنة الـ ATM، والراجل اللي بيتحمل خيبات أملهم.
​”أنتِ قريتي، وعارفة إيه ده،” قلت لها بنبرة ميتة.
​أختي ندى، 24 سنة، أصغر واحدة فينا، كانت واقفة على باب الريسيبشن كأنها بتستعد لعاصفة.
​”أنت شلت اسمك من الحساب المشترك مع بابا وماما؟!”
​”ده حصل من شهور،” رديت ببرود.. “أنتِ بس مأخدتيش بالك عشان التحويلات التلقائية كانت لسه بتسحب من حسابي الشخصي الخاص لحد النهاردة.”
​”بس أنت وعدتني إنك هتساعدني في مصاريف التخرج!” بدأت تعلي صوتها وبعدين تردد.. “أنت وعدتني!”
​”لأ.”
​قطعت كلامها ولفيت بصيت لها في عينها.
​”أنا قلت هفكر.. بس لما تروحوا تتأجروا أوضتي كأنها مكنة غزل بنات، وتتعاملوا معايا كأني ضيف ثقيل في بيتي، الموضوع بقى سهل وبسيط والقرار أخد نفسه.”
​”بس ماما قالت—”
​”عارف، وأنا أخدت بالي قوي من كل اللي أمي بتقوله.”
​وقفت وبقيت في وشها.
​”وكلكم ماشيين ورا كلامها.. بس محدش فيكم بيكلف نفسه يسألني أنا عايز إيه، أو محتاج إيه. أنتِ ماشية في البيت ده فاكرة نفسك برنسيسة في قصر مبني على كتفي، وهما سايبينك تعيشي الدور.”
​اتلخبطت، ربعت إيدها، وعينها صغرت كأنها عايزة ترد بشتيمة أو كلام يوجع.
​بس ماردتش.. عشان عارفة.
​من جواها كانت عارفة إنها عدت حدودها بكتير.
​ودلوقتي مش عاجبها إن في حد واقف بيحاسبها على أفعالها.
​”أنا كنت محتاجة الفلوس دي،” قالتها بصوت واطي.
​”وأنا كنت محتاج بيت،” قلت لها بنفس الصوت الواطي.. “بس باين كده إني الوحيد هنا اللي كنت فاكر إني أستاهل يكون ليا بيت.”
​مشيت من جنبها ناحية الطرقة، وأول ما حطيت رجلي هناك، سمعت صوت أمي بيعلى بالنبرة اللي مش بتستخدمها غير لما تحس إن السيطرة بتتسحب من إيدها.
​”أنت مأنفذتش الكلام ده بجد يا يوسف صح؟ إحنا كنا بس بنحاول نلم المصاريف والبيت يتظبط!”
​”قصدك كنتوا عايزين فستان من ماركة براند في أركان مول؟” رديت عليها وأنا مش بلف حتى.. “بلاش نعيش دور الضحية وتعملوا إنها كانت لقمة العيش.”
​أبويا، اللي كان لسه ماسك الفايل، كان قاعد على سفرة الأكل بيبص في الأوراق وبيقلب فيها ببطء.. كأن كل ورقة بيموت بيها أمل في الوهم اللي كانوا عايشين فيه.
​كان باين عليه إنه صغر وتضاءل.
​مش كبر في السن، بس شكله مهزوم.
​”أنت لغيت كل التحويلات والتفويضات،” قالها وهو مش باصص لي.. “كلهم. فواتير الكهربا، المية، الغاز، ومصاريف البيت، وحتى ضريبة العقار.”
​”أنا أديتكم خبر من شهر مارس اللي فات إني مش هفضل أدفع للأبد،” رديت عليه.. “أديتكم المهلة ست شهور كاملين، ولما لقيت محدش واخد كلامي بجدية، عملت ترتيباتي.”
​وده كان أبسط وصف للي عملته.
​اللي أنا عملته في الحقيقة كان أكبر من كده بكتير.
​أنا اتكلمت مع محامي، وشلت اسمي من أي ورقة مالية تربطني بيهم، قفلت الحساب المشترك، وحولت بقية تحويشتي كلها لحساب بنكي تاني خالص باسمي أنا بس.
​حتى العربية اللي كنت سايبها لهم يستخدموها، نقلت ملكيتها لواحد صاحبي أنتيم، حد بيصرف عليها وبيعمل لها صيانة بدل ما كانوا بيتعاملوا معايا كأني الميكانيكي المجاني بتاعهم.
​أنا أديتهم كل الفرص عشان يقفوا على رجليهم، هما اللي اختاروا مايعملوش كده.
​”أنا مش فاهمة،” أمي همست بحسرة.. “أنت هترميني وتتخلى عن أهلك؟”
​كلمة “تتخلى” دي كانت هتخليني أضحك.
​”أنتوا أجرتوا أوضتي لواحد غريب وأنا مسافر، لميتوا حياتي وحاجتي في كراتين ورميتوها في الجراج كأنها كراكيب مالهاش قيمة.. وكل ده عشان فستان؟ ده مش بيت، ودي مش عيلة.. دي تجارة.”
​السكوت اللي جه بعد الجملة دي كان مرعب.. نوع السكوت اللي مش بيحصل غير بين العائلات.
​ندى دبت بجلها على الأرض ومشيت وهي بتبرطم إنها هتروح تاخد قرض من البنك زي بقية خلق الله.
​أمي قعدت على أقرب كرسي وهي مشدوهة، وأبويا فضل يقلب في الصفحات ببطء شديد.. لحد ما وصل للورقة الأخيرة.
​ورقة إلغاء خدمات الكهربا والمية باسمي اللي هتقف رسمياً الأسبوع ده.
​بس الظرف المقفول اللي كان محشور في آخر الفايل هو اللي خلاه يقف.
​فتحه ووشه جاب ألوان واصفرّ.
​أمي أخدت بالها على طول.
​”في إيه يا محمد؟”
​ماردش بسرعة.
​أنا فضلت ساكت، سايب التوتر يتمدد في الصالة.
​أخيراً اتكلم وصوته واطي ومخنوق: “ده عقد إيجار.”
​أمي بربشت: “إيجار إيه؟”
​”شقة في التجمع.. في كومبوند داون تاون،” كمل أبويا وهو باصص للورقة ومصدوم.. “وممضي باسم يوسف.”
​بصت لي أمي: “أنت أجرت شقة ثانية؟”
​”أها،” رديت.. “ومتأكد إنها بعيدة تماماً عن هنا.”
​”طب ليه تعمل كده؟”
​”كنت محتاج مساحة،” قلت لها.. “مساحة حقيقية، مكان محدش يقدر يأجره من ورا ضهري.”
​أمي كان باين على وشها إحساس بالوجع الحقيقي دلوقتي.
​”أنت مكنتش بتثق فينا؟”
​”وثقت فيكم أكتر من اللزوم ولأوقات طويلة.”
​وفجأة.. جرس الباب رن في وقته بالضبط.
​أبويا قام ببطء: “مين ده اللي بيخبط؟”
​هزيت كتافي: “اسأل ضيوفك.”
​السياح الإسبان.
​”غالباً جايين يستلموا الأوضة.”
​بص لي أبويا وهو مرعوب من الموقف.
​”اتمنى الأوضة تعجبهم،” ضفت كلامي وأنا باخد مفاتيح عربيتي من على الترابيزة.. “أنا حتى سبت لهم شوكولاتة على المخدة.”
​ومع الكلمة دي، خرجت من البيت وسبت سكوتهم المصدوم بيضرب في ضهري زي الموجة.
​بس أنا مكنتش خلصت.
​لسه.
​علشان هما لسه مقروش آخر وثيقة.. الوثيقة اللي كنت شايلها في جيبي أنا.
​اللي هتخلي كل حاجة تبقى جد بجد في الأيام اللي جاية.
​ولما يفتحتوها ويقروها.. ساعتها بس الخراب الحقيقي هيبدأ.
​ماروحتش بعيد الليلة دي.
​سقت عربيتي ورحت على الشقة الجديدة.
​شقتي أنا.
​على الأقل للسنة ونص اللي جايين.
​أصغر من بيت أهلي طبعاً، بس كانت بتاعتي.
​مفيش سياح، مفيش إخوات بياخدوا الشاحن بتاعي من غير ما يستأذنوا.
​مفيش تأنيب ضمير وكلام مسموم ملفوف في عزومات العشا.
​راحة بال وبس.
​مافكيتش الشنط قوي الليلة دي، يا دوبك اللي يخليني أتنفس.
​شنطة السفر فضلت مقفولة في الكورنر وأنا قاعد على حرف السرير.
​التليفون مكنش بيبطل زن ورسايل ومكالمات فائتة.
​أغلبها من أمي، وشوية من ندى.
​طپشتهم كلهم.
​مش قسوة ولا غل.
​يعني.. يمكن حبة غل صغيرين.
​بس الأهم إني كنت عارف إن أي كلام هقوله دلوقتي مش هيجيب نتيجة ولا هيتفهم.
​لازم يقعدوا مع الموضوع الأول.. يقعدوا ويشربوا من نتائج أفعالهم.
​تاني يوم الصبح، المكالمات وقفت.
​وبدأت الرسايل.
​أقل عصبية، وأكتر هلعاً وخوفاً.
​أمي: “ارادد عليا يا يوسف ارجوك.. محتاجين نتكلم.”
​ندى: “أنت بتكَبّر الموضوع وأنت دراما قوي! ممكن تبعت الفلوس وأنا هظبط الدنيا مع ماما؟”
​أبويا: “ارجع البيت.”
​الرسالة الأخيرة دي بالذات كانت هتخليني أضحك.
​”ارجع البيت!”
​وكأن البيت مكنش مأجر ورموا حاجتي في الجراج زي زينة رمضان القoldة اللي بيحطوها في مخزن الكراكيب.
​لأ.. أنا خلاص اتعلمت الفرق بين المكان وبين الإحساس بالانتماء.
​علي يوم الثلاثاء، نبرة الرسايل اتغيرت تماماً.
​أمي: “السياح مشوا بدري.. قالوا الأوضة ريحتها رطوبة ومش زي الصور، واضطرين نرجع لهم الفلوس.”
​ندى: “بروفة الفستان الأخيرة فاتتني.. مبسوط كده؟”
​أبويا: “الواي فاي قطع.. أنت غيرت الباسورد؟”
​ماردتش على ولا واحدة.
​مش عشان مكنتش مهتم.
​أنا كنت مهتم وبيوجعني قلبي جداً، بس عشان فهمت أخيراً إن الاهتمام مش معناه إنك تضحي بنفسك وتتداس.
​لسنين طويلة، سبت تأنيب الضضمير يسوقني زي الكلب.
​سبت احتياجاتهم تطغى على احتياجاتي كأنها قانون غير مكتوب.
​أنا الأخ الكبيرة، الراجل الاعتمادي اللي شايل البيت بعد ما جدي توفى.
​بس محدش عمره سألني: أنت عايز إيه؟
​ولما جه يوم الأربع..
​ده اليوم اللي فتحوا فيه آخر ظرف.
​عرفت التوقيت بالضبط لأن أبويا اتصل بيا خمس مرات ورا بعض.
​ولما ماردتش، بعت رسالة واحدة قصيرة: “أنت سحبت العربية مننا؟”
​دي كانت البداية.
​الجواب اللي في الظرف ده كان واضح ومباشر.
​العربية اللي سبتكم تستخدموها بقالها سنتين وزيادة.. خلاص مابقتش بتاعتكم.
​نقلت ملكيتها رسمياً لصاحبي أحمد، واللي وافق إنه يعيرها لي وقت ما أحتاجها.
​الموضوع مكنش حركة ندالة.
​كان تخطيط صح.
​عشان تخيل مين اللي مكنش بيدفع أقساط التأمين وسايب المخالفات والكرتات تتراكم من غير ما يدفعها؟
​ندى.
​وتخيل اسم مين اللي كان لسه على كل أوراق العربية؟
​اسمي أنا.
​كلمت المرور من أسابيع، ونضفت كل حاجة باسمي.
​وأحمد كان مبسوط جداً إنه ياخد العربية، هو كده كده كان محتاج عربية، وكان مقدّر الحركة اللي عملتها مع أهلي.
​الرخصة الجديدة وصلت قبل ما أسافر دبي على طول.
​رسالة أبويا جه بعدها رسالة ثانية من ندى.
​المرة دي كانت منهارة ومرعوبة: “العربية دي هي اللي كنت هروح بيها حفل التخرج! هروح إزاي دلوقتي؟!”
​أهي ظهرت اهي..
​الدنيا مابقتش فرصة مجانية بالنسبة لها.
​التسهيلات خلصت.
​شبكة الأمان اللي عمرها ما قالت لي عليها “شكراً” اختفت فجأة.
​وأخيراً، رسالة أخيرة من أمي: “أنا مش فاهمة أنت بتعمل فينا كده ليه.. إحنا أهلك والعيلة!”
​فضلت باصص للرسالة دي فترة طويلة.
​عشان أنا كنت فاهم.. فاهم كويس قوي أنا بعمل كده ليه.
​علشان العيلة مش بتتعامل معاك كأنك محفظة ماشية على رجلين.
​العيلة مش بتقلل من قيمة أوضتك ومكانك وتسقعه كأنه سبوبة.
​العيلة مش بترميك في الشارع وأنت مش موجود وتبتسم في وشك وهما بيعملوا كده.
​الرسالة دي كانت آخر حاجة شفتها لعدة أيام.
​لحد يوم السبت..
​ساعتها الخراب والشقلبة الحقيقية بدأت.
​بدأت بمكالمة من عمتي، حد مكلمنيش من أكتر من سنة.
​لا في أعياد ميلاد، ولا حتى لما أترقيت في شغلي.. سكون تام.
​لحد دلوقتي.
​”يوسف،” قالت بصوت حذر.. “هو أنت بجد سحبت فلوس الوديعة والحساب المشترك؟”
​اتسمرت مكاني: “نعم؟”
​”أنت شلت اسمك من حساب الورث العائلي.. أبوك بيكلم كل العيلة في التليفون وهو هتتجنن.”
​دعكت أونتي وأنا حاسس بالصداع بيضرب ورا عيني: “أنا مسحبتش الفلوس.. أنا نقلتها.”
​”نقيلتها فين؟”
​”لحساب مغلق تاني باسمي.. الفلوس لسه موجودة، بس هما مالهومش صلاحية يوصلوا لها تاني.”
​اتنهدت عمتي.. “أنت عارف إن أمك هتتجنن وهتقلب الدنيا.”
​”هي قلبتها خلاص.”
​سمعتها اترددت ثانية.. وبعدين قالت حاجة مكنتش متوقعها خالص:
​”أنا حذرتهم.. من سنين طويلة قلت لأمك إنها بتضغط عليك زيادة عن اللزوم، بس هي كانت دايماً بتقول إن يوسف مش هيمشي عشان هو ابننا المتربي العاقل.”
​الكلمة دي تاني.. “العاقل / الطيب”.
​دايماً يتقال لك كأنها مدح، بس هما بيستخدموها زي السلسلة اللي بيقيدوك بيها.
​”قولي لها،” قلت بصوت واطي.. “إن العاقل الطيب ده اتعلم أخيراً يقول لأ.”
​قفلت السكة، بس كنت عارف إن المكالمة دي مش النهاية.. دي كانت مجرد البداية.
​علشان أمي مكنتش هتستسلم، وكانت رايحة تعمل آخر كارت في إيدها عشان تلم الموضوع، حتى لو اضطرت تنبش في حاجة أقسمت قبل كده إنها عمرها ما هتطلعها للنور تاني.
​كان المفروض أعرف إن الحركة الأخيرة هتكون من أمي.
​مش ندى، ولا أبويا.
​هي دايماً كانت محور البيت ده.
​المحرك الهادي اللي بصوت ناعم، وذاكرة أشد من حديد السكك الحديدية.
​لما تنحصر في زاوية، مش بتزعق ولا بتصرخ.. هي بتعيد كتابة القصة، تخلي نفسها الضحية، تحول كل فعل لسوء فهم، ودايماً تلاقي طريقة تلف بيها الموضوع لصالحها.
​عشان كده، مكنتش مصدوم لما جيت يوم الثلاثاء اللي بعده وفتحت باب شقتي في التجمع ولقيتها واقفة بره بلابس شيك ومسك علبة بلاستيك في إيدها كأنها جاية تزورني عادي.
​من غير إنذار.
​من غير مكالمة.
​أم طالعة لابنها وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
​”يوسف،” قالت بهدوء.. “ممكن نتكلم؟”
​وسعت لها الطريق، ومش عارف إيه الجانب جوايا اللي فتح لها الباب.
​تأنيب ضمير؟ فضول؟ ولا يمكن كنت عايز أسمع هتقول إيه عشان تداري المصيبة دي؟
​دخلت ببطء، عينها بتفحص الريسيبشن كأنها بتشوف حجم الأضرار.
​أنا كنت مأجر الشقة ونضيفة، مفيهاش بهرجة، بس كانت بتاعتي.
​وأفتكر إن النقطة دي بالذات هي اللي ضايقتها وأربكتها أكتر من أي حاجة ثانية.
​”أنا عملت لك مكرونة بشاميل،” قالت وهي بتحط العلبة على الرخامة.. “اللي بتحبها.”
​ما أخدتهاش منها.
​حطتها هي بنفسها على الرخامة، ولفت بصت لي وجمعت إيدها في بعض.
​”أبوك مضغوط قوي.. بقالي سنين مشفتوش بالتوتر ده. وندى منهارة، قعدت تعيط لما ملقيتش فستان ينفع في الوقت المناسب.”
​”كان ممكن تلاقي فستان لو مكنتش أجرت أوضتي من ورا ضهري،” قلت لها ببرود.
​أمي هزت رأسها وهي ضاغطة على شفايفها: “عارفة.. مش بقول إننا تصرفنا صح، أنا بس.. حاسة إن الموضوع خرج عن السيطرة، مكنش المفروض يوصل للدرجة دي.”
​بصيت لها وأنا ساكت: “يا أمي، أنتِ أخدتي قرار.. اخترتي فستان بنتك على حساب كرامتي، واخترتي السياح على حساب ابنك.”
​اتنهدت وقربت خطوة: “أنت طول عمرك بتكسب فلوس أكتر من متطلباتنا، وعمرك ما قلت لأ.. أفتكر إني.. إني نسيت إنك مش شبكة أمان ومصرف للبيت.”
​دي كانت أقرب حاجة للإعتذار ممكن أسمعها منها في حياتي.
​بس ساعتها طلعت الكارت الأخير، الكارت اللي كان المفروض أعمل حسابه.
​”أنا وريت حاجة وأنا بينضف دولابك في بيتنا القديم،” قالت بصوت ناعم وهي بتطلع ورقة متطبقة من جيب الجاكيت.. “الجواب بتاعك؟ اللي من أيام الجامعة؟”
​معدتي اتعصرت وتلجت.
​ده كان جواب كتبته في سنتي التانية في الكلية.. جواب عمر ما كان قصدي أبعته.
​كان زي تدريب وتفريغ طاقة نفسية، بطلع فيه كل اللي جوايا وكان نفسي أقوله لها.
​كل المرات اللي حسيت فيها إني متجاهل.
​إزاي ضحيت بعشرينيات عمري عشان أشيل العيلة دي.
​إزاي كنت عايز أغور وأسيب البيت بس كنت حاسس إني متكتف.
​وإزاي ساعات كنت بسأل نفسي يا ترى الحياة كانت هتبقى عاملة إزاي لو اختفيت ومحدش حس بيا.
​فردت الورقة بالراحة: “كتبت إنك تعبت من إنك تكون مش مرئي، وإنك حاسس إنك مستغل ومحدش شايفك بجد.”
​ما نطقتش كلمة.
​أنا مكنتش شفت الجواب ده من سنين.. وكنت فاكر إني رميته في الزبالة.
​”أنا قريته،” كملت كلامها.. “ولأول مرة فهمت حاجة مكنتش عايزة أعترف بيها لنفسي.. إني خذلتك يا يوسف. أنا ربيتك تكون راجل، تكون اعتمادي وشايل المسؤولية، بس مربيتكش تعرف تقول ‘لأ’. ربيتك عشان تخدم، وأقنعت نفسي إن ده بيبنيك راجل أصيل، بس هو في الحقيقة كان بيرهقك وبيهدك.”
​زوري اتقفل.
​أنا مكنتش عيطت قدام أمي من أكتر من عشر سنين، بس اللحظة دي كانت قريبة جداً.
​قربت أكتر، حطت الجواب على الترابيزة وبصت في عيني مباشرة:
​”عشان كده أنا جاية أقول لك إنك عندك حق.. أنت مش مديون لنا بحاجة، لا بفلوس ولا بمسامحة. من حقك تمشي، ومن حقك تبدأ من جديد.”
​كان ده كل الكلام اللي كان نفسي أسمعه طول حياتي.
​بس مكنش حاسس بإنتصار.
​كان حاسس بوجع وحزن.
​عشان كان في نبرة في صوتها فيها نهائية.. حاجة مكنتش قادر أحددها بالضبط.
​وصلتها لحد الباب.
​ماحاولتش تحضنني.
​هي بس هزت رأسها وقالت: “خلي بالك من نفسك.”
​عدت 3 أسابيع بعد اليوم ده.
​ما اتصلتش بيها.
​وهي ما اتصلتش بيا.. لحد يوم الأحد الصبح.
​جالي فويس نوت من ندى.
​”يوسف،” قالت بصوت بيريوش وبيتعبط.. “ماما في المستشفى.. الموضوع مش خطير، هي أغمى عليها من الضغط والتوتر، وهناك في المستشفى كل شوية بتسأل أنت جيت ولا لسه.”
​وقفت في مطبخ شقتي فترة طويلة والفويس شغال وبيكرر نفسه.
​وفي الآخر.. رحت.
​المستشفى كانت هادية، وريحة المطهرات في كل مكان.
​لقيتها قاعدة على السرير، لابس الجلابية البيضا بتاعة المستشفى والبطانية مسحوبة لحد دقنها.
​كانت شكلها أصفر وصغير.
​وشها أهدى، وأكتر إنسانية.
​فتحت عينها ببطء لما دخلت: “يوسف.. مكنتش متأكدة إنك هتجي.”
​”كنت خلاص مش هاجي،” اعترفت لها.
​هزت رأسها وهي باصصة للمحاليل: “أستاهل كده.”
​قعدت جنيها على السرير وماتكلمتش لفترة.
​بس بشنع صوت أجهزة القياس وشوش التكييف.
​وبعدين قالت: “أبوك بيحاول يتغير.. لغى الكارت البنكي بتاع ندى، وقال إن الوقت جه عشان تتعلم الحياة بتتكلف كام بجد.. أنا قلت له إن دي كانت فكرتك.”
​ابتسمت ابتسامة خفيفة: “مكنتش فكرتي، بس جه وقتها.”
​غمضت عينها: “إحنا خسرناك صح؟”
​”لأ،” قلت لها.. “أنتوا مخسرتمونيش، أنا بس مابقتش ملككم عشان تستخدموني.”
​دمعة نزلت من عينها على خدها: “عندك حق.”
​اتكلمنا ييجي ساعة عن حاجات مش مهمة.. الجو، شغلي، وإزاي هي وحشتها الحلويات والشوكولاتة اللي بجيبها من دبي.
​لما جيت أمشي، موعدتهاش إني هرجع، بس سبت بوكيه ورد صغير جنب الشباك.. ورد أبيض بسيط.
​الأيام بقت شهور..
​فضلت محافظ على مسافتي، بس مأختفيتش خالص.
​بقوا يتصلوا أقل.
​ولما يتصلوا، مكنش عشان يطلبوا حاجة.. كان بس عشان يطمنوا عليا وعلى أحوالي.
​ولأول مرة في حياتي كلها كراجل كبير، السؤال ده مكنش بييجي وراه طلب أو خدمة.
​ندى نزلت اشتغلت شغلتين بارت تايم، عزلت وقعدت مع واحدة صاحبتها، وبقت تدفع إيجار نفسها بنفسها.
​أبويا باع العربية الثانية، وباعوا البيت.. عرضوه للبيع وقالوا إنه بقى كبير قوي ومصاريفه كتيرة عليهم.. ويمكن هو كان كده طول عمره.
​أنا عمر ما رجعت سكنت معاهم تاني.
​بس في يوم، بعد 6 شهور، جالي جواب في البوسطة.
​مكتوب بخط الإيد، مفيش عنوان راجع، مجرد اسمي بس.
​كان من أمي.
​جواه كان في ورقة واحدة.
​”أنت عمرك ما كنت مش مرئي.. أنا بس اللي مكنتش ببص كويس.”
​وتحت الجملة دي، كان في صورة صغيرة ملزوقة بسلوتيب.
​صورة ليا وأنا عندي سبع سنين، ماسك جيتار لعبة يوم عيد ميلادي.
​وكاتبة على ظهر الصورة من ورا:
​”ده اليوم اللي بطلت فيه تطلب مساعدة، وبدأت أنت اللي تديها.. كان المفروض أقول لك ساعتها: شكراً.”
​حطيت الصورة دي على مكتبي في الشقة.. مش عشان سامحت على كل حاجة، بس عشان التعافي والشفاء مش بييجوا مرة واحدة.
​ساعات بييجي على أجزاء، في سكون، وفي إنك وأخيراً.. تتحس وتتشاف بجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *