قعدت سنة أتعلم لغة الصعيد عشان أعمل مفاجأة لخطيبي وعيلته.

​لما مريم اتخرّجت، جيه ومعاه بوكيه ورد كبير.

​ولما طلب إيديها للجواز، أكد ليها:

​—عايزك تفضلي مرتاحة وما تضطريش تحلي حاجة لوحدك تاني أبداً.

​كانت فاهمة إنها لقطت الراجل المثالي.

​كانت فيه علامات صغيرة بتظهر من وقت لثاني.

​كريم مكنش بيحب إنها تسهر بالليل مع أصحابها. وبرضه مكنش بيحب إنها تقبل شغل جديد هيخليهل تسافر.

​بس لما مريم كانت بتواجهه، كان بيرجع في كلامه بسرعة.

​—عندك حق يا حبيبتي. أنا مش المفروض أقرر بدالك.

​وعشان كده وافق يسافروا استراحة العيلة قبل الفرح.

​العيلة كانت امتلكت أراضي ومزارع في منطقة جبلية في إقليم الفيوم. كريم أكد لها إنهم هيقعدوا هناك شهر واحد بس ويرجعوا عشان يخلصوا تجهيزات الفرح.

​مريم كان عندها فعلاً إنترفاิว شغل مستنيها أول ما ترجع.

​لكن دلوقتي، هي كانت سامعة حاجة مختلفة تماماً.

​هشام اتكلم تاني:

​—أنا مش عايز أنتهي زي ليلى.

​كريم رد ببرود ملوش تفسير:

​—ليلى هي اللي غلطت عشان قاومت كتير.

​مريم بطلت تتنفس لثانية واحدة.

​مين ليلى دي؟

​وإيه اللي حصل لها؟

​كريم لف ووشه ليها وهو بيبتسم.

​—ساكتة خالص يا حبيبتي. كل حاجة تمام؟

​مريم جمعت كل قوتها اللي باقية:

​—آه، أنا بس تعبانة شوية.

​حط إيده على إيدها بحنان.

​—ارتاحي. هنوصل البيت قريب.

​بس لما العربية عدت من بوابة حديدية ضخمة وعالية، مريم شافت حارسين بيقفلوا البوابات وراهم بكل قوة.

​وبعدين سمعت هشام بيغمغم بصوت واطي:

​—الحاج خلاص أدى التعليمات. المرة دي مش هنسمح لواحدة تانية تهرب.
​الجزء الثاني
​خلال أول كام يوم، مريم حاولت تقنع نفسها إنها فهمت الكلام غلط. استراحة العيلة في إقليم الفيوم كانت حلوة جداً؛ جدران حجر، جناين واسعة، ومظهر الجبل يقطع النفس.
​الحاجة فاطمة، أم كريم، استقبلتها بالحضن أول ما وصلت. أما الحاج عثمان، كَبِير العيلة وأبو كريم، فكان راجل عنده 68 سنة ومكانش بيضحك إلا فين وفين.
​—إحنا هنا بنحترم الأصول والعادات جداً —قالها مريم على السفرة في أول عشا.
​ردت مريم بأدب وذوق، بس بسرعة جداً اكتشفت يعني إيه “الأصول والعادات” عندهم.
​لما حبت تنزل وسط البلد تشتري حاجة لوحدها، الحاجة فاطمة نادت السواق فوراً:
—بنات العيلة المحترمة ما يمشوش في الشوارع كده لوحدهم من غير مرافق.
​ولما لبست بلوزة كت من غير أكمام، كريم طلب منها بأسلوب ناعم تلبس شال فوقيها.
​وف عز عزومة عيلة، الحاج عثمان قال بلغة الصعيد القديمة:
—الست الصح بيتها وعيالها هما شغلها الشاغل، غير كده دلع وموش لازمة.
​كريم رد عليه بضيق ظاهر:
—يا حاج، إحنا لسه ما اتجوزناش اصلاً.
​—عشان كده لازم تعودها وتعرفها الأصول من دلوقتي.
​مريم فضلت ساكتة وما ردتش كلمة.
​في يوم بعد العصر، اتعرفت على ليلى. ست عندها حوالي 40 سنة، عايشة مع جوزها وابنها المراهق في بيت جوه المزرعة تبع العيلة. ليلى كانت أصلاً من إسكندرية.
​على العشا، مريم سألتها بكل حسن نية:
—إنتِ بتسافري تزوري أهلك في إسكندرية كتير؟
​جوزها هو اللي رد بدالها على طول:
—هي هنا مش ناقصها أي حاجة من الدنيا.
​ليلى وُطّت عينها في الأرض على طول.
​بعدها بشوية، لما اتجمعوا لوحدهم في المطبخ، ليلى سألتها سؤال غريب ومباغت:
—إنتِ هترجعي القاهرة إمتى؟
​—كمان ثلاث أسابيع.
​ليلى بصت ناحية الباب بقلق، وقالت:
—أنا كمان كنت جاية أقعد شهر واحد بس.
​—وإيه اللي حصل؟
​دموع ليلى نزلت من غير ما تحس:
—بقالي هنا 16 سنة.
​صوت رجلين قربت، فليلى جريت وبعدت بسرعة قبل ما تشرح أي حاجة.
​تاني يوم، مريم راحت تدور عليها تاني، ولقيتها واقفة جنب الجنينة بتراقب العيال وهما بيلعبوا.
​—أنا محتاجة أفهم قصدك إيه بالكلام ده؟
​ليلى سكتت كام ثانية، وبعدين قالت بصوت واطي:
—لما عرفت جوزي زمان، كان نسخة من كريم.. كان ديماً يقولي عايز أحميكي وأحافظ عليكي.. بعد كده بدأ يقرر اشتغل فين، وأكلم مين، وأزور أهلي إمتى.
​—وما حاولتيش تمشي وتسبيه خالص؟
​صوتها بدأ يترعش:
—كتير.. بس في الأول أقنعوني أقعد لحد الفرح، وبعدها لحد ما أخلف.. ولما قررت أمشي بجد وكنت مصرة، جوزي هددني إنه ياخد مني الولد ومشوفوش تاني.. ما كانش معايا شغل، ولا فلوسي تعيشني، وكل أوراقي وبطاقتي كانوا تحت إيده.
​مريم حست بغثيان وبطنها تقلت.
​—كريم عارف كل ده؟
​—كريم كبر وهو شايف المهزلة دي بتحصل قدام عينه.
​ليلى مسكت إيد مريم بالراحة ومن غير ما حد يلاحظ:
—اسمعيني كويس.. إياكي تسيبي بطاقتك أو أوراقك لحديد، شيلي فلوسك معاكي، وما تسمحيش لأي حد يغير حجز سفرك.
​في نفس الليلة، مريم فتحت الموبايل وتأكدت من حجز قطر الرجوع، وكان لسه على نفس الميعاد. بس لما قالت إنها عايزة تقضي ليلتين في لوكاندا في وسط البلد هناك، السواق رفض يوصلها من غير إذن كريم.
​طلبت كريم أ Uber، ولما العربية وصلت عند البوابة الرئيسية، الأمن رفضوا يفتحوا الباب.
​—افتحوا البوابة لو سمحتوا! —مريم زعقت.
​—عندنا تعليمات من الحاج عثمان شخصياً، ما حدش يخرج إلا بإذنه.
​—أنا واحدة بالغة ومسؤولة عن نفسي! مش محتاجة إذن حد عشان أخرج!
​في اللحظة دي ظهر كريم. وبعد خناقة وزعيق، أمر الأمن يفتحوا البوابة. بس وهي راكبة وشايلة شنطتها، قال برود:
—على فكرة، أنا غيرت ميعاد الحجز بتاعنا.. هنقعد هنا شهر كمان.
​—إنت عملت إيه؟!
​—أبويا محتاجني جنبه الفترة دي.
​—بس أنا عندي إنترفيو شغل مهم جداً في القاهرة!
​كريم اتنهد ببرود:
—عادي، تقدر تلغيه أو تؤجليه.
​مريم بصتله برعب وصدمة:
—إنت من إمتى بتحددلي أعمل إيه في حياتي؟!
​خطيبها رد بمنتهى الهدوء ومن غير ما يرفع صوته:
—من اللحظة اللي وافقتي فيها تكوني واحدة من العيلة دي.
​مريم وصلت اللوكاندا بالقوة، بس تاني يوم اضطرت ترجع المزرعة عشان تجيب هدومها واللابتوب بتاعها.
​وهي ببتلم حاجتها وتحطها في الشنطة، كريم دخل عليها الأوضة، ولمح بطاقتها الشخصية محطوطة على السرير.
​مسك البطاقة، فمريم قالتله بحدة:
—هاتها! هات البطاقة!
​—هاشيلها معايا لحد ما تهدّي خالص وتفكري بعقل.
​مريم قربت منه بغضب:
—إياك تعمل كده! هاتها!
​كريم شد البطاقة من إيدها بالعافية وقال:
—لما تبطلي تصرفات الجنان دي، هرجعهالك.
​وخرج وقفل الباب وراه.
​مريم وقفت مكانها متسمرة ومش عارفة تتصرف. وفي اللحظة دي، سمعت أصوات جاية من مكتب الحاج عثمان تحت.. كان بيتكلم مع ولاده بلغة الصعيد القديمة.
​—خلصت الموضوع مع شريكك في القاهرة؟
​كريم رد:
—أيوه يا حاج، شريكي هياخد الشغل والمشاريع كلها.. أنا خلاص مش راجع القاهرة تاني.
​مريم قربت من السلم بالراحة ومن غير ما تعمل أي صوت.
​كريم كمل كلامه:
—بعد الفرح هنعيش هنا على طول.. ولما تخلف، هتنسى فكرة الشغل دي خالص وتعد في بيتها.
​الحاج عثمان ضحك بصوت عالي:
—هو ده الصح.. بالضبط زي ما عملنا مع ليلى.
​بس هشام أخوه اتكلم وقال:
—بس في حاجة إنتوا لسه ما تعرفوهاش عن ليلى..
​أبوه زغرله وأمره يسكت، بس هشام أصر وقال:
—من حق كريم يعرف ليلى ليه عمرها ما قدرت ترجع إسكندرية تاني!
​وبعدها قال جملة خلت الأرض تدور بمريم وكل حاجة تتهد فوق دماغها:
—عشان أبونا ما اكتفاش إنه ياخد منها أوراقها وبطاقتها بس.. ده كمان كان بياخد جوابات الاستغاثة اللي أمها بتبعتها ومبيوصلهاش حاجة!

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *