لقيت نبيلة بتخبط على بابي
يوم الخميس، الساعة تمانية ونص بالليل، ضربت الجرس تاني. مش مرة واحدة. تسع مرات ورا بعض.
مصطفى خرج معايا.
— نبيلة، العيال خلاص داخلين يناموا —قال لها—. ما ينفعش تيجي تعملي النمرة دي دلوقتي.
هي حتى ما بصتش ناحيته.
— جيهان، بكرة حماتي عاوزة تتكلم في “ترتيبات العيلة الجديدة”. محتاجاكي توافقي النهارده.
— لا.
— متين جنيه.
— لا.
— بس أنتِ حتى مش عارفة أنتِ هتعملي إيه بالظبط!
— ولا أنتِ عارفة.
الكلمة دي لجمتها وخلتها تسكت.
— تقصدي إيه؟
— أقصد إنك مش عارفة إذا كانت حماتك تعبانة أصلاً، ولا عارفة إذا كانت هتعيش معاكي، ولا عارفة هي محتاجة إيه. أنتِ بس سمعتي كلمة “رعاية” فجالك هلع وافتكرتي إنها هتقطع عنك الهدايا والمساعدات.
ولأول مرة، نبيلة ووطت صوتها.
— أنا مش عاوزاها تفتكر إني كنة وحشة.
— يبقى بطل أسلوب الكناين ده وتصرفي بعدل.
وشها اتشد واتعصب.
— هتندمي إنك دخلتي نفسك معايا.
ومشيت.
أنا كان المفروض أسكت وأكبر دماغي. بس تاني يوم الصبح، شفت الحاجة فوزية طالعة من الأجزخانة. كانت ماشية مفرودة، شايلة شنطة صغيرة، وما يبانش عليها خالص إنها محتاجة حد يشيلها أو يسندها. اترددت ثواني قبل ما أقرّب منها.
— الحاجة فوزية.. ممكن أسألك سؤال حساس شوية؟
ابتسمت لي.
— طبعاً يا بنتي.
— هو حضرتك محتاجة حد يخلي باله منك أو يراعيكي الفترة الجاية؟
الابتسامة اختفت من وشها.
— أنا؟!
وفي اللحظة دي بالظبط فهمت إن نبيلة كانت عاملة الحكاية دي كلها وبانية فيلم كامل على حاجة ما كلفتاش نفسها حتى تسأل عليها.
الحاجة فوزية عزمتني أقعد معاها على بنش قدام الأجزخانة. لما حكيت لها، من غير تزويق، إن نبيلة بقالها أيام بتضغط عليا عشان “أراعيها” مقابل مية جنيه في اليوم، سكتت تماماً وتنّحت لدرجة إني افتكرتها مش مصدّقاني.
— يا جيهان، اللي محتاجة مراعاة هي أمي أنا.
— أم حضرتك؟
— عندها ستة وثمانين سنة. وقعت من فترة قريبة، ورغم إنها بتتحسن، مش عوزاها تقعد لوحدها في المرحلة دي. أنا هروح أقعد معاها فترة في بيتها في طنطا. ده اللي كنت عاوزة أوضحه لنبيلة ولابني.
حسيت بمزيج من الارتياح والغيظ.
— يعني حضرتك عمرك ما فكرتي تعيشي معاهم!
— أبدًا! ولا كان في بالي أصلاً أطلب من نبيلة تراعياني.
وطّت عينها في الأرض.
— الحاجة الوحيدة اللي هتتغير إني مش هقدر أجيب أحفادي من المدرسة تلت أيام في الأسبوع، ولا هروح أروق لهم المطبخ لما يكونوا مشغولين. ولا هيبقى عندي وقت أخرج معاها نشتري طلبات.
أخدت نفس عميق.
— هي دي بقى الحكاية.. أعتقد ده اللي كان قلقها بجد.
الحاجة فوزية بصت لي بكسرة ونظرة حزن وجعت قلبي أكتير من أي مشهد درامي.
— هي قالت لك حاجة تاني؟