بيتي
العامل بص للأرض وفجأة بقى مهتم جدًا بأربطة العفش اللي في إيده.
شاهيناز ربعت إيدها:
“طب وحضرتك متوقعة مننا نعمل إيه دلوقتي؟ احنا سيبنا شقتنا خلاص!”
كنت هضحك والله!
مفيش أي نبرة اعتذار في سؤالها.. مفيش كسوف.. مجرد ترتيبات وتخطيط!
أبويا دخل في الكلام بسرعة:
“هو ده اللي كنت بحاول اقولهولك يا منى.. هما في موقف صعب دلوقتي.”
”عشان نقلوا في بيت عمرهم ما ما وقعوا على عقد إيجاره حتى!”
”هما افتكروا—”
”أيوة.. افتكروا.”
كريم حك قفاه بقلة حيلة:
“خلاص يا جماعة.. واضح إن الموضوع اتلخبط مننا. بس ممكن نلاقي حل وسط نقعد هنا كام أسبوع عقبال ما نتصرف.”
أهو جاء.. الحل المريح اللي بيحبوه!
النقطة اللي فيها الافتراض العبيط بتاعهم بيتحول فجأة لـ “مسؤوليتي أنا”، عشان تصحيحه هيبقى محرج ليهم!
شاهيناز هزت رأسها بسرعة:
“بالظبط! احنا خلاص نقلنا العفش، والعيال هتبدأ مدارس قريبة.. وممكن ندفعلك مبلغ مشاركة يعني.”
”قصدك تدفعولي إيجار في بيتي؟”
بوزها اتلوي:
“ما تقوليه الش بأسلوبك الرخيص ده!”
”أمال عاوزاني أقولها إزاي؟”
أمي قربت مني:
“يا منى يا حبيبتي، العيلة مش المفروض تتكلم بلغة المؤجر والمستأجر دي.”
”أنا موافقة جدًا على فكرة.”
أمي ارتاحت ثانية..
”عشان كده هما مش هيكونوا سكان عندي أساساً.”
راحة أمي تبخرت في لحظة.
كريم بصل بذهول:
“انتي بتطردينا؟”
”أنا بقولك إن البيت ده عمره ما كان بتاعكم.”
وش شاهيناز احمر من الغيظ:
“شيء لا يصدق!”
”لا، اللي لا يصدق فعلاً إن محدش فيكم كلف نفسه يطلب يشوف عقد، ولا ورقة استلام، ولا مفتاح، ولا أي منيل!”
كريم كتافه نزلت وهو مكسور:
“أنا افتكرت بابا وماما بيساعدونا…”
أمي بصتله بقلة حيلة:
“احنا كنا هنساعدكم بمبلغ مقدم الإيجار والشهرين التامين.. كنا محضرين لكم حوالي 200 ألف جنيه.”
شاهيناز بصتلها بذهول:
“200 ألف بس؟”
”أيوة.”
”وانتي سبتيني افتكر إنكم اشتريتولنا البيت ده كله؟!”
وش أمي تحول للدفاع عن نفسها بغضب:
“أنا ماسبتكيش تفتكري حاجة!”
أبويا أخيراً نطق بصوت عالي:
“لا يا ليندا، سبتيها تفتكر!.. احنا الاتنين سيبناها تفتكر وتعيش الوهم!”
أمي لفتله:
“يعني كنت عاوزني أعمل إيه قدام العيال؟ أكسر بخاطرهم وأحرجهم؟”
حسيت بحاجة جوة قلبي بتثبت وتهدأ تماماً.
دي كانت النقطة الفاصلة في الهبل ده كله.
عشان ولأول مرة النهاردة، أبويا بطل يحمي “راحة الوهم” اللي هما عايشين فيه.
بص لكريم وقال:
“احنا كنا عارفين من امبارح إن فيه حاجة غلط.. أمك قالتلي إن شاهيناز عمالة تقول ده بيتنا الجديد، وأنا قلتلها نعرفهم الحقيقة قبل ما عربية النقل تتحرك.”
عين أمي اتوسعت:
“محمود!”
”لا يا ليندا.. منى ليها حق تعرف الحقيقة.. احنا كنا عارفين.”
وش كريم اتغير تماماً:
“كنتوا عارفين؟!”
أبويا هز رأسه:
“كنا عارفين إنك ما اتأكدتش من أي ورقة.”
شاهيناز بصت لأبويا وأمي بالتبادل:
“وجيتوا معانا هنا عشان تساعدونا ننقل برضه؟!”
أبويا جز على سنانه:
“أيوة.”
الرد ده نزل عليهم أتقل مما كنت متوقعة.
مش لأنه عذر حد..
لكن لأنه كشف اللعبة كلها قدام الكل في نفس اللحظة.
أهلي كانوا عارفين إن الدنيا بايظة، وبرضه مشيوا في السكة، عشان كلمة “لا” لكريم وشاهيناز كانت أصعب عليهم من إنهم يطلبوا مني أنا أشيل الشيلة وأتحمل الصدمة بعدين!
واحد من عمال النقل قرب من كريم بالراحة:
“يا بيه.. قبل ما نطلع بقية الحجة، تحبوا نوقف ولا نكمل؟”
كريم غمض عينه.
شاهيناز زعقت: ” كملوا!”
أنا قلت بثبات: “نزلوا كل حاجة ونظفوا المكان.”
العامل بص بيننا.
شاهيناز شاورت على العربية بره:
“احنا اللي دافعين فلوس النقل!”
”وأنا اللي بملك البيت والملك لله.”
العامل هز رأسه ليا وقال:
“يبقى نوقف وننزل العفش.”
كانت حركة صغيرة، بس شفت تأثيرها على وش شاهيناز.
ولأول مرة طول اليوم، حد غريب يعيد تقييم “مين اللي صاحب الكلمة بجد” في المكان.
شريط القياس اتلم من على الحيطة..
الراجل اللي كان شايل كرتونة لف ورجع بيها..
والكنبة اللي كانت محشورة في الطابق وقفت في مكانها.
شاهيناز بصتلي وكأني جردتها من كل حاجة قدام الناس:
“انتي كنتِ مرتبة لكل ده!”
”أنا كنت مرتبة إني أنقل في بيتي.”
”سيبتينا نشيل ونحط وننقل!”
”أنا سألتكم مين اللي دفع ثمن البيت، انتوا اللي ضحكتم واستخفيتم بيا.”
كريم كان شكله يرثى له وقال بصوت واطي:
“هي سألت فعلاً…”
شاهيناز اتنطرت فيه:
“انت مع مين بالظبط؟!”
بص للأرض: “الموضوع مش موضوع مع مين ضد مين…”
”لا هو كده بالظبط!”
مسكت الدوسيه الأسود تاني وقعدت تقلب فيه بسرعة وكأن في صفحة مستخبية هتنقذها!
العقد عليه اسمي الثلاثي. إيصال البنك عليه حسابي. الشهر العقاري مسجل باسم مالك واحد. ومفيش أي مساحة للشك أو التزوير.
أمي قعدت على كرسي من كراسي المطبخ:
“احنا ممكن نصلح الموضوع ده من غير ما نخرب العيلة ونقطع في بعض.”
بصتلها: “نصلح إيه؟”
”كل اللخبطة دي.”
”قصدك نرجع نريحكم تاني على حسابي؟”
عينيها اتملت دموع:
“انتي ليه قاسية وجاحدة كده؟”
الكلمة دي خبطت في جرح قديم اوي عندي.
“قاسية”.
دي الكلمة اللي كنت بتمسح بيها كل ما أرفض أحول نجاحي وتصرفاتي لعطاء ومقايضة.
كريم ممكن ينسى يدفع فواتير فيحتاج مساعدة.. شاهيناز ممكن تتغشم فتاحتاج تفهم.. أهلي ممكن يهربوا من المواجهة فيحتاجوا غفران..
بس لما أنا أحط حدود لنفسي.. أبقى “قاسية وشريرة”!
مسكت الدوسيه الأسود وقفلته:
“أنا مش قاسية.. أنا بس بطلت أكون باب الطوارئ للقرارات الغبية اللي ما شاركتش فيها.”
محدش كان عنده رد.
بعدين كريم عمل حاجة ما كنتش متوقعتها.
حط الأبجورة اللي في إيده على الأرض بالراحة.
“هي عندها حق.”
شاهيناز بصتله بذهول:
“إيه؟!”
مسح وشه بإيديه الاتنين:
“أنا اللي كان المفروض أتأكد.. أنا اللي كان المفروض أطلب أوراق.. أنا كنت عاوز أصدق إن الموضوع بجد، عشان كده ما سألتش.”
”انت بترمى اللوم عليا دلوقتي؟!”
”لا.. أنا بلم نفسي أنا.”
الجو في الأوضة اتغير تاني.
أمي بصتله بنفس الوش المذهول اللي بصت بيه لما عرفت إن اسمي على العقد.
كريم لفلي وقال:
“أنا أسف يا منى.”
ما كانتش كلمة درامية..
ما عملش خطبة عصماء..
بس كانت أول جملة تتقال طول الصبح ما بتطلبش مني أشيل حاجة عن حد!
هزيت رأسي: “شكراً يا كريم.”
شاهيناز ضحكت ضحكة سخيفة ومن غير أي أمل:
“عظيم! بقيت أنا الشرير القصة دلوقتي!”
”محدش قال كده.”
”مش لازم تقولوا!”