لقيت نبيلة بتخبط على بابي

كان ممكن أجمّل الحقيقة أو أخففها. بس ما عملتش كده.
وريتها الرسائل.
ما كانتش مجرد استنتاجات. دي نبيلة بنفسها كاتبة إنها كانت بتعاملها حلو “عشان المصلحة”، وإن الحاجة فوزية دايماً بتدفع وتشتري، وإن مراعاة كبار السن “مش مجدية ولا تجيب همها”، وإن أنا المفروض أُمثل وإني بساعد عشان بحترمها وبعزها.
الحاجة فوزية قريت الكلام كله مرتين.
— ممكن أصور الرسائل دي؟
— طبعاً.
— مش عوزة أظلمها أو أتهمها بحاجة من غير دليل.
الجملة دي أكدت لي هي ليه كانت مستحملة حاجات كتير. ما كانتش طيبة بعبط، هي بس كانت عوزة تصدق إن مرار ابنها بتبادلها ود حقيقي.
​في نفس اليوم الظهر، نبيلة بعتت لي:
“قلتِ لها إيه؟”
ما رديتش.
بعد خمس دقائق:
“حماتي عوزانا نروح لها كلنا بيتها بكرة”.
وبعدها:
“لو كنتِ وريتيها حاجة، أنتِ بتخربي بيتي وتدمرتِ العيلة”.
وفي الآخر:
“قولي إنك فهمتي غلط وهديكي ألف جنيه”.
قفلت الموبايل وشيلته.
​تاني يوم، نبيلة وصلت بيت الحاجة فوزية بكل ثقة ويقين بإنها لسة تقدر تسيطر على الحوار وتغير الحقيقة. جوزها، أحمد، كان قاعد هناك. وأنا كمان كنت موجودة لأن الحاجة فوزية هي اللي طلبت مني أحضر.
— أنا مش فاهمة جيهان قاعد هنا ليه! —نبيلة قالتها أول ما شافتني—. دي عمالة تتخيل وتألف كلام من عندها.
الحاجة فوزية حطت الموبايل على السفرة.
— طب فهميني أنتِ الصح.
نبيلة وشها جاب ألوان واصفرت أول ما لمحت رسائلها.
— الكلام ده متأخد بعيد عن سياقه!
— أنهي جزء بالظبط؟
— أنا.. أنا كنت متوترة وقلقانة!
— الجزء اللي بتقولي فيه إنك بتعامليني حلو عشان بشتري لك حاجات ده توتر برضه؟
أحمد بص لها وهو مش مصدق، وكأنه بيشوفها لأول مرة.
— نبيلة…
— أمك طول عمرها بتعاملني كويس، بس أنا كمان ياما استحملت وسكت عن حاجات كتير!
الحاجة فوزية ما زغرتش ولا رفعت صوتها.
— قولي لي حاجة واحدة استحملتيها.
نبيلة فتحت بؤها. ما طلعتش كلمة.
​وهنا جت الصدمة التانية.
الحاجة فوزية وضحت إنها مش محتاجة حد يراعيها، وإنها عمرها ما فكرت تعيش معاهم، وإنها مسافرة فترة تقعد مع أمها هي. نبيلة هديت شوية لثانية وافتكرت إنها أفلتت.
— شفت بقى؟ يبقى الموضوع كله كان مجرد سوء فهم!
— لا —الحاجة فوزية ردت بحسم—. لأن دلوقتي عرفت أنتِ بتفكري فيا إزاي وبتحسبين إزاي.
الارتياح اتمسح من وش نبيلة في ثانية.
— يا ماما، أنا…
— وعرفت حاجة كمان.. أنتِ ما كانش فارق معاكي تخلي بالك مني ولا لأ، أنتِ كان فارق معاكي المزايا والخدمات اللي بتخسريها.
أحمد مسك الموبايل، قرا الرسائل كلها للآخر، وقفل عينه بألم.
— أنتِ كمان كنتِ بتعرضي مية جنيه في اليوم على جيهان عشان تشيل مسؤلية بني آدمة هي حتى ما تعرفهاش؟
— افتكرت المبلغ كفاية!
— كفاية لإيه؟ —أنا تدققت وسألتها—. عشان تشتري تمان أو عشر أو اتناشر ساعة من حياة بني آدم تاني؟
نبيلة بصت لي بصلف وبغيط.
— أنتِ تسكتي خالص وتنقضي نفسك!
الحاجة فوزية خبطت على الترابيزة بكف إيدها.
— لا. أنتِ اللي تسكتي وتسمعي!
نبيلة اتسمرت مكانها.
— أنا مش هتناقش في مشاعرك —الحاجة فوزية كملت كلامها—. مش هجبرك تحبيني. بس في نفس الوقت مش هفضل أدفع وأمول علاقة أنتِ بنفسك لسة معترفة إنك بتثمثلي فيها.
— يعني إيه الكلام ده؟
— يعني خلاص.. مفيش شنط، ولا هدايا، ولا أجهزة، ولا فلوس لدلعك. هفضل أساعد أحفادي وأقف جنبهم لما يحتاجوني، لكن أنتِ مش هجيب لك قشة تانية.
نبيلة وقفت بغضب.
— ده عقاب ليّا!
— لا. ده مجرد إني بوقف مكافأة الكذب والتمثيل.
​ولما افتكرت إن الموضوع مش ممكن يسوء أكتر من كده بالنسبة لها، أحمد طلع أجندة صغيرة من شنطته.
— فيه موضوع تاني لازم نتكلم فيه.
نبيلة بصت له بذهول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *