لقيت نبيلة بتخبط على بابي

— إيه؟
— الحسابات الحقيقية والتكلفة الفعلية لكل الحاجات اللي أمي بتعملها عشاننا وبتحملها عنا.
​أحمد فتح الأجندة وقعد على الكرسي قصاد نبيلة، وعينيه كلها حسرة وخيبة أمل.
​— بقالي سنتين بكتب كل حاجة، يا نبيلة. كل قرش أمي كانت بتساعدنا بيه، وكل مشوار كانت بتعمله. كنت فاكر إننا عيلة واحدة وإن دي جدعنة وحنية منها، بس لما شفت كلامك وعرفت إنك شيفاها مجرد “بنك” وهدايا، لازم تحسبيها صح.
​نبيلة وقفت مربعة إيدها ووشها جايب ألوان:
— تحسب إيه يا أحمد؟ أنت هتعد على أمك ولا هتعمل عليا حاسب؟
​— لأ، هحسب عليكي أنتِ! —أحمد رد بصوت جاف وهو بيبص في الأجندة—. أمي كانت بتجيب الولاد من المدرسة تلت أيام في الأسبوع. لو جيبنا باص مدرسة أو دايت كير ياخد باله منهم، ده بيكلفنا مش أقل من ألفين جنيه في الشهر. أمي كانت بتنزل تجيب لك خضار البيت وتساعدك في المطبخ، لو جيبنا حد يساعدك هتتدفعي له كام؟ الغسالة اللي في مطبخك، والبرفانات والشنط اللي بتتباهي بيها قدام صاحباتك… كل ده أمي هي اللي دفعاه من معاشها.
​نبيلة صوتها علي وحاولت تقلب الطاولة:
— وأنا مش مراتك؟ ومش شايلة بيتك وعيالك؟ ولا هي أمك جاية تمن علينا بالأكل والشرب؟
​الحاجة فوزية قامت وقفت بهدوء، وحطت إيدها على كتف ابنها:
— يا أحمد، أنا عمر ما كان في بالي أحسب ولا أمنّ. أنا كنت بعمل كده عشان بحبكم وعاوزة أخفف عنكم. لكن لما المساعدة تتاخد كحق مكتسب، وتتقابل بقلة أصل وتصنع، يبقى كفاية لحد كده.
​بصت لنبيلة وقالت لها بكلمات وزناها بميزان ذهب:
— أنتِ فاكرة إنك ناصحة، وإن المية جنيه اللي كنتِ هتدفيها لجيهان دي شطارة. أنتِ مش بس خسرتي الهدايا والمساعدات يا نبيلة… أنتِ خسرتي قيمتك في عين جوزك، وخسرتي الستر اللي كنت عايشة فيه.
​نبيلة بصت لي بغل وكأنها عاوزة تاكلني:
— مبسوطة كده؟ خرّبتي بيتي ورضيتي غرورك؟
​رديت عليها وأنا بحط الموبايل في شنطتي وبستأذن من الحاجة فوزية:
— أنا ما خربتش بيتك يا نبيلة. أنتِ اللي بنيتي بيتك على تمثيلية، وأول ما اتحطيتي في اختبار حقيقي، التمثيلية وقعت كرتون. الجدعنة مش فلوس بتتلم ولا هدايا بتتاخد… الجدعنة أصل، وأنتِ أصلك خانك.
​أحمد بص لنبيلة وقال لها بحسم:
— المداخيل اللي جاية كلها هتتظبط. والفلوس اللي أمي كانت بتشيلها عننا، أنتِ اللي هتدبري مصاريفها من ميزانية البيت، ومش هشوفك بتطلبي من أمي قشة تانية. ولو مش عاجبك، بيت أهلك مفتوح.
​خرجت من شقة الحاجة فوزية وسبتهم يتواجهوا مع الحقيقة اللي استخبّت سنين. ودلوقتي بس، نبيلة عرفت إن قيمة الناس مش بفلوسهم ولا باللي بناخده منهم… وأن اللي بيبيع أصله عشان قرشين، بيفضل طول عمره مفلس.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *