اتجوزت راجل أكبر مني بعشر سنين
اتجوزت راجل أكبر مني بعشر سنين، الكل كان بيقول عليه “مش طبيعي”، وده بعد ما بابا تقريبًا استخدمني كضمان عشان يسدد ديونه.
على مدار أسابيع استحملت التريقة ونظرات الشفقة، لحد ما جت ليلة دخلتنا.
قرب مني وقال لي: “أنتي مش مديونالي بأي حاجة”، ووقتهابس فهمت إن الوحش الحقيقي مكنش الشخص اللي الكل فاكره… بس أهلي كانوا لسه مخبيين خيانة أخيرة.
— أنتي هتتجوزي الأستاذ ياسين يا مريم. الموضوع انتهى خلاص. لو قلتي لا، بكرة الصبح هنكون مرميين في الشارع والشقة هتتاخد مننا.
أبوها معلاش صوته. مكنش محتاج يعليه.
طارق النجار بقاله أسابيع بيكتم على كشوف الحسابات والإيصالات المكسورة، بس في اليوم ده، في الشقة القديمة في مصر الجديدة، بطل يمثل.
مريم فضلت واقفة قدام المكتب، وربعة إيديها.
— مع مين؟
— مع ياسين الألفي.
الاسم نزل عليها زي المية التلج.
ياسين كان صاحب شركة لوجستيات كبيرة، وعنده كام مزرعة في طريق إسكندرية الصحراوي وخط إنتاج عصاير ومربى في الفيوم. كان عنده تمانية وتلاتين سنة، وسمعته كانت مجتمع الزمالك وجاردن سيتي بيدشدش فيها بقالهم سنين.
كانوا بيقولوا إنه بيكره الستات. إنه عمره ما اتعرف على واحدة أو كانت ليه حبيبة. إنه بيفضل يقضي الإجازات مع صاحبه شريف، مهندس ديكور أعزب وبيسافروا مع بعض على طول.
— أنت بتبيعني؟ — مريم سألت.
طارق نفخ بضيق.
— متعمليش دراما. ياسين هيسدد كل ديوني، وهيحمي الشقة، وغير كده أنتي هتعيشي مستورة ومأمنة طول حياتك.
— ديونك أنت.
— ديون العيلة.
مريم حست بغل، بس متفاجئتش. من صغرها وهي شايفاه بضيع الفلوس في مشاريع هبلة ورهانات تحت مسمى استثمار. وأمها، هدى، كانت دايماً تطلب منها تصبر.
وفي الليلة دي، أمها كانت أوحش وأوحش.
— بصي للجانب الإيجابي — قالت لها وهي بتطبق الهدوم على السرير — لو الكلام اللي بيتقال على ياسين صح، يمكن ما يقربلكيش اصلاً. هتاخدي اسم وعز وشقة ملك وحريتك.
مريم بصت لها بذهول.
— وده بالنسبة لك جوازة حلوة؟
هدى وُطت عينها.
— أحسن ما أشوف أبويكي محبوس في قضية أموال عامة وتزوير.
بعدها بتلت أيام، مريم قابلت ياسين في عزومة خاصة في التجمع.
كانت مستنية تشوف راجل مغرور وشايف نفسه. بدل كده، لقت واحد جاد، ساكت، تقريباً مش مرتاح وسط رجال الأعمال والستات اللي عمالين يبتسمولوا بزيادة.
لما عرفوا يقفوا لوحدهم شوية في التراس، ياسين دخل في الموضوع على طول.
— مش همثل عليكي وأقولك دي قصة حب. أنا عارف موضوع ديون والدك.
— يبقى عارف كمان إنك بتشتريني.
ياسين جز على سنانه.
— أنا بحل مشكلة مادية. مش بشتري بني آدمة.
مريم ضحكت ضحكة مكسورة.
— شكلها حلو وأنت بتقولها كده.
بص في عينها بثبات.
— لو وافقتي، هيكون ليكي حساباتك الخاصة، وقراراتك، ومحدش في بيتي هيؤمرك بحاجة. ولا حتى أنا.
ولأول مرة من ساعة ما أبوه أعلن عن الجوازة دي، مريم مكنتش عارفة ترد تقول إيه.
اتجوزوا بعد شهر في كتب كتاب صغير في المعادي. لا كان فيه مجلات ولا دوشة ولا معازيم بالهبل ولا فرح أسطوري.
طارق كان بيضحك وكأنه لسه مخلص أكبر صفقة في حياته.
في نفس اليوم بالليل، مريم وياسين سافروا على بيته الرئيسي، فيلا كبييييرة متجددة وسط المزارع على طريق إسكندرية الصحراوي.
أول ما وصلوا، ياسين وصلها لحد الأوضة اللي كانت متجهزة عشانها.
— أوضتي على الناحية التانية من الطابق — قالها — لو حابة تقفلي بالمفتاح، اقفلي.
مريم هزت رأسها، وهي لسه مش فاهمة الراجل ده، اللي لحد اللحظة دي بيتصرف بطريقة مختلفة تماماً عن كل اللي سمعته عنه.
بعدها بساعات، وهي لابسة قميص النوم، سمعت خبط خفيف تلات مرات على الباب.
كان ياسين.
من غير البليزر. من غير الكرافتة. ومن غير البرود اللي كان بيظهر بيه قدام الناس.
— محتاج أقولك حاجة قبل ما تبتدي تعيشي معايا وأنتي فاكرة كذبة.
مريم فتحت الباب أكتر شوية.
ياسين أخد نفس عميق.
— الإشاعات اللي طلعت عليا… مكنتش بالصدفة.
مريم حست بإحباط وخوف اتشدوا جواها فجأة.
كل الكلام اللي سمعته على مدار أسابيع رجع لعقلها مرة واحدة: التريقة، نظرات الشفقة، كلام أمها، والهدوء المريب بتاع أبوها وهو بيسلم مستقبلها عشان يمسح ديونه هو.
— تقصد إيه؟ — سألت.
ياسين رجع خطوة لورا بدل ما يقرب.
— الأول لازم تفهمي حاجة: أنتي مش مديونالي بأي حاجة. لا الليلة دي، ولا بكرة، ولا بعد سنة.
بعدها حط إيده في جيبه، طلع مفتاح أوضته هو، وحطه على الترابيزة اللي في الصالة بعيد عن مريم.
──────────────────────
مريم بصت للمفتاح اللي على الترابيزة وبعدها بصت لياسين.
— يبقى قول لي الحقيقة.
هو محاولش يدخل. فضل واقف برة العتبة، محترم المسافة اللي لسه واعدها بيها.
— الحقيقة إن الإشاعات دي كانت بتتغدى وتتكبر بالقصد — قالها — ممشيتش لوحدها كده، وأنا كنت عارف ده من قبل الفرح بكثير.
مريم حست إن الغل اتغير اتجاهه.
— وسبت الناس كلها تتكلم عليك بالمنظر ده؟
— اه.
الرد كان بسيط جداً لدرجة إنه لجلجها أكتر من أي شرح تاني.
ياسين شاور على المفتاح اللي حطه على الترابيزة.
— عشان كده كنت عايزك تفهمي دي الأول. هنا محدش هيجبرك تشاركي أوضة، ولا سرير، ولا حياة أنتي ممرتاحيش فيها ولا اخترتيهاش.
مريم افتكرت طارق وهو بيضحك في كتب الكتاب، وهدى وهي بتقولها إن الجوازة دي أرحم من إنها تشوف أبوها محبوس في قضية تزوير وأموال عامة.
— بابا كان عارف حاجة، صح؟
ياسين أخد كام ثانية قبل ما يرد.
— أبويكي كان عارف اللي يخليه يوافق على الجوازة دي لأسباب لسه مق/تلكيش عليها لحد دلوقت.
ساعتها مريم مسكت المفتاح من على الترابيزة، وبدل ما ترجعهوله، قفلت إيدها عليه جامد، وطلبت من ياسين يشرح لها إيه تاني اللي طارق كان مخبيه.
──────────────────────
الجزء الثالث:
ياسين قرب خطوة صغيرة، وسند بإيده على إطار الباب، ووشه بقى جاد جداً.
— أبوكي مكنش مديون لي أنا بس يا مريم… أبوكي كان بايع للشركاء بتوعه أصول مش ملكه أصلاً، وأوراق التزوير دي لو كانت اتفتحت، مكنش هو بس اللي هيتحبس، كان هيدخل معاكي أنتي وأمك في قضايا ومحاضر ملهاش أول من آخر.
مريم بلمت، وإيدها اتشنجت على المفتاح.
— إيه؟ يعني إيه يدخلنا إحنا؟
— يعني القروض والإيصالات اللي هو ماضيها، كان حاطط اسمك أنتي كضامن في نصها من غير ما تعرفي، وكاتب الشقة القديمة وورثك من جدك باسم شركاء تانيين. أنا لما دخلت واشتريت ديونه، مكنتش بسدد له هو… أنا كنت بشتري الأوراق اللي فيها توقيعك المزcollections عشان أعدمها.
الدم اتجمد في عروق مريم. كانت فاكرة إن أبوها ضحى بيها عشان ينقذ نفسه، بس اكتشفت إن الج/ريمة كانت أكبر؛ أبوها كان أوردي مضحّي بيها ولابسها في حيطة، وياسين هو اللي دخل ولمّ المصيبة قبل ما تنفجر في وشها.
— طب والإشاعات؟ — سألته بصوت بيترعش — ليه سبت الناس تقطع في فروتك؟ ليه خليت الكل يشوفك بالصورة دي؟
ياسين ابتسم ابتسامة مكسورة.
— عشان الإشاعات دي هي اللي كانت حامياني من طمع الناس اللي زي أبوكي، وعيلتك، وحتى الشركاء الكبار. لما فاكرين إن ماليش نقطة ضعف، ولا هسيب سليل ولا عيلة تورثني، مكنش حد بيفكر يضارب معايا أو يبتزني. بس لما عرفت اللي أبوكي بيعمله فيكي، كان لازم أتدخل.
مريم بصت للمفتاح اللي في إيدها، وبعدها بصت لياسين. التريقة، ونظرات الشفقة، وكلام أمها المسموم… كل ده اتقلب في لحظة. Monster story اللي كانت فاكراها كابوس طلعت هي حمايتها الوحيدة.
— وشريف؟ — سألته هادية.
— شريف صاحبي وأخويا، ومهندس الديكور اللي بيصمم لي كل مقرات الشغل والمزارع، ومراته وعياله عايشين معانا في نفس الصحراوي بس في الفيلا اللي جنبنا. سفرنا مع بعض كان شغل محض.
مريم أخدت نفس عميق، وخطت خطوة لبرة الأوضة، وقفت قدامه بالضبط.
— أنا مش هقفل الباب بالمفتاح يا ياسين… بس بشرط.
ياسين بص لها باهتمام:
— إيه هو؟
— بكرة الصبح، هنروح لطرق النجار… وأنا اللي هرد له كل اللي عمله.
ابتسم ياسين وقالها:
— وأنا معاكي في كل خطوة.
النهاية.