بيتي
فضلنا للمطبخ بالكامل جو هادي ومريب حوالينا.
عمال النقل كانوا لسه نازلين طالعين على السلم، صوت دبّهم على الخشب مالى المكان. بره في الجنينة حد كان بيضحك، وصوت بكرة السوليتيب وهي بتتقطع بشدة رنّ في البيت كله.
بس جوه المطبخ ده بالذات… محدش كان بيتحرك.
شاهيناز قرت الصفحة الأولى تاني.
بعدين التانية.
وبعدين رفعت عينها وبصتلي.
”إيه ده؟”
صوتها فقد كل النبرة العالية واللي فيها ثقة وأمر اللي كانت بتتكلم بيها طول الصبح.
سندت بضهري على الرخامة وبصتلها.
“انتي قوليلي.”
كريم قرب خطوة ووطى صوته وهو بيسألني:
“منى… هو اسمك مكتوب هنا؟”
”أيوة.”
أمي كشرت وشها وكأن الورق ده شتمها!
“يعني إيه اسمك؟”
”يعني أنا اللي اشتريت البيت.”
محدش نطق بحرف.
شاهيناز عينها طارت تاني للورق وبتفر فيه بذهول:
“لا… الكلام ده مش منطقي! فيه حاجة غلط!”
”بالعکس، منطقي جداً.”
”بس طنط قالتلي إن—”
أمي قطعت كلامها بسرعة ودخلت في النص:
“أنا عمر ما قلت إن منى اشترته لنفسها!”
بصيت لأمي ونطقت ببرود:
“جملة عبقرية صراحة.”
أبويا غمض عينه نص ثانية وخبى وشو.
شاهيناز لفت لأمي وبقت بتكلمها بانفعال:
“حضرتك اللي قلتيلي إن كل حاجة اتقضت ومترتبة!”
”أنا قلت هنساعدكم تستقروا في شقة قريبة هنا!”
”انتي بعتيلي العنوان بنفسك على الواتساب!”
”أنا بعت العنوان لكريم عشان كنا متفقين نتقابل هنا!”
كريم رفع رأسه أخيراً وبص لأمي:
“انتي ما قلتيش البيت ده بتاع مين يا بابا!”
أبويا دندن بصوت واطي وقال:
“عشان ساعتها كلكم كنتم هيصتم وهيصتم وهيصتم والكل كان مبسوط…”
فضلت بصلهم وساكتة.
أهو ده بقى.
مش تزوير، ولا مؤامرة شريرة.. مجرد “طبع العيلة” لما يوصل لأخره: كريم عاوز حاجة، شاهيناز تفترض إن الحاجة دي بقت ملكهم خلاص، وأهلي يشوفوا سوء التفاهم بيجبرك ويكبر، ومحدش فيهم عاوز يطلع في الصورة إنه الشرير اللي هيزعلهم ويصدمهم!
فقرروا كلهم إن الواقع والحقيقة ممكن يستنوا عادي… ويتحرق الواقع!
شاهيناز رمت الدوسيه الأسود على الرخامة بعنف:
“وانتي تشتري بيت بمليون دولار وماتقوليش لعيلتك ليه أساساً؟!”
نبرة الاتهام في صوتها كانت واضحة ومباشرة لدرجة إن واحد من عمال النقل اللي كان معدي في الطابق وقف في مكانه.
مش عشان هي مكسوفة إنها مقفوشة بتبلطج على بيتي..
لا، عشان “سريتي” دي هي اللي بقت المشكلة الجري\مة في نظرهم دلوقتي!
قلتلها بثبات:
“ما قلتلكوش، عشان ده اللي بيحصل بالظبط كل ما بقولكم أي حاجة في حياتي.”
”أوه، أرجوكي بلاش دور الضحية ده!”
”لا تعالوا نحسبها صح.”
كريم وشه اتخطف:
“منى—”
”لما اترقيت، بابا حذرني من الطموح والشغل. لما انت خدت شهادة المبيعات، بابا وماما عملوا عزومة. لما سددت أقساط شقتي، شاهيناز سألتني الفلوس اللي وفرتها دي هتسند معانا بكام في مصيف العيلة! كل إنجاز بعمله يا إما بيبقى ‘كتير عليا’، يا إما بيبقى ‘من حقكم تاخدوه’.”
أمي بصتلي بقلة حيلة وكأنها اتجرحت:
“الكلام ده مش عدل يا منى!”
شاورت بإيدي على الريسيبشن، المكان اللي كان خال شاهيناز بيحاول يزق فيه كنب انتريه ضخم من الباب، في بيت أنا مالكاه بقالي أقل من أسبوع:
“إنتوا واقفين جوه الدليل أهو.”