قعدت سنة أتعلم لغة الصعيد عشان أعمل مفاجأة لخطيبي وعيلته.
الجزء الثالث والأخير
الدم فرّ في عروق مريم وكأن تيار كهربائي ضرب جسمها كله. الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير. الجوابات.. مكنتش بس محبوسة جسدياً، دي كانت مقطوعة عن العالم كله، وعن أمها اللي ممكن يكون قلبها اتحرق عليها وهي فاكراها باعتها أو نسيتها!
في اللحظة دي، مريم أدركت إنها لو فضلت قاعدة ثانية واحدة كمان في البيت ده، مصيرها هيكون نفس مصير ليلى.. سجن أبدي، وضياع، ونسيان.
دخلت الأوضة بسرعة البرق، وقفت قدام الدولاب وفتحت الشنطة، طلعت هدوم قليلة ومهمة، ورمت اللابتوب والموبايل الإحتياطي في حضنها. عقلها كان شغال بألف سرعة. هي مش هتقدر تخرج من البوابة الرئيسية، لأن الأمن مقفلينها بأمر الحاج عثمان، واللوكاندا برضه مش هتنفع لأنهم عارفين طريقها.
بس وهي في المطبخ قبل كده، لاحظت باب صغير سري في آخر الممر، الباب ده كان بيودّي على ممرات وراء المزراع والجبال، وكان العيال الصغيرين بيلعبوا هناك.
مريم خرجت من باب الأوضة على أطراف صوابعها، ونزلت مع السلم الخلفي بعيد عن أوضة المكتب اللي كان فيها كريم وأهله. قلبها كان بيدق كأنه طبلة جوه صدرها.
وصلت للباب الخلفي.. فتحته بالراحة بحذر شديد عشان ما يعملش صوت طريقتش.. وخرجت في الهوا الساقع والظلام.
الجري على أرض جبلية ووعرة مكنش سهل أبداً، ورجليها اتعورت من الصخر، بس الخوف كان بيديها طاقة خارقة. مشيت أكتر من نص ساعة لحد ما طلعت على الطريق الرئيسي السريع اللي بره المزرعة.
وقفت في نص الطريق تلوّح بإيدها بجنون لأي عربية معدية.
بعد كذا محاولة فاشلة، عربية نقل كبيرة وقفت. السواق بص لها بشك من شكلها المنظر المبهدل والهدوم المتشرببة بالتراب، بس لما شافت عيونها المرعوبة، فتح الباب وقال:
—اتفضلي يا بنتي.. رايحة فين؟
—القاهرة.. والنبي طلعني بس من هنا!
طريق الصعيد كان طويل ومخيف، وكريم وعيلته أكيد هيلاحظوا هربها في أي لحظة ويبعتوا وراها الحرس. مريم قعدت في الكابينة ووراها ألف كابوس، بس لأول مرة من ساعة ما دخلت البوابة اللعينة دي، حست إنها بتتنفس بجد.
بعد ساعات طويلة، وصلت القاهرة، وعلى طول طلعت على أقرب قسم شرطة ومعاها محامي تعرفه من شغلها القديم. ما اكتفتش بالهروب، دي قدمت بلاغ رسمي باختطاف، واحتجاز بطاقتها وأوراقها، وتهديدها بالحبس، وكمان طلبت تفتح التحقيق في قصة ليلى والمستندات اللي ضاعت منها.
الشرطة اتحركت بسرعة مع قوة أمنية وداهموا استراحة “الفيوم”. كريم وأبوه اتفاجئوا بالشرطة على باب المزرعة، وما قدروش يعملوا حاجة قدام القانون. البطاقات والأوراق رجعت لمريم، وليلى أخدت أول خطوة عشان تتواصل مع أهلها في إسكندرية بعد سنين طويلة من العزلة.
كريم اتصل بيها مئات المرات بعدها، وكان بيبعت رسائل كله تهديد وتوسل، بس مريم كانت عملت بلوك لكل حاجة.
وهي قاعدة في بيتها في القاهرة، شربت كوباية قهوة وبصت للباب المفتوح، وسمعت صوت عربيات الشارع الحقيقي.. وقالت لنفسها بصوت عالي:
—أنا توبت.. تاني مرة عمري ما هتعلم لغة سرية غير لما أتأكد الأول اللي قدامي جايين بخير ولا بيخططوا لحبسي!