قبل فرحي بسبع ايام

  • ​أنا آسفة إنك فهمتي غلط.
  • ​أنا آسفة إنك زعلتي.
  • ​أنا آسفة إنك خليتيني أتصرف كده.

​المرة دي كانت مختلفة.

كانت بتسمي الحاجات اللي عملتها بأساميها.

​بس السطر الأخير كان هو الأهم:

​(أنا حجزت معاد مع دكتورة نفسانية. معرفش إزاي هغير كل حاجة في نفسي وأنا عندي ٦١ سنة، بس عارفة إني مأقدرش أعيش كده تاني).

(أتمنى في يوم من الأيام تسمحي لي أتعرف على الست اللي أنتِ بقيتيها دلوقتي).

(مع حبي.. أمك).

​عيطت.

مش عشان كل حاجة اتصلحت.

هي متصلحتش.

بس عشان لأول مرة من سنين، أمي كانت فاهمة إن حبها ليا معناه إنها تسمح لي أكون شخص مستقل عنها.

​استنيت كام يوم قبل ما أرد.

بعدين كتبت لها.

شكرتها على الاعتذار.

قلت لها إني مبسوطة إنها بتدور على مساعدة علاجية.

وقلت لها إني مش جاهزة أرجع للعلاقة اللي كانت بينا قبل كده.

عرضت عليها نتقابل نشرب قهوة في مكان عام في شهر من الأيام، بشرط إنها تحترم حدودي.

وافقَت.

​لما اتقابلنا أخيراً، كانت شكلها متغير.

مش جسدياً.

كانت لابسة نفس الهتوم المكوية ونفس حلق اللؤلؤ.

بس كان فيه حاجة مش متأكدة في نظراتها.

مبدأتش على طول تقول لي أنا غلطت في إيه.

سألتني عن المدرسة والشغل.

سألتني لو أنا وأحمد مبسوطين في الجواز.

ولما جبت سيرة إننا بنفكر نشتري شقة صغيرة في التجمع، مقالتش إنها هي اللي هتختارها لينا.

قالت ببساطة: “حاجة تفتح النفس والله.”

​كانت لحظة صغيرة.

بس أنا لاحظتها.

​في نص القاعدة، مدت إيدها عبر الترابيزة:

“أنا جيبت حاجة معايا.”

سلمتني ظرف صغير.

​جوه كان فيه صورة لبابا.

كان واقف في الجنينة، بيضحك جنب مرجيحة خشب معوجة كان عملها لي وأنا عندي سبع سنين.

وعلى ظهر الصورة، بخطه، كانت المكتوب:

(لبنتي الحلوة.. اللي لازم دايماً يكون عندها مكان تطير فيه).

​فضلت باصة للصورة.

“أنا ملفتش بالي ليها قبل كده ليه؟” سألتها.

​بلعت ريقها:

“أنا احتفظت بحاجات كتير أوي من حاجته لنفسي. أظن كنت خايفة إن مشاركتها مع حد معناه إني بخسر حتة تانية منه.”

الدموع اتملت في عينيها:

“بس هو كان باباكي أنتِ كمان.”

​مديت إيدي وأخدت إيدها.

للحظة، عيطنا احنا الاتنين.

مقلتلهاش إن كل حاجة سامحتها عليها.

وهي مطلبتش مني ده.

قعدنا مع بعض ببساطة، بنفتكر راجل بنحبه إحنا الاتنين وخسرناه.

ولأول مرة، محدش فينا حاول يدعي إن الحزن ملكه هو بس أكتر من التاني.

​علاقتنا فضلت معقدة.

كان لسه فيه مناقشات صعبة.

ولسه فيه لحظات بتتسحب فيها لعاداتها القديمة.

ساعات تبدأ تقول لي المفروض أعمل إيه، تمسك نفسها، وتوقف.

وساعات تانية كان لازم أفكّرها إن النصيحة مش أمر تنفيذي.

​بس ببطء، بدأنا نبني حاجة أنظف وأصح.

مش العلاقة اللي كانت بينا زمان.

حاجة جديدة.

علاقة بين اتنين بالغين بيحبوا بعض بس مش شرط يتفقوا في كل حاجة.

​في عيد جوازنا الأول، أنا وأحمد رجعنا المزرعة تاني.

مريم جاد معانا، وعمتي إلهام وشوية من صحابنا المقربين.

جيبنا معانا سبت أكل مليان سندوتشات كفتة ومشويات، ومكرونة بشاميل، وستروبيري، وليمونادة.

​شجر التوت كان جميل زي ما افتكرته بالظبط.

أنوار اللمبات الصغيرة مكنتش موجودة، بس كنت لسه شايفاها بتنور فوق الضيوف.

​أحمد مسك إيدي:

“ندمانة على حاجة؟”

​فكرت في الكركبة اللي حصلت.

العقود الملغية.

الفلوس اللي خسرناها.

المواجهة عند البوابة.

والطريقة اللي أمي مشيت بيها وهي فاكرة إني خنتها.

​بعدين فكرت في كل اللي جه بعد كده.

الحدود اللي اتعلمت أحطها.

الجواز اللي بنيناه.

البناء البطئ وغير المثالي لعلاقتي مع أمي.

والإدراك إن حب بابا عمري ما كان بيتطلب مني إني أستسلم وألغي حياتي.

​”حاجة واحدة بس،” قلت له.

​أحمد بصل بقلق: “إيه؟”

“كنت أتمنى لو وثقت في نفسي بدري عن كده.”

​ابتسم: “أهم حاجة إنك وصلتي.”

​سندت على كتفه.

عبر النجيل، مريم كانت بتضحك مع عمتي إلهام.

والجبال طالعة زرقا في الأفق من بعيد.

ونسيم دافي بيمشي بين الأغصان.

​لسنين طويلة، كنت فاكرة إن السلام معناه إني أتأكد إن محدش زعلان مني.

كنت مصدقة إن لو كل حد حواليا مبسوط، أنا أخيراً هكون في أمان.

بس السلام مكنش غياب زعل أو خيبة أمل حد تاني.

السلام كان إني أكون عارفة إني أقدر أخد قرار، وأتحمل نتايجه، وأفضل محترمة نفسي.

​أمي كانت فاكرة إنها تقدر تلغي فرحي وتلغي مستقبلي معاه.

كانت مصدقة إنه من غير موافقتها، أنا هنهار وأتكسر.

بدل ده، حوالي ميتين واحد اتجمعوا تحت شجر التوت عشان يحتفلوا بحب هي مقتدرتش تسيطر عليه.

​والكلمات اللي سمعتها عند البوابة مكنتش مجرد جملة منعتها تحضر فرح.

دي كانت أول حد حقيقي أنا حطيته وتمسكت بيه في حياتي.

​“يا فندم.. اسم حضرتك مش موجود في قائمة المدعوين.”

​جملة بسيطة أوي.

بس وراها حقيقة قضيت تمانية وعشرين سنة باتعلمها.

كونها أمي إداها مكان دائم في تاريخي وقصتي.

بس مإداهاش سلطة مطلقة على مستقبلي.

​في الأسبوع ده، أحمد طلب مني نرقص تحت شجرة التوت اللي أخدنا عندها العهود.

مكنش فيه مزيكا غير صوت الهوا وضحك صحابنا.

جزمتي غطست سنة في النجيل.

مسكني قريب منه.

​ولما بصيت ناحية المكان الفاضي اللي كان مقفول فيه قوس الورد، افتكرت اللي وعدته بيه من سنة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *