جوزي ضربني بالقلم وسط الفرح

أنا جوزي ضربني بالألم وسط الفرح كله لمجرد إنني سألته ليه أهله قاعدين ومكرمين وأمي وأبويا واقفين على رجليهم! أمه بصت لي بابتسامة شامتة وقالت لي: “عشان تتعلمي مقامك من أولها”.
​قدام عشرات المعازيم واللي واقفين يفرّجوا، عدّلت فستاني بكل هدوء، رفعت موبايلي من على الترابيزة وما ردتش غير بكلمة واحدة: “تمام أوي”.
​هم افتكروا إنني استسلمت وخضعت، وما كانوش يعرفوا مين اللي على وشك يدخل من الباب ويقلب الطاولة على دماغهم كلهم!
​الجزء الأول
​— “الناس دول شكلهم غلابة أوي وفقرا، ما ينفعش يقعدوا مع عيلتنا في نفس الصف!”
​قالتها حماتي وهي باصة لأمي وأبويا وبتضحك بمنتهى القسوة.
​قالت الكلام ده في أحسن يوم في حياتي.. يوم فرحي!
​وبعدها بدقايق معدودة، الراجل اللي كنت خلاص هكتب كتابي عليه وأكمل عمري معاه، ضربني بالألم قدام القاعة كلها لمجرد إنني تجرأت ودافعت عنهم.
​أنا اسمي مريم، عندي خردة وعشرين سنة، وطول العمر كنت فاكرة إنني عارفة الراجل اللي اخترته يبص لي ويسندني. اتخدعت فيه لأقصى درجة ممكنة.
​الفرح كان معمول في دار مناسبات وفندق كبير على طريق إسكندرية الصحراوي. كنا حجزنا القاعة الملكية، ورد أبيض في كل حته وديكورات فخمة جداً. أول ما دخلت ماسكة في إيد بابا، ما كانش أول حاجة لفتت نظري عريسي وهو مستنيني عند الكوشة..
​لأ.. شفت أمي وأبويا عمالين يدوروا على كرسي فاضي يقعدوا عليه!
​كل الكراسي اللي في الصفوف الأولى كان قاعد عليها قرايب شريف: أعمامه، ولاد عمته، أصحاب أمه، وحتى ناس أول مرة في حياتي أشوف وشوشهم!
​أمي، هدى، كانت لابسة فستان أزرق بسيط هادي جداً، كانت اختارته بذوق وعناية. وبابا، الأستاذ رفعت، كان لابس نفس البدلة الكحلي الشيك اللي حضر بيها تخرج أخويا.
​هم كان معاهم فلوس يشتروا أغلى وأفخم من كده بمراحل.. بس طول عمرهم ناس بسيطة وطبيعيين وما بيحبوش المنظرة ولا الفشخرة الفارغة.
​بس نجوى، أم شريف، كانت بتفسر البساطة دي على أنها فقر وقلة حيلة!
​لما واحدة من خالاتي طالبت بأسلوب هادي إنهم يفضوا كرسيين لأمي وأبويا، نجوى رمت الكلمة دي بدم بارد:
— “الناس دول شكلهم غلابة أوي وفقرا، ما ينفعش يقعدوا مع عيلتنا في نفس الصف!”
​شوية من قرايبهم ضحكوا بشماتة.
أمي وطت رأسها في الأرض بكسرة.
وبابا عمل نفسه ما سمعش عشان ما ينكدش عليا في يوم زي ده.
​حسيت بدمي بيغلي، وحاجة جوايا اتكسرت مية حتة.
سيبت إيد بابا ومشيته بخطوات سريعة ناحية نجوى:
— “أمي وأبويا مش هيقفوا! وحضرتك هتعذري وتعتذري لهم حالاً قدام الناس دي كلها!”
​شريف اتدحرج بسرعة ووقف في وشي:
— “مريم! بلاش شغل جنان وما تعمليش مشكلة من ولا حاجة!”
— “أنا ما بعملش مشاكل! أمك لسه مهينة أمي وأبويا قدام القاعة كلها!”
​نجوى ابتسمت ببرود:
— “يا حبيبتي اهدى كده.. اتعلمي تقبلي الهزار، مالك قفوشة ليه؟”
— “ده مش هزار!”
​ما لحقتش أطلع باقي الكلام من بؤي..
​شريف رفع إيده وفجأة.. طاخ! ضربني بالألم على وشي.
​صوت ضربة الكف يرن في القاعة كلها ويثبت الكل في أماكنهم.
محدش اتتحرك.
ولا أنا اتحركت.
خدّي كان بيلتهب نـار.
​شريف قرب مني ووشه للوش، وقال بصوت واطي ومن بين سنانه:
— “عشان تتعلمي من أول يوم وما ترفعيش صوتك ولا تقلي أدبك على أمي تاني!”
​في اللحظة دي، سمعت ضحكة خفيفة مكتومة.
وبعدها ضحكة تانية.
واحد من ولاد عم شريف رمى إفيه وسخ ما لحقتش ألقطه.
ونجوى عدلت العقد اللي في رقبتها وبصت لي بنظرة نصر ورضا، كأنها بتشوف مشهد تربية مستحق!
​أمي جرت عليا بلهفة وهي مرعوبة..
رفعت إيدي ليها عشان أوقفها وما تتدخلش.
ماعيّطتش.
ما صرختش.
ولا حتى رفعت إيدي ورديت له ضربة الكف.
​بكل هدوء، حطيت بوكيه الورد على أقرب ترابيزة، وخرجت من القاعة.
​شريف افتكر إنني رايحة أعيط وأندب حظي في حمام السيدات.
ونجوى افتكرت إنني هظبط الميك أب وأرجع أترجاهم يسامحوني وأبوس إيديهم.
​افتكروا كده لأنهم طول سنتين كاملين كانوا فاكريني بنت غلبانة على قد حالها، مالهاش ظهر ولا نفوذ، وميتة عشان تتجوز واحد من “عيلة نظيفة ومحترمة”.
​ما كانوش يعرفوا حاجة عن أخويا الكبير..
بالنسبة لهم، طارق كان مجرد رجل أعمال بسيط طول الوقت مسافر، وحتى ما لحقتش طيارته توصل على الفرح.
​دخلت الأوضة الصغيرة اللي كنت بجهز فيها، قفلت الباب ورايا وطلعت موبايلي.
خدّي كان أحمر وبيحرقني.
وإيديا بتتراعد من الغضب.
طلبت رقمه.
​طارق رد عليا من أول رنة:
— “إيه يا مريم؟ كتب الكتاب بدأ ولا إيه؟”
​اخدت نفس عميق بالعافية:
— “ما فيش كتب كتاب.. وما فيش فرح.”
​السكة سكتت خالص.
حكيت له كل حاجة.. اللي أمه قالته لأمي وأبويا.. والموقف.. والألم.
​لما خلصت كلامي، طارق ما صرخش.. وما زعقش.
وهو ده بالذات اللي رعبني.. هدوء طارق ده معناه كارثة.
​قال لي بصوت ثلج وثابت جداً:
— “مريم.. ما تمشيش من هناك.”
— “إيه؟!”
— “ارجعي القاعة.. ما تمضيش على أي ورقة.. وما تشربيش حتى بق مية من عندهم.. ومهم حصل، مثلي عليهم إنهم كسبوا وإنك خضعتي.”
— “طارق أنت بتقول إيه؟ أفهم!”
​سمعت صوت باب عربية بيتقفل بقوة:
— “أنا على الطريق الصحراوي وقريب جداً.. أربعين دقيقة وأكون عندك.. وبالمناسبة، أنا لسه مكتشف حالا إن عريسك المحترم ما كانش هيموت ويتجوزك عشان سواد عيونك.”
​حسيت بقلبي وقع في رجلي:
— “عرفت إيه؟”
​طارق سكت ثواني قبل ما يقول بصرامة:
— “لقوا الأرض بتاعة بابا اللي في الصعيد.. الأراضي اللي الدولة حاطة إيدها عليها طلعت فيها المتر بملايين.”
​وساعتها بس فهمت.. إن ضربة الألم دي ما كانتش إلا مجرد بداية!
رجعت القاعة ووشي متغطي بطبقة ميك أب تقيلة عشان تداري الزراق والألم، ومرسومة على وشي ابتسامة بالعافية. كتب الكتاب والطقوس كانت اتأجلت، وشريف قال للمعازيم إنني جالي “أزمة نفسية وتعبت شوية”، وأننا هنكمل الفرح والمقابلة على طول عقبال ما أهدى.
​الموقف ده كان كفيل يخليني ألم هدومي وأهرب من المكان فوراً.. بس كلام طارق أخويا كان بيرن في ودني زي الجرس: “لقوا الأرض بتاعة بابا”.
​عيلتنا من عشرات السنين كانت تملك قطعة أرض كبيرة جداً أكتر من تسعين فدان، على طريق إقليمي قريب من المحلة والمنطقة الصناعية. كانت ملك جدي ورسيت على بابا وأمي. طول عمرنا ما عشناش من خير الأرض دي ولا استغلينَاها.. بابا كان عنده ورشة صغيرة لتصليح المعدات الزراعية، وأمي ماسكة مكتبة أدوات مكتبية على قدها. بالنسبة لهم الأرض دي كانت مجرد ذكرى من ريحة الجد، مكان بنقضي فيه الويك إند وإحنا صغيرين.
​بس من كام شهر، شركات استثمار عقاري وتطوير صناعي بدأت تشتري الأراضي اللي هناك بأسعار خيالية عشان مشروع لوجستي وقومي كبير. إحنا ما بعناش ولا فكرنا نبيع.
​شريف كان عارف بوجود الأرض دي بالصدفة، لما شاف صور قديمة ليها في بيت بابا. أنا عمري ما جبت له سيرة هي تسوى كام، أساساً أنا نفسي ما كنتش أعرف رقم محدد.
​أول ما دخلت القاعة، شريف جيه عليا بجمود وبص على وشي والميك أب وقال:
— “كده أحسن بكتير.. ما كانش له أي لازمة الشو والفضايح اللي عملتيها جوه.”
​غطست ضوافري في إيدي بأقصى قوة عشان أتمالك نفسي وما أضربهوش:
— “أنا كل اللي عايزاه إن الليلة دي تعدي من غير مشاكل تانية.”
​ابتسم بنصر وشماتة:
— “هو ده الكلام الصdoc.”
وحط إيده على وسطي.
​على بعد كذا متر، نجوى حماتي رفعت كاس الشربات في وشي وهي طايرة من الفرحة ومبسوطة.
​لمدة أربعين دقيقة كاملة، مثلت أجدع تمثيلية في حياتي!
مثلت إنني بتمشي وبسمع التهانيب والتباريك، مثلت إنني ببتسم للكاميرا والمصورين، ومثلت إنني مش شايفة أمي وأبويا اللي كانوا واقفين ورا عمود في القاعة، مكسورين ومجهورين من جوه. بابا حاول يقرب مني بس شاورت له بدماغي من بعيد بـ “لأ”.. كنت واثقة في طارق، وطارق عمره ما يطلب مني وقت إلا لو وراه مصيبة هيحلها.
​بعدها بشوية، ظهر مصطفى، الأخ الأصغر لشريف، وفي إيده فايل كرتون أنيق.
— “استغلي الفرصة يا شريف وخليها تمضي على الفايل ده النهاردة بالمرة.”
​شريف مسك الفايل وحطه قدامي على الترابيزة بكل جهجهونية:
— “دي ورق أصول وممتلكات، إجراء شكلي يعني.”
​جسمي قشعر وسريت فيا برودة:
— “ورق إيه ده؟”
​نجوى قربت وهي ماسكة كاس الشربات:
— “حاجة بسيطة يا حبيبتي.. أنتِ خلاص بقيتي فرد من العيلة، وما فيش أسرار بين العيلات وبعضها.”
​فتحت الفايل.. ما كانش مجرد “إجراء شكلي”!
كان فيه توكيل رسمي وقضايا إدارة وتمثيل، وعقد تنازل وتفويض لشريف إنه يمثلني في أي بيع أو شراء تخص أصولي، وبند خاص بـ “حقوق إرث مستقبلية”! وفي المرفقات.. وصف تفصيلي لأرض بابا بتاعة الصعيد والمنطقة الصناعية!
​رفعت عيني فيه وشخطت:
— “إيه اللي جاب أرض بابا وأمي في الورق ده؟!”
​ابتسامة شريف اختفت:
— “عشان الأرض دي في الآخر هتبقى بتاعتك وتؤول ليكي.”
— “ومين قال لك إنها بتاعتي؟! ومين إداك الحق ده؟”
— “مريم.. بلاش حركة العباطة دي وما تصعبيش الأمور.”
​نجوى ضحكت ضحكة مستفزة:
— “أصل بصراحة يا حبيبتي، أهلك ناس غلابة ومش بتوع بيزنس ولا عارفين قيمة اللي في إيديهم.. إنما إحنا بنفهم في السوق ونعرف نطلع منها ملايين.”
​في اللحظة دي.. الصورة كملت في دماغي!
هم ما كانوش عايزين يسيطروا عليا مجرد سيطرة وخلاص.. هم كانوا دارسين عيلتي وباحثين ورايا حتة حتة!
​سألت بصوت ثابت:
— “هي الأرض دي تسوى كام؟”
​مصطفى بص لشريف، ونجوى ردت بسرعة:
— “يعني.. مش المبالغ الضخمة اللي أهلك فاكرينها.”
​كانت بتكدب.. وعرفت ده من زرقة عينها ولخبطتها.
​موبايلي اتهز جوه الشنطة الصغيرة. فتحت الشاشة لقيت رسالة من طارق:
“إياكي تمضي على ورقة واحدة! أنا تأكدت من الأوراق دلوقتي.. الأرض دي التقييم المبدئي بتاعها يدخل في أكتر من 200 مليون جنيه عشان الموقع الجديد!”
​إيدي اتجمدت والموبايل كان هيقع مني.. أربعمية مليون؟!
​شريف كان بقاله سنتين بيعمل عليا بطل، وشايفني البنت الفقيرة اللي اتشرفت بيهم، وهو في الحقيقة كان بينبش ورا أرض هتعدل مائل عيلته كلها!
​لأن دي الحقيقة التانية اللي طارق اكتشفها..
شركات المعمار والمقاولات بتاعة عيلة شريف كانت بتفلس وغرقانة في الديون لحد شوشتها! العربيات الموديل السنة، وسفريات أوروبا، وفيلتهم اللي في التجمع، والحفلات والمنظرة.. كل ده كان مجرد واجهة دهان وراها ديون بالهبل!
​وقبل 8 شهور، الصندوق العقاري الوحيد اللي وافق يمولهم وينقذهم من الحبس والسجن كان شركة “كابيتال جروث”..
اللي هي ملك أخويا طارق!
​شريف ما كانش يعرف.. ولا أمه تعرف!
طارق طول عمره بيحب يشتغل في الصمت ومن تحت لتحت، والصفقة دي تمت عن طريق إدارة القروض والمستشارين بتوعه من غير ما هو ينزل بنفسه أو يعرف أصحاب الشركة بالاسم.. لحد النهاردة العصر!
​شريف حط القلم في إيدي وقال بجمود:
— “امضي يلا.. عشان نلحق نكمل الفرح ونرقص.”
— “ولو مش عايزة أمضي؟”
​وشه اتغير تماماً، وقرب مني بتهديد ووطى صوته:
— “بعد الفضيحة والحركة اللي عملتيها في القاعة جوه، أنتِ مش في موقف يسمح لك تتشرطي أو تعملي مشاكل!”
​ونجوى تهمس من الناحية التانية:
— “المفروض تحمدي ربنا إن عيلة زي عيلتنا قبلت بيكي أساساً!”
​وفجأة.. أبواب القاعة الرئيسية الخشبية الضخمة اتفتحت على أخرها بصوت هز المكان!
​كل الناس في القاعة لفتت رؤوسها ورا..
دخل أخويا طارق.. وجنبه اثنين محاميين بهيبة، وست أنيقة جداً عرفتها إنها المديـرة المالية لشركة طارق، ومعاهم مأذون وموثق شهر عقاري!
​حواجب شريف اتعقدت باستغراب.
ونجوى وشها اصفرّ واختفت منه الدموية.
​بس طارق ما بصش عليهم في الأول..
بص على خدّي والألم اللي متداري بالميك أب..
وبعدين بص على الفايل المفتوح قدامي على الترابيزة..
وملامح وشها تحولت لكتلة من الثلج والنار في نفس الوقت!
​قرب بخطوات هادية وواثقة وقفت القاعة كلها على حيلها، وقال بصوت هز الأركان:
​— “تمام أوي.. واضح إنني وصلت في الوقت المناسب قبل ما تعملوا آخر غلطة في حياتكم!”
الجزء الثالث والأخير
​ساد الصمت في القاعة كلها. الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو خطوتين طارق الواثقة وهو يقرب من الترابيزة.
​شريف وقف بغضب، وحاول يسترد هيبته قدام قرايبه المعازيم:
— “أنت مين يا جدع أنت؟ ودخلت هنا إزاي بالطريقة دي؟”
​طارق ما ردش عليه.. ما ادالوش حتى قيمة إنه يبص في وشه. قرب مني، حط إيده على كتفي بمنتهى الحنان، وبص على خدّي المحمرّ. عينيه كانت بتلمع بغضب مكتوم، بس صوته كان أهدى من الهدوء نفسه وهو بيكلمني:
— “وجعك يا مريم؟”
— “كنت مستنياك يا طارق.”
​ابتسم لي ابتسامة صغيرة تطمن، وبعدين رفع الفايل اللي كان مفتوح قدامي، قراه في ثواني، وقطعه نصين ورماه في وش شريف!
​نجوى شهقت بصوت عالي:
— “أنت جنيت يا جدع أنت؟! أنت عارف أنت بتكلم مين وتخص مين؟!”
​هنا طارق التفت لها، وبص لها بنظرة خلتها ترجع خطوة لورا بالرغم عنها.
​— “أنا عارف كويس أوي بكلم مين.. بكلم عيلة ‘الرملي’ للمقاولات.. أو بمعنى أصح، العيلة اللي مديونة لشوشتها وبقالها سنتين بتشحت تمويلات عشان ما يترفعش عليها قضايا إفلاس وتدخل السجن!”
​القاعة كلها بدأت تتهامس. شريف وشه اتغير وجمع شفايفه برعب:
— “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ أنت تعرف إيه عن شغلنا؟”
​طارق شاور للست الأنيقة اللي داخلة معاه، وقالت بصوت عملي وواضح سمع الكل:
— “استاذ شريف.. الأستاذ طارق هو رئيس مجلس إدارة مجموعة ‘كابيتال جروث’.. الممول الرئيسي لشركتكم، والمالك للكمبيالات والشيكات اللي معتمدة عليها كل مشروعاتكم المتوقفة.”
​الكلمات نزلت كالصاعقة على نجوى وشريف وأخوه مصطفى.
وش نجوى بقى شاحب زي الأموات، وشريف أيده بدأت ترتعش بشكل ملحوظ.
​طارق كمل وهو بيحط إيده في جيبه ببرود تام:
— “أنا لما وافقت أسيّل لكم قرض بـ 80 مليون سنة اللي فاتت، كان ده بضمان أصول عيلتكم والفيلل بتاعتكم. والنهارده الصبح، المحامين بتوعي اكتشفوا إنكم متأخرين عن سداد آخر 4 أقساط.. وده معناه قانوناً إن القرض كله حلّ أجله للتحصيل الفوري!”
​شريف بلع ريقه بالعافية وحاول يلطف الجو وهو بيبص لي بطلب استغاثة:
— “يا طارق بيه.. أهلاً بحضرتك، إحنا ما كناش نعرف إنك أخو مريم! الموضوع بسيط، إحنا خلاص بقينا عيلة واحدة والأمور دي تتحل بيننا وبين بعض بالود…”
​طارق ضحك ضحكة قاسية، وقرب من وش شريف لدرجة إن شريف رجع بظهره:
— “عيلة؟! أنت فاكر بعد ما مديت إيدك على أختي، وحاولت تهين أمي وأبويا في القاعة، وتسلب حقهم.. إنك ممكن تدخل عيلتنا؟”
​التفت طارق للمستشار القانوني اللي معاه:
— “أستاذ حازم.. ابدأ إجراءات الحجز التحفظي فوراً على كل أصول شركة الرملي، وعلى فيلا التجمع والعربيات. ومن بكرة الصبح، الشيكات اللي بدون رصيد تتقدم للنيابة.”
​نجوى صرخت بصوت هيستيري:
— “أنت بتخرب بيتنا؟! عشان كلمة اتقالت في لحظة غضب؟! مريم.. قولي لأخوكي حاجة! أنتِ هترضي بخراب بيت جوزك؟!”
​بصيت لنجوى بمنتهى الثبات والبرود، وجمعت بواقي كرامتي اللي حاولوا يدوسوا عليها:
— “أولاً.. ده مش جوزي، إحنا ما كتبناش الكتاب. ثانياً.. أنتم اللي اخترتم تلعبوا لعبة أكبر منكم، ودلوقتي جه وقت الدفع.”
​أبويا وأمي قربوا في اللحظة دي.. طارق باس رأس أبويا وإيد أمي قدام القاعة كلها، وقال بصوت عالي وواضح للمعازيم اللي كانوا واقفين مصدومين:
— “أبويا وأمي دول سيدكم وسيد بلدكم.. ناس أصلها طيب وشبعانين من بيت أهاليهم، مش محتاجين يفشخروا بعربيات وفيلل متأجرة بالديون!”
​شريف انهار ووقع على الركبة، وحاول يمسك في إيد طارق:
— “أبوس إيدك يا طارق بيه.. المستقبل هيضيع، الشركة لو اتقفلت إحنا هنروح السجن! مريم.. سامحيني، أنا أسف والله كانت لحظة شيطان!”
​أنا ما حسيتش بأي شفقة ناحيته.. افتكرت قلم ضربته ليا، وافتكرت كسرة عين أمي لما قالوا عليها “فقيرة ما تنفعش تقعد في الصف الأول”.
​مسكت بوكيه الورد اللي كان في إيدي، ورميته تحت رجل شريف ونجوى.
​— “الدرس اللي كنتوا عايزين تعلموهولي.. أنتم اللي اتعلمتوه النهارده.. إن القرش يروح ويجي، بس الأصل والكرامة لو راحوا.. ما بيرجعوش.”
​لفيت ظهري، مسكت إيد بابا وإيد أمي، وخرجنا من القاعة وإحنا مرفوعين الرأس، وورايا صوت صريخ نجوى وهي بتتخانق مع ابنها، وتوسلات شريف للمحامين اللي بدأوا يحرروا محاضرهم في نفس اللحظة.
​بعد ست أشهر..
أرض بابا اتفتحت فيها أكبر منطقة لوجستية وتجارية في المحافظة، وعيلتنا عاشت في خيرها بكرامة وراحة بال من غير ما نتغير ولا ننسى أصلنا.
​أما شريف وعيلته.. فتم الحجز على كل ممتلكاتهم لوفاء الديون، وشريف قضى فترة في السجن بسبب الشيكات اللي مالهاش رصيد، ونجوى سابت فيلتها وقعدت في شقة إيجار صغيرة.. بعد ما عرفت فعلاً “مين اللي اتعلم مقامه بالظبط”.
​خرجت من التجربة دي بدرس واحد علمته لنفسي: إياكي تتنازلي عن كرامتك أو تسكتي عن إهانة أهلك عشان ترضي حد.. لأن اللي ما يعملش حساب لأصلك، ما يستاهلش يعيش معاكي مستقبلك.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *