قبل فرحي بسبع ايام
راجل واقف ومعاه ورق في إيده وقف في طريقها.
قالت له اسمها.
بص في القائمة.
وبكل هدوء، بص لها وقال الكلمة اللي قضيت ٢٨ سنة وأنا محتاجة أسمعها من حد:
”يا فندم.. اسم حضرتك مش موجود في قائمة المدعوين.”
وش أمي خطف وبقى أبيض…
“يا فندم، اسم حضرتك مش موجود في قائمة المدعوين.”
أمي برقت للشاب اللي واقف جنب البوابة الحديد المشغولة.
”أفندم؟”
بص في الكليب بورد اللي في إيده وقال:
“الاسم بالكامل، لو سمحتي؟”
”ماجدة صبري. أنا أم العروسة.”
بص في القائمة تاني.
“أنا آسف يا مدام ماجدة. اسمك مش موجود هنا.”
أمي عدلت عقد اللؤلؤ بتاعها وقالت:
“أكيد فيه غلطة. بنتي بتتجوز هنا جوه.”
”أيوه يا فندم، أنا فاهم.”
”طب افتح البوابة.”
”للأسف مش هقدر أعمل كده.”
ضحكت ضحكتها الخفيفة المعتادة اللي بتطلع منها كل ما حد يفشل إنه يعترف بسلطتها وهيمنتها:
“يا بني، أنا قضيت تمانية وعشرين سنة بربي البنت دي. أكيد يعني مش محتاجة إذن عشان أحضر فرحها.”
فضل هادي تماماً:
“يا مدام ماجدة، العروسين سلمونا قائمة بالضيوف المسموح بدخولهم، وطلبوا بالاسم إن محدش يدخل من بره القائمة دي.”
وش أمي اتغير:
“بالاسم؟”
”أيوه يا فندم.”
”يعني أنت قصدك إن بنتي إدتك تعليمات شخصية عشان تمنعني أدخل؟”
مردش عليها بشكل مباشر وقال:
“ممكن أكلم المنسق بتاع الفرح لو تحبي.”
”كلم بنتي.”
”هكلم المنسق.”
أمي مدت إيدها عشان تفتح كالون البوابة.
وقف بالعرض، وسد طريقها من غير ما يلمسها:
“لو سمحتي بلاش تعملي كده يا فندم.”
يمكن دي كانت أول مرة في حياتها كلها، ماجدة صبري تقابل حد مبيتأثرش بدموعها، ولا بمجوهراتها، ولا بقدرتها المذهلة على تحويل أي خلاف لكأنه إهانة لأمومتها المقدسة.
وأنا كنت واقفة على بعد عشرة متر بس، وشايفة كل اللي بيحصل.
مكنتش ناوية أشوفها.
أنا وأحمد كنا خلصنا كتب الكتاب والمراسم من عشرين دقيقة. الضيوف كانوا بيشربوا شربات وعصاير في الجنينة، والفركة والمصوراتي بيجمعوا العيلتين عشان يتصوروا تحت شجر التوت الكبير.
كنت ماسكة كاس ليمونادة لما مريم صاحبتي لمست كوعي بالراحة.
“فاطمة،” همست لي، “أمك بره.”
لفت وشي ناحية المدخل.
كانت واقفة هناك.
فستان كحلي شيك. حلق لؤلؤ. شعرها المترتب بالملي.
نفس الطقم اللي ورتهوني من أسبوعين وهي بتشرح لي إنها ناوية تقف جنبي في الكوشة بغض النظر عن رأيي أو أنا عايزة إيه.
بس المرة دي، هي كانت واقفة بره البوابة المقفولة.
وأنا… كنت خلاص اتجوزت.
بصيت لدبلتي الدهب البسيطة في إيدي.
للحظة مكنتش مصدقة إن ده حصل بجد.
قبل سبع أيام بس، كنت قاعدة على أرضية المطبخ، وحوالييا كل العقود والمحجوزات الملغية، ومقتنعة تماماً إن أمي دمرت أسعد يوم في حياتي.
دلوقتي أنا واقفة تحت الشجر وإيد جوزي دافية وراه ضهري بتسندني.
”عايزاني أطلع أتعامل معاها؟” أحمد سألني.
بصيت له.
كرافتته كانت معوجة سنة، وفيه فرع لافندر صغير من بوكيه الورد بتاعي شبك في جاكتته.
كنت بحبه لدرجة تخوف.
”لا،” قلت له. “أنا هطلع أكلمها.”
مريم ضغطت على إيدي:
“مش مجبورة تعملي كده.”
”عارفة.”
وده كان الفرق.
طول حياتي، كنت بواجه أمي عشان هي بتجبرني على ده.
المرة دي، أنا اللي باخد القرار بنفسي.
إديت مريم كاس الليمونادة ومشيت ناحية البوابة.
أمي لمحتني على طول.
“فاطمة!”
صوتها رن في المكان.
” الحمد لله! قولي للراجل المعتوه ده يدخلني.”
وقفت الناحية التانية من البوابة.
“أهلاً يا أمي.”
بصت من ورايا.
عينيها مشيت على ترتيبات الورد البلدي، والمفارش البيضا، وأنوار اللمبات الصغيرة المتلألئة، والضيوف اللي بيضحكوا تحت الشجر.
بعدين بصت على فستان فرحي.
والدبلة.
بؤها اتفتح من الصدمة.
”أنتوا عملتوها خلاص؟”
”أيوه.”
”اتجوزتي؟”
”من عشرين دقيقة.”
من غيري.
ما قالتش الكلمتين دول، بس شفتهم مرسومين على وشها بالكامل.
ولأول مرة في حياتها، أمي فاتها حاجة مش هتقدر ترجعها تاني ولا تصلحها.
”فاطمة.. إزاي تعملي كده؟”
كنت هضحك.
مش عشان الموضوع يضحك.
بس عشان بعد كل اللي عملته، كانت مصدقة بجد إنها هي الضحية والمجني عليها!
”إزاي أعمل إيه؟”
”تتجوزي من غير أمك!”
اتأملت وشها كويس.
“يا أمي، أنتِ لغيتي فرحي.”
”الفرح ده كان غلطة!”
”أنتِ لغيتي القاعة، والورد، والأكل، وكل الترتيبات. وقلتي للشركات إني أنا وأحمد فركشنا ولغينا كل حاجة.”
”كنت بحاول أحميكي!”
”من إيه؟”
”من إنك تدمري حياتك!”
صوتها علي.
شوية من الضيوف بصلنا.
وطيت صوتي وقلت:
“أمي، لو سمحتي بلاش زعيق.”
بصت لي بإهانة:
“متقوليليش أتكلم إزاي مع بنتي!”
حسيت بالرد الفعل القديم بيطلع في صدري.
اعتذري لها.
هديها.
قلي لها إنها صح في أي حاجة عشان متعيطش.
بعدين افتكرت الأسبوع اللي دوقنا فيه المر عشان نعديه.
افتكرت أحمد وهو قاعد جنبي على ترابيزة المطبخ، بيطلب شركات الفراشة والقاعات وأنا بحاول أوقف ترعش إيدي.
افتكرت مريم وهي داخلة عليا بتلات ملفات وبتقول: “أنا عندي خطة.”
وافتكرت اللحظة اللي أمي قالت فيها لأحمد إني “بضاعة بايظة ومكسورة”.
ده مكنش حماية.
ده كان قسوة متغطية في شكل خوف وعطف.
”أنتِ قلتي لأحمد إني مريضة ونفسيتي مش متظبطة ومينفعش أكون زوجة،” قلت لها.
عين أمي ضيقت:
“أنا حكيت له عن تاريخك!”
”تاريخي؟”
”أنتِ عارفة اللي حصل لك بعد ما باباكي مات!”
”أيوه يا أمي. كان عندي ١٩ سنة. أبويا مات فجأة. كنت مدمرة نفسياً. أخدت جلسات علاج نفسي. ورجعت الكلية. واتخرجت. وبقيت مدرسة.”
بصت الناحية التانية.
“أنتِ مكنتيش طبيعية لشهور.”
”كنت بزعل وبحزن على أبويا.”
”كنتي محتاجاني!”
”كنت محتاجاكي فعلاً.”
وشها حن لنص ثانية.
فكملت كلامي:
“بس إني أكون محتاجة أمي لما أبويا يموت، ده مكيش حق امتلاك باقي حياتي كلها.”
بصت لي بذهول.
وراها، عربية عدت ببطء على الطريق الزراعي.
للحظة، افتكرت إنها أخيراً فهمت.
بدل ده، شاورت على أحمد اللي كان جه وقف جنبي.
“أنت اللي عملت كده،” قالت له.
مهتزش.
“يا مدام ماجدة، فاطمة أخدت قرارها بنفسها.”
”أنت قلبتها عليا!”
رد بهدوء:
“لا.. أنا شجعتها تثق في نفسها بس.”
أمي ضحكت ضحكة مرارة:
“طبعاً لازم تقول كده! أنت معندكش أي فكرة هي بتبقى عاملة إزاي لما الدنيا بتلخبط والظروف بتسود.”
أحمد بص لي.
بعدين بص لها تاني وقال:
“أنا كنت موجود الأسبوع اللي فات لما كل حاجة اتلخبطت والسقف وقع علينا.”
حاجة اتخنقت في زوري.
وصف أحمد وقال:
“كنت موجود لما اكتشفت إن فرحها اتلغى. شفت قد إيه ده وجعها. وشفتها وهي بتساعد في تنظيم فرح تاني بدل ما تسيب اللي حصل يدمر اليوم.”
شفايف أمي اترعشت.
“هي أصلاً مكنش هيبقى عندها فرح لولا إني ساعدتها في تنظيم الأولاني!”
أحمد هز رأسه:
“أنتِ ساعدتي في تنظيم الفرح اللي أنتِ عايزاه. إنما النهاردة، ده الفرح اللي احنا كنا عايزينه.”
بصت ناحية الضيوف تاني.
كنت حاسة إنها بتعدهم بعينيها.
يجي ميتين واحد.
زمايلي في المدرسة.
عيلة أحمد.
الجيران.
صحاب الطفولة.
وعمتي إلهام، أخت بابا الكبيرة.
ناس عارفينني من أيام ما كنت بحط تقويم وأشيل شنطة المدرسة البنفسجي على ضهري.
كلهم كانوا هنا.
جم بالرغم من مكالمات أمي.
بالرغم من الإشاعات اللي طلعتها.
بالرغم من إصرارها إني بغلط غلطة عمري.
”أنتِ أحرجتيني قدام الناس كلها،” همست.
حسيت بحزن غريب.
مش عشان هي صح.
عشان حتى في اللحظة دي، هي بتفكر في نفسها بس.
”أمي، أنا معزمتش الناس دي عشان أحرجك. عزمتهم عشان نحتفل بجوازنا.”
”عزمتي كل الناس ما عدا أمك!”
”أيوه.”
الكلمة طلعت مني ثابتة وقوية.
وشها اتخطف وبقى أبيض.
عمرها ما سمعت مني كلمة “أيوه” على حاجة هي معترضة عليها من غير ما أقدم أعذار واعتذارات في ساعتها.
بس مكنش فاضل حاجة تتقال أو تتشرح.
بصت لي كام ثانية.
بعدين قالت: “أبوكي كان هيتكسف منك لو شافك.”
الكلمات دي ضربت في نفس المكان اللي دايماً بتوجعني فيه.
لمدة تسع سنين، كانت بتستخدم ذكريات بابا كل ما التأنيب العادي مبيجيبش نتيجة.
افتكرته وهو بيعلمني أركب العجلة.
افتكرته وهو بيعمل لي قطايف وبان كيك على شكل قلوب معوجة.
افتكرت أخر كارت عيد ميلاد إداهولي قبل ما يموت بسنة:
(خليكي شجاعة دايماً يا حبيبتي. العالم محتاج ناس أكتر مبيخافوش يكونوا طيبين).
الكارت ده لسه معايا.
لسنين طويلة، سبت أمي تقنعني إن إكرام بابا معناه إني أطيعها هي في كل حاجة.
دلوقتي بس فهمت قد إيه ده كان ظلم لينا احنا الاتنين.
”لو سمحتي متستخدميش بابا ضدي تاني،” قلت لها.
فتحت بؤها تتكلم.
سقاطتها قبل ما تنطق:
“هو كان بيحبك يا أمي، أنا عارفة ده. بس كان بيحبني أنا كمان. ومأظنش أبداً إنه كان هيرضى إننا نعيش بالمنظر ده.”
تعبير وشها انهار.
ولأول مرة، بانت مش كست غاضبة بتطالب بالدخول، بانت كحد اكتشف فجأة إن الباب اللي متعود يدخله مقفول ومش هيتفتح تاني.
”فاطمة،” همست، “أنا أمك.”
”عارفة.”
”متقدرش تقفلي الباب في وشي للأبد.”
”أنا مباخدش قرار للأبد النهاردة.”
”طب خليني أدخل.”
بصيت ناحية الجنينة.
من فتحة الخيمة، كنت شايفه مريم بتتكلم مع الفراش والوفايين.
أم أحمد كانت بتضحك مع عمتي إلهام.
والأطفال بيلعبوا ويجروا حوالين شجرة توت كبيرة وأهاليهم بينادوا عليهم.
كل حاجة كنت حلمت بيها كانت مستنياني جوه.
واللي واقفة بره البوابة دي هي أكتر واحدة حاولت تمنع كل ده إنه يحصل.
”مش النهاردة يا أمي.”
برقت: “إيه؟”
”أنتِ لغيتي فرحنا من غير إذننا. كذبتي عليا قدام خطيبي. ونشرتي أسرار حياتي وحزني في البلد كلها. وجيتي هنا وأنتِ متوقعة تشوفيني منهارة ومكسورة.”
”أنا معملتش—”
”أنتِ رحتي القاعة القديمة الأول.”
سكتت.
أنا عرفت ده من المنسق، اللي جاله تليفون من مدير القاعة القديمة بعد ما أمي راحت هناك وزعقت وطلبت تعرف الناس راحت فين.
أمي وصلت هناك الساعة تلاتة إلا ربع.
وقالولها إن الحجز اتلغى.
ولما شافت صور كتب كتابنا نزلت على الفيس بوك من حد من الضيوف، عرفت المزرعة وجت جري.
هي مجتش عشان تحتفل.
هي جت عشان خطتها فشلت.
”أنا عايزاكي تمشي،” قلت لها.
عينيها اتملت دموع:
“هتندمي إنك معاملتيني بالأسلوب ده.”
”يمكن أندم على حاجات حصلت النهاردة.. بس عمري ما هأندم إني اتجوزت أحمد.”
بصت لجوزي.
بعدين بصت لي تاني:
“بعد كل اللي ضحيت بيه عشانك؟”
بلعت ريقي:
“أنا معترفة بجميلك وشايلة لك كل حاجة عملتيها يا أمي. بس الاعترف بالجميل مش معناه إني أسلمك التحكم في حياتي.”
لسواني، محدش فينا نطق.
بعدين لفت بحدة ومشيت ناحية عربيتها.
صوت كعبها كان بيرن على الزلط.
مبصتش وراها ولا مرة.
فضلت باصة عليها لحد ما اختفت ورا لفة الطريق.
ساعتها بس، ركبي بدأت تترعش وتخونني.
أحمد حضنني من ضهري بالراحة:
“أنا معاكي،” همس في ودني.
ضغطت بوشي في كتفه.
للحظة، حسيت إني رجعت بنت عندها ١٩ سنة تاني، واقفة جنب سرير أبويا في المستشفى وبسأل نفسي إزاي هقدر أعيش بعد ما أMethod الشخص اللي بحبه.
بس المرة دي، الشخص اللي بحبه ممتش.
أنا بس بطلت أسمح لها تؤذيني.
وهي دي في حد ذاتها.. كانت نوع تاني من الحزن.
لما رجعنا الفرح، عمتي إلهام كانت مستنيانا تحت الشجر.
كانت لابسة فستان لافندر ونفس الحلق الفضة اللي معاه من وأنا طفلة صغيرة.
مسألتنيش إيه اللي حصل.
أخدت إيدي في إيدها ببساطة.
”أبوكي كان هيحب المكان ده أوي،” قالت لي.
بصيت حوالييا.
الشمس كانت بدأت تغرب ورا جبال المقطم والغروب رامي لونه الذهبي على النجيل.
ورد بلدي مالي بطرمانات إزاز على الترابيزات.
الضيوف بياكلوا كفتة وفراخ مشوية ومكرونة بشاميل وعيش بلدي طازة.
كانت ريحة ليالي الصيف بتاعت زمان.
”أنا كمان أفتكر إنه كان هيحبه أوي،” همست لها.
إلهام ابتسمت:
“ده كان هيطلب أطباق زيادة كمان!”
ضحكت من وسط دموعي.
بعدين وشها بقى جاد:
“فاطمة.. متقضيش يوم فرحك وأنتِ بتفكري هي أمك زعلانة ولا لأ.”
”بحاول والله.”
”عارفة. بس أنا عارفة اختي بقالي ٦٥ سنة. ماجدة طول عمرها بتخاف إنها لو مكنتش هي السايقة والمتحكمة، يبقى ملهاش قيمة.”
بصيت لها:
“طب ليه محدش وقفها وقالها كفاية؟”
إلهام اتنهدت:
“ساعات كنا بنقول. بس مش كفاية للأسف. وبعد ما أبوكي مات، الكل بقى بيلتمس لها الأعذار عشان كانت حزينة.”
”هي كانت حزينة فعلاً،” قلت.
”أيوه. بس الحزن يفسر أفعال كتير.. لكن ميبقاش مبرر لكل حاجة.”
عصرت على إيدي:
“أمك عندها شغل كتير لازم تعمله مع نفسها. أنتِ مش مسؤولة تعمليه بدالها.”
بعدين باست خدي:
“يلا بقى روحي اربطي إيدك في إيد جوزك وارقصوا.”
وفعلاً عملت كده.
رقصتنا الأولى مكنتش مثالية.
أحمد داس على طرف الفستان مرتين.
وأنا كنت هتكعبل في جزمته.
ضحكنا بصوت عالي لدرجة إن المصوراتي نزل الكاميرا وضحك معانا.
في نص الأغنية، أحمد قرب مني:
“عارفة إيه أكتر حاجة عجبتني النهاردة؟”
”إيه؟”
”أنتِ.”
ابتسمت:
“إجابة وحشة أوي.”
”خلاص.. المكرونة البشاميل!”
ضحكت تاني.
وأحنا بنرقص تحت الأنوار، حاجة غريبة حصلت.
بطلت أفكر في أمي.
مش كلياً.
ولا للأبد.
بس لوقت كافي إني أحس بالسعادة من غير ما أدور هل فيه حد معترض ولا لأ.
بالليل، مريم قامت تقول كلمتها.
وقفت بكاس شربات وبصت لي على طول:
“معظمكم يعرف فاطمة كأستاذة الابتدائي اللي بتفتكر عيد ميلاد كل طفل، وبتقنع عيال عندهم ٨ سنين إن الحساب والكسور حاجة ممتعة.”
الضيوف ضحكوا.
”بس أنا أعرفها من أولى إعدادي، لما إدتني نص غداها عشان أنا نسيت غدايا.”
مريم سكتت ثانية:
“فاطمة قضت حياتها كلها بتتأكد إن محدش حواليها يحس إنه منسي أو متضايق. ولزيادة عن اللزوم، نسيت إنها هي كمان تستاهل نفس الحنية دي.”
عيني اتملت دموع.
”أحمد،” مريم كملت كلامها، “شكراً إنك حبيت صاحبتي الأنتيم من غير ما تحاول تغير هي مين.”
رفع كاسها:
“ويا فاطمة.. شكراً إنك أخيراً سمحتي لنفسك تعيشي الحياة اللي طول عمرك تستاهليها.”
التسقيف علي تحت اللمبات المتعلقة.
حضنتها جامد لدرجة كانت هتوقع العصير من إيدها.
“أنتِ أنقذتي كل حاجة،” همست لها.
هزت رأسها بالرفض:
“لا. أنا إديتك فرصة تانية بس. أنتِ وأحمد اللي اخترتوا تاخدوها.”
فكرت في الفرح البديل اللي هي نظمت في السر.
قبلها بشهور، كانت لاحظت إزاي أمي مسيطرة على كل اجتماع ترتيبات.
فعملت اتفاقات مبدئية مع مزرعة قريبة تبع صاحب باباها، وتفقت مع مطعم مشويات على المواعيد، وأخدت إذن إننا نستخدم المكان لو خططنا الأصلية باظت.
هي مدفعتش دم قلبها في فرح تاني فخم.
هي جمعت بديلاً عملي وبسيط، بعرابين قليل، ومع ناس بتثق فيهم.
لما اللغي حصل، أنا وأحمد استخدمنا الفلوس اللي كنا محوشينها للفرح الأصلي، وعدلنا خططنا، واشتغلنا مع مريم عشان نحول الترتيبات دي لحقيقة.
فيه نمرة رجعت لنا أجزاء من العربون.
ونمرة تانية مرجعتش.
خسرنا فلوس.
وكانيه مكالمات تليفون مجنونة، وإيميلات بنص الليل، ولحظات كنا حاسين فيها إننا مش هنعرف نظبط حاجة.
بس عملناها.
ولما بصيت حواليا في الحفلة، مكنتش أقدر أتخيل فرح أجمل من ده.
على نص الليل، كنت أنا وأحمد راكبين العربية ورايحين لشاليه صغير في الساحل كنا مأجرينه لشهر العسل.
قلعت جزمتي في العربية.
شعر بدأت بنادسه تقع.
الفستان اتقمط.
رجلي كانت بتوجعني.
وكنت مبسوطة أكتر من أي وقت مضى في حياتي.
بعدين الموبايل اتهز.
رسالة من أمي:
(أتمنى تكوني مرتاحة دلوقتي. أنتِ جستي بيا قدام العيلة كلها).
استنيت شوية، جالي رسالة تانية:
(بعد كل اللي عملته عشانك، مكنتيش قادرة حتى تسيبيني أشوفك وأنتِ بتتجوزي).
وبعدين رسالة تالتة:
(أبوكي عمره ما كان هيسامحك على ده).
صوابعي وقفت فوق الشاشة.
أحمد بص لي:
“كل حاجة تمام؟”
بصيت له.
ولأول مرة، محستش إني ملزمة أرد على أمي في ساعتها.
“أيوه،” قلت له. “كل حاجة تمام أوي.”
قفلت التليفون.
وفضلنا ماشيين في طريقنا.
أول أسبوع جواز كان أهدى مما توقعت.
قضينا تلات أيام بنتمشى، ونطبخ فطار مع بعض، ونقعد في بلكونة الشاليه نتفرج على البحر والشمس بتشرق.
لا مكالمات.
لا طوارئ.
ولا خناقات على مين يقعد فين أو نوع الورد إيه.
في اليوم التاني الصبح، صحيت قبل أحمد ولقيت نفسي بتصنت على صوت أمي بالتعود.
دي كانت عادة قديمة.
وأنا طفلة، اتعلمت أعرف مزاجها من طريقة مشيتها في البيت.
لو ضرف المطبخ اتقفلت بصوت عالي، أعرف إني متطلبش أي حاجة.
لو اتنهدت وهي بتغسل المواعين، أعرف إنها مستنياني أسألها “مالك يا أمي؟”.
بعد ما بابا مات، المسؤولية دي كبرت.
بقيت صاحبتها، ومستشارتها، وساعات الشخص اللي بتلومه لما الوحدة بتبقى تقيلة عليها.
وأنا عندي ١٩ سنة، مكنتش عارفة أقول إني أنا كمان بحزن وبموت من الفراق.
دلوقتي، وأنا عندي ٢٨ سنة، أخيراً بتعلم.
لما رجعنا المعادي، الرسائل كانت مستنيانا.
٣٤ رسالة من أمي.
ورسائل من قرايب بيسألوا هو إحنا بجد طردناها وما عزمنهاش؟
ورسالة واحدة من ناظر المدرسة بتاعتي.
الرسالة دي خوفتني أكتر من الباقيين.
طلب مني أعدي على مكتبه قبل ما الدراسة تبدأ.
بطني وجعتني.
أمي كانت اتصلت بالشغل قبل الفرح بكتير، ولمحت إني بتعرض لأزمة نفسية ومضروبة.
دلوقتي شكيت إنها عملتها تاني.
رحت المدرسة يوم الإثنين اللي بعده وإيدي بترتعش.
استاذ سمير الناظر رحب بيا في مكتبه:
“فاطمة، كنت عايز أعرفك إن والدتك اتصلت الأسبوع اللي فات.”
بلعت ريقي:
“أنا أسفة جداً يا فندم.”
كشر:
“بتعتذري ليه؟”
مقدرتش أرد.
كمل كلامه:
“هي عبرت عن قلقها على حالتك النفسية. أنا قلت لها إني مأقدرش أناقش تفاصيل شغلك أو معلوماتك الشخصية معاها.”
برقت له.
“وقالت كمان إنك ممكن تكوني محتاجة إجازة وتبعدي عن الفصل شوية.”
عيني اتملت دموع:
“أنا مش محتاجة إجازة.”
“أنا عارف. شغلك ممتاز ومفيش أي حاجة تدل على عكس كده.”
اتنفست الصعداء.
قرب مني وقال:
“فاطمة، أنتِ مدرسة قيمة جداً هنا. لو فيه حاجة مأثرة على شغلك، نناقشها معاكي أنتِ مباشرة. بس رأي والدتك مبيحددش استمرارك في الشغل من عدمه.”
وللمرة التانية في أسبوعين، حد يقول لأمي “لا”.
والعالم متهدش ولا حاجة.
في الليلة دي، قعدت على ترابيزة المطبخ وكتبت لها جواب.
مش جواب غاضب.
ولا جواب قاسي.
مجرد الحقيقة بس.
قلت لها إني بحبها.
وإني دايماً هكون ممتنة للسنين اللي ربتني فيها.
بس قلت لها كمان إن اتصالاتها بشغلي، وكلامها عن تاريخي المرضي والشخصي، وتدخلها في جوازي.. دي حاجات غير مقبولة.
طلبت منها إن التواصل بينا يكون عن طريق الكتابة والرسائل بس في الوقت الحالي.
وقلت لها إن إعادة بناء علاقتنا هتحتاج صراحة، واحترام لحدودي، واستعداد منها إنها تعترف بالأذى اللي تسببت فيه.
متهددتش إني مش هشوفها تاني.
ومنوعدتش بالمسامحة الفورية.
أنا بس بطلت أُمثل إن كل حاجة تمام.
بعت الجواب تاني يوم الصبح.
ورحت شغلي.
لمدة تلات أسابيع، مسمعتش منها أي حاجة.
في الأول، السكوت ده خوفني.
كنت كل شوية مستنية تسجيل صوتي زعلان.
حد من القرايب يكلمني يقولي قد إيه أنا كسرت قلبها.
اتهام جديد.
بس مفيش حاجة جت.
بعدين، في سبت من الأيام، عمتي إلهام عدت علينا وبإيدها قالب كيكة موز بيتي.
قعدت على ترابيزة المطبخ وأحمد بيعمل القهوة.
“أمك وصلها الجواب بتاعك،” قالت.
هزيت رأسي.
“عاملة إيه؟”
إلهام فكرت في السؤال:
“زعلانة.. حزينة.. ومحروجة.”
بصيت تحت:
“هي بتكرهني؟”
”يا حبيبتي..”
عمتي مدت إيدها عبر الترابيزة:
“أمك مبتعرفش تتصرف لما مابتكونش مسيطرة على الموقف. هي قضت عمرها كله بتخلط بين إن حد يكون محتاجها وبين إن حد يكون بيحبها.”
بلعت ريقي:
“فتكري هي ممكن تتغير في يوم من الأيام؟”
”معرفش.”
الإجابة دي فاجأتني.
إلهام كملت:
“بس اللي أعرفه إنها مسؤولة إنها تحاول. وأنتِ مش مسؤولة إنك تخلي محاولاتها دي مريضة وسهلة عليها.”
قعدنا ساكتين شوية.
بعدين إلهام ابتسمت:
“وبعدين أنتِ وراكي بيت وجواز تبنيه.”
بصيت ناحية الصالة، حيث أحمد كان بيحاول يصلح أباجورة كنا شارينها من سوق الجمعة.
كان فكها من غير ما يفتكر أنهي مسمار بيركب فين.
ضحكت.
“الظاهر إني اتجوزت راجل فاكر إن تصليح الكهربا دي ميزة شخصية فيه!”
إلهام ضحكت:
“كويس.. أبوكي كان كده بالظبط.”
بعد ست أسابيع من الفرح، وصل جواب تاني.
خط أمي.
كنت هرفض أفتحه.
أحمد قعد جنبي وأنا بفرد الورق.
الجواب بدأ بارتباك:
(فاطمة..)
(أنا كنت زعلانة ومغليّة من يوم الفرح. حسيت إني مطرودة ومتهانة. كنت بفضل أقول لنفسي إن اللي عملتيه ده قسوة).
(بعدين إلهام سألتني سؤال معرفتش أرد عليه).
(سألتني: ليه فاكرة إنك لما تلغي فرح بنتك ده هيخليها تحبك أكثر؟)
وقفت قراية.
إيدي اتأرجحت وترعشت.
أحمد لمس كتفي.
كملت:
(مأظنش إني عمر بجد صدقت إن أحمد مش مناسب ليكي).
(أنا كنت خايفة أStandardك).
(بعد ما أبوكي مات، بقيتي أنتِ الشخص اللي بأتسند عليه. أقنعت نفسي إن هي دي العلاقة القريبة بين الأم وبنتها).
(لما أحمد ظهر، حسيت إنه بياخدك مني).
(قلت لنفسي إني بحميكي.. بس أنا كنت بحاول أحمي الحياة اللي بنيتها حوالين احتياجي ليكي).
كان فيه وقفة في الخط، كأنها وقفت كتابة ورجعت كملت بعدين:
(مكانش المفروض أبداً أتصل بشركات الفرح. ومكانش المفروض أتكلم مع أحمد بالطريقة دي. ومكانش ليا أي حق أنشر أسرار حزنك أو أقول عليكي بضاعة بايظة).
(أنا آسفة).
غطيت بؤي بإيدي.
لسنين طويلة، اعتذارات أمي كانت بتتبع نفس النمط: