شنطك خلاص بقت في شنطة العربية
خرجتُ من المستشفى مع طفلي الرضيع، وفتحتُ حقيبة سيارة زوجي لأضع فيها حقيبة، فوجدتُ حقيبتي سفر ملأى بجميع ملابسي. قال لي: «ستبقين عند والديكِ ثلاثة أشهر؛ فأنا بحاجة إلى الراحة». لم أجادل، فقط أغلقتُ حقيبة السيارة واتصلتُ بوالدي. لم يكن زوجي يعلم بعدُ مَن هو المالك الحقيقي للشقة.
– شنطك خلاص بقت في شنطة العربية. بكرة لما تخرجي من المستشفى بالسلامة مع الولد، حازم هيوصلك بيت أهلك. هو محتاج يرتاح على الأقل تلات شهور.
مريم قعدت كام ثانية مش استوعبت إن حماتها بتتكلم بجد.
كانت لسة قاعدة على سرير المستشفى، جسمها كله موجوع من ولادة قيصرية، وعينيها على ابنها اللي نايم في المهد الصغير الشفاف. الناحية التانية من التليفون، كانت عفاف بتكمل كلامها بمنتهى الثقة، كأنها بتأخد قرارات العيلة كلها.
– الشهور الأولى دي بتبقى مرار طافح. الواد هيصرخ طول الليل، وأنتي هتبقي تعبانة ومفرهدة ومصهدة… وحازم وراه شغل وتقلان عليه وشه. لو مانامش، مين اللي هيصرف عليكم؟
مريم عضت على شفايفها.
– وأنا؟
– أنتي تقعدي عند أمك في شبرا. هي أدرى بعمايل العيال، تعملك شوية شوربة دافية، وتساعدك في تحميمه. وهو يفضل في الشقة هنا يرتاح ويروق باله ويظبط أموره.
الجملة الأخيرة دي كانت هتموت مريم من الضغط.
الشقة اللي عايشة فيها هي وحازم بقالهم سنتين في التجمع، مكانتش ملك حازم اصلاً.
ولا حتى ملكهم هما الاتنين.
دي كانت ملك الأستاذ صلاح، بابا مريم. كان شاريها من سنين استثمار، واداهالهم يعيشوا فيها لغاية ما يحوشوا قرشين ويبنوا دنيتهم. مكانش بياخد منهم جنيه إيجار، كل اللي طلبه إنهم يشيلوا الصيانة والخدمات وخلاص.
بس حازم، مع الوقت، استسهل وبقى يقول عليها “شقتي” قدام الطوب الأرض.
ودلوقتي أمه بكل بساطة قررت إن مريم، اللي لسة قايمة من ولادة ومعاها حتة لحمة حمرا، تسيب بيتها وتمشي عشان الباشا يعرف ينام.
– تمام يا طنط… فهمت – مريم ردت بهدوء غريب جاب للست ذهول.
– الحمد لله إنك عاقلة وبتفهمي.
مريم قفلت السكة، وبدل ما تقعد تعيط وتتحسر، طلبت رقم ابوه.
صلاح رد عليها من ورشته في السبتية.
– إيه يا بنتي؟ خير؟
مريم حكتله كل كلمة بالحرف.
الراجل سكت خَمس ثواني.
– يعني حازم عايز يقعد لوحده تلات شهور عشان “يظبط الشقة”؟
– ده اللي قاله.
صلاح ضحك ضحكة مكتومة.
– حلو قوي. ما ينفعش نقطع بخلة راجل عايز يشتغل ويصلح بيته!
تاني يوم، حازم جه المستشفى وماسك في إيده خمس وردات، وابتسامته من الوذن للوذن، ووشه منور ومستريح بشكل ما يدلش خالص إنه لسة بقا أب.
باس مريم، وبص على الواد بصة خطف كده، وبدأ يستعجلهم عشان يخلصوا إجراءات الخروج.
لما نزلوا الجراج، حازم فتح شنطة العربية.
وكانوا هناك.
شنطتين سفر كبار لونهما كحلي، فيهم كل هدوم مريم.
حتى مكانش مكلّف خاطره يعدي بيها على الشقة الأول.
– يا حبيبتي متفهمنيش غلط – قالها وهوا بيبرر – دول كام شهر بس. أمي عندها حق، أنا عندي مشاريع وشغل محتاج تركيز ونوم. وأنتي هناك عند حاج صلاح وحاجات أمك هترتاحي أكتر.
مريم بصت للشنط، وبعدين بصت في وشه.
– ماشي، تمام. يلا بينا على شبرا.
حازم فتح عينيه من المفاجأة.
– بجد؟
– أه والله، يلا.
طول السكة في الطريق الدائري، حازم عمال يرغي بحماس عن “الحاجات المتأخرة” اللي هيعملها في الشقة.