بعد الجنازة

الجزء الثالث والأخير
​فتحت تيريزا الباب وهي بتحاول تسيطر على رعشة إيديها. ممدوح وسميرة دخلوا بابتسامات مزيفة، عينيهم بتتفحص الشقة بلهفة.
​—يا حماتي، كنا قلقانين عليكِ —قال ممدوح وهو بيدخل الصالة وبيحط الدوسيه على الترابيزة—. الموضوع محتاج يخلص بسرعة عشان نعرف نلم دنيتنا وننهي الإجراءات الروتينية بتاعة التركة وبيت بلطيم.
​سميرة قربت من تيريزا ومسكت إيدها بحنية مصنّعة:
—ممدوح كتر خيره شايل كل حاجة عنك.. الورق ده بس إقرار منك إنك تنازلتِ عن نصيبك في شقة الدقي وبيت البحر عشان هو يعرف يتصرف، وشوية أوراق ملكية تخص فريدة.
​تيريزا بصت للدوسيه، وبعدين بصت في عينين ممدوح مباشرة. النظرة المكسورة اللي كانت في عينها اختفت، وحل مكانها حدة غريبة خلت ممدوح يرتبك ويخطو خطوة لورا.
​—ورق إيه يا ممدوح؟ —سألته بصوت هادي جداً—. الورق اللي هيغطي على الدوا اللي كنت بتديهولها؟ ولا على بوليصة التأمين اللي بستة مليون جنيه؟
​السكوت ساد الأوضة فجأة. وش سميرة اصفرّ، وممدوح لسانه اتعقد.
​—أنتِ… أنتِ بتقولي إيه يا تيريزا؟ أنتِ اكيد كبرتِ وخرفتي! —سدّت سميرة وهي بتحاول تداري توترها.
​لكن ممدوح قرب خطوة من تيريزا وشكله اتغير تماماً، ملامحه بقت قاسية وعينيه فيها تهديد واضح:
—أنتِ رحتي بيت بلطيم… صح؟ جبتِ العلبة الصفيح؟ هاتي الورق ده يا تيريزا بالذوق، بدل ما تروحي لفريدة.
​وفجأة، الباب المفتوح للشارع اتزق بقوة، ودخل إبراهيم خليل ومعاه تلاتة من رجال الشرطة بالزي المدني.
​—محدش يتحرك من مكانه! —صوت إبراهيم يرن في الصالة.
​ممدوح اتقلب وشه وبيحاول يداري الدوسيه:
—إيه المهزلة دي؟ أنت مين عشان تقتحم بيتي؟
​إبراهيم طلع كارت الصفة ورسالة الضبط والإحضار:
—أنا اللواء إبراهيم خليل.. ومعايا أمر من النيابة العامة بإلقاء القبض عليك وعلى والدتك سميرة، بتهمة الشروع في قتل والتسبب في وفاة فريدة، والتزوير، والتآمر لحصول على بوليصة تأمين.
​سميرة صرخت:
—كذب! مفيش دليل! بنتك ماتت بسكتة قلبية والتقرير الطبي موجود!
​—التقرير الطبي بقى للبيع والشراء لما الدكتور بتاعكم اعترف بكل حاجة —رد إبراهيم بثقة—. الدكتور اللي كتب الروشتات المغشوشة اعترف في النيابة من نص ساعة بس إنك يا ممدوح هدّدته ورشيته عشان يكتب أدوية بتعمل هبوط حاد في عضلة القلب على المدى الطويل. غير التسجيل الصوتي اللي في علبة الشاي بتاعة بلطيم.
​ممدوح حاول يزق الظابط ويجري ناحية الباب، بس رجال الشرطة شلّوا حركته في ثواني وكلّبشوا إيده. سميرة قعدت على الأرض وهي بتصرخ وبتعيط، بس المرة دي العياط كان حقيقي… عياط الخوف من المصير اللي مستنيهم.
​وهما بيسحبوهم لبره الشقة، ممدوح بص لتيريزا بجلود وقال:
—أنتِ دمرتِ كل حاجة!
​تيريزا مشيت ناحيته بثبات، وبصت في عينيه وقالت بمنتهى القوة:
—أنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن حزن الأم هيخليها عمياء.. حق فريدة رجعلها.
​بعد ستة أشهر.
​في محكمة جنايات الجيزة، صدر الحكم النهائي: الإعدام شنقاً لممدوح بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والسجن المشدد 15 سنة لسميرة كمشاركة في الجريمة.
​في نفس اليوم، راحت تيريزا لبيت بلطيم. وقفت قدام البحر، المطر كان نازل هادي. طلعت صورة فريدة والجاكيت البرتقالي، وابتسمت لأول مرة من يوم الجنازة.
​مسكت الهوا، وقالت بصوت خفيض:
—نامي مرتاحة يا فريدة.. حقك رجع.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *