بعد الجنازة

بعد الجنازة، جوز بنتي بدأ يرمي حاجات بنتي كأنه عايز يمسحها من البيت. لما تيريزا شافت الجاكيت القديم بتاعها، اتصدمت.
​حتى بعد الجنازة، جوز بنتي فضل مفيش غلطة طول الجنازة كلها، لابس بدلة غامقة. ولا دمعة واحدة.
​وسميرة، حاماتي، معيطتش هي كمان.
​تيريزا عيطت.
​بس حتى وهي متدمرة، فضلت تعمل اللي طول عمرها بتعمله: تلاحظ وترقب.
​بعد الدفنة، العيلة اتجمعت في الشقة اللي فريدة كانت عايشة فيها مع ممدوح في حي الدقي. أول ما تيريزا دخلت، شافت حاجة خلتها تتسمر في مكانها.
​كان فيه كراتين في كل حته.
​كراتين متقفلة، ومكتوب عليها، وجاهزة تمشي.
​—إيه ده؟ —سألت.
​ممدوح ظهر من وراها.
​—حاجات فريدة. حسيت إن الأحسن نشيلها في مكان أمين. أصل رؤيتها كل يوم بتدمرني.
​تيريزا بصت على مكتبة الكتب الكبيرة.
​كانت شبه فاضية.
​فريدة مكنش بقالها ميتة غير تلات أيام بس.
​وكان فيه راجلين متأجرين بياخدوا الكراتين وبيطلعوها بره، في الوقت اللي سميرة كانت بتشاورلهم فيه أنهي كراتين رايحة مخزن المخزن وأنهي كراتين ينفع تترمي.
​ده مكنش منظر عيلة بتودع حد.
​ده كان شكله نقلة بيت متخطط لها صح.
​ساعتها تيريزا شافت كم برتقالي طالع من كرتونة مكتوب عليها بالقلم الفلوماستر: للرمي.
​عرفته على طول.
​كان الجاكيت القديم المفضل بتاع فريدة.
​—أنا هاخده.
​سميرة قربت منها.
​—يا تيريزا، أنت كبرتي وخرفتي خلاص. ممدوح ممكن يشتريلك حاجة حلوة لو عايزة تحتفظي بذكرى.
​—أنا مش عايزة حاجة حلوة. أنا عايزة جاكيت بنتي.
​ممدوح وأمه بصوا لبعض.
​كانت نظرة أقل من ثانية.
​بس تيريزا شافتها.
​مكنتش نظرة مضايقة.
​كان خاف.
​—خديه —قالها ممدوح في الآخر.
​بالليل ده تيريزا وصلت شقتها في مصر الجديدة، حاضنة الجاكيت كأنها لسه قادرة تلاقي دفا فريدة جواه.
​معيطتش.
​مكنش فاضل فيها حيل خلاص.
​نامت وهي قاعدة قدام الكنبة.
​مع الفجر، مسكت الجاكيت عشان تطبقه فحست بحاجة ناشفة جوه الجيب الشمال.
​طلعت ورقة متطبقة أربع تطبيقات.
​عرفت الخط على طول.
​ماما، لو بتصحي تقري الكلام ده، فغالباً أنا مش هعرف أشرحلك في وشك. الأول، اخلصي قراية. وبعدين قرري تثقي في مين.
​تيريزا نفسها اتثبت.
​فريدة كانت كاتبة إن ممدوح بقاله شهور بيديها أقراص على أساس إن دكتور قلب موصي بيها.
​بس هي اكتشفت إنها مكنتش الأدوية اللي دكتورها المتابع معاها كاتبها خالص.
​وكانت كمان لقيت شات ومحادثات غريبة بين ممدوح وسميرة.
​وبوليصة تأمين.
​فيه أدلة أكتر. أنا شيلتها في مكاننا. المكان اللي محدش يعرفه غيري أنا وأنتِ بس. متتكلميش مع ممدوح. متتكلميش مع أمه. لو أنا ملحقتش أعمل كده، أنتِ اللي هتعملي.
​تيريزا خلصت قراية وإيديها متلجة.
​ساعتها افتكرت الكراتين اللي كانت متجهزة قبل الجنازة.
​ولهفة سميرة وتخبيطها عشان تسيطر على كل المتعلقات.
​والنظرة دي لما كانت عايزة تاخد الجاكيت.
​بصت بره الشباك وقالت بصوت واطي:
​—كنتوا عارفين إن فريدة معاها حاجة.
​في اللحظة دي، تليفونها رن.
​كان ممدوح.
​—يا حماتي، كنت بس بطمن عليكِ صحيتي عاملة إيه… أنتِ نزلتِ من البيت النهاردة ولا لسه؟
​تيريزا غمضت عينيها.
​خلاص مفيش شك عندها.
​هما مكنوش قلقانين عليها.
​هما كانوا بيشوفوا هي عرفت لحد فين.
​وهي لسه مكنتش مصدقة اللي كانت على وشك تكتشفه.
الـ “مكان اللي محدش يعرفه غيرهم” كان بيت قديم بتاع العيلة قريب من بلطيم على البحر. لما فريدة كان عندها خمستاشر سنة، هي وتيريزا قضوا هناك تلات أيام بعد خناقة عائلية كبيرة. من غير نت ولا تليفونات، بيعملوا فطير على الصاج ويقروا سوا والمطر نازل. في أوضة من الأوض اكتشفوا لوح خشب مهزوز في الأرضية. تحته، فريدة لقيت علبة صفيح قديمة بتاعة شاي. —ده هيبقى المخبأ بتاعنا للحاجات المهمة بجد —فريدة كانت قايلاها ساعتها.
​تيريزا نزلت الصبح بدري من غير ما تقول لأي حد. ركبت ميكروباص للموقف ومنه لبلطيم. طول السكة كان عندها إحساس إن فيه حد بيمشي وراها وبيراقبها. لما وصلت، لقيت البيت مهجور، مالي المطر والتراب. اللوح التالت جنب الشباك كان لسه مهزوز. مدّت إيدها. العلبة الصفيح كانت لسه جوه.
​جواها كان فيه صور من روشتات دكاترة، صور أوراق رسمية، صور محادثات شات متبوعة، وبوليصة تأمين على الحياة بأكتر من ستة مليون جنيه. المستفيد كان ممدوح. فريدة كانت معلمة على تاريخ بال أحمر. التأمين كان لسه واصل للمدة اللي ينفع بعدها يتصرف.
​بس الأضلع كان تحت كل ده. جهاز تسجيل صغير. كان ملزوق عليه ورقة: اسمعي للآخر.
​تيريزا دازت على الزرار.
​الأول سمعت شوشرة. وبعدين صوت سميرة:
—المهم يبان إنه حاجة في القلب. هي أصلاً عندها تاريخ مرضي. لو كل حاجة مشيت صح، محدش هيسأل ولا هيشك.
​سكوت. وبعدين ممدوح:
—طب ولو اكتشفوا حاجة؟
—محدش هيكتشف حاجة لو بطلت تتواتر كده.
​التسجيل خلص.
​تيريزا فضلت قاعدة على الأرض دقائق. معيطتش. مكسرتش حاجة. بس شالت كل ورقة بالضبط زي ما فريدة كانت شايلاها.
​وهي راجعة القاهرة اتصلت بإبراهيم خليل، صاحب جوزها المرحوم القديم وكان لواء شرطة سابق. في نفس الليلة دي إبراهيم سمع كل حاجة. لما التسجيل خلص، وشه اتغير تماماً.
​—تيريزا… الموضوع جد ومش سهل.
—ينفع يتقبض عليهم؟
—النهاردة لأ. معانا أدلة قوية، بس محتاجين نثبت صحة الورق، والتسجيل، والأهم من ده نلاقي الدكتور اللي اسمه في الروشتات دي. من غير تقارير الأدلة الجنائية، أي محامي شاطر ممكن يطعن في كل ده.
​ساعتها إبراهيم قال حاجة تيريزا عمرها ما كانت تتخيلها.
​—فريدة جالي الشغل قبل ما تموت بتلات أسابيع.
​تيريزا اتسمرت مكانها:
—أنت كنت عارف؟
—كنت عارف إنها خايفة. وبدأت أدور من تحت لتحت. كنت لسه بدور على الدكتور لما هي توفت.
—كنت تقدر تنقذها؟
​إبراهيم نزل عينه في الأرض:
—مش عارف. وبقالي أيام بسأل نفسي نفس السؤال ده.
​الصبحية ظهرت سميرة في بيت تيريزا وجايبة معاها تورتاية وابتسامة مكسورة. شربت قهوة معاها، وسألت على صحتها واتكلمت عن فريدة. وبعدين، كأنها بتسأل بالصدفة، قالت:
—أنتِ خرجتِ امبارح في أي حته؟
​نفس السؤال بتاع ممدوح. وقبل ما تمشي زودت:
—لو لقيتِ أي أوراق بتاعة فريدة، إديهال ممدوح. كلها. عشان الموضوع ده مهم أوي بالنسبة له.
​بعدها بيومين ممدوح عزِم تيريزا على كافيه. جابلها صور قديمة لفريدة وفضل يتكلم لمدة نص ساعة كأنه الزوج المالي هدومه والمتأثر. لحد ما سأل:
—صحيح… أنتِ بقالك قد إيه مروحتش بيت بلطيم؟
​تيريزا حسيت بقلبها بيخبط في ضلوعها.
—يجي تلات سنين.
​ممدوح عينيه ثبتت في عينيها. وابتسم:
—غريبة. فريدة كانت بتتكلم كتير عن المكان ده.
​أول ما تيريزا طلعت من الكافيه اتصلت بإبراهيم على طول:
—عرفوا إن فيه حاجة في البيت هناك.
—يبقى معندناش وقت —رد عليها—. أنا وصلت للدكتور. مرعوب. لو وافق يشهد، هنقدر نطلب إعادة فتح تحقيق في وفاة فريدة.
—محتاج وقت قد إيه؟
—يوم واحد.
​الليلة دي تيريزا مانمتش. الساعة عشرة الصبح الجرس رن. بصت من العين السحرية. ممدوح وسميرة واقفين بره. ممدوح كان ماسك دوسيه أوراق.
​تيريزا فهمت على طول. مكنوش جايين يعزوها ولا يواسوها. هما كانوا جايين يخليوها تمضي على حاجة.
​وقبل ما تفتح الباب، جيلها رسالة من إبراهيم:
الدكتور اعترف. متوقعش على أي حاجة نهائي. أنا قريبة منك.
​تيريزا أخدت نفس عميق وفتحت الباب.
​اللي هيحصل في الدقايق الجاية هو اللي هيحدد: هل فريدة هتاخد حقها… ولا القتلة بتوعها هيدفنوها للمرة التانية؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *