في المطار
حصري لصفحة روايات رولا
«في المطار، أمي حضنت أختي وقالتلها: “انبسطي في اليونان يا حبيبتي.. إنتي تعبتي وتستاهلي السفرية دي”؛ وبعدين بصتلي وقالت: “لازم حد يقعد ويبقى المسئول”؛ وأبويا حدفلي مفاتيح الشقة وقال: “إياك تبوظ حاجة”؛ هزيت راسي، وسحبت شنطتي ورايا ورجعت ناحية الجراج… وابتسمت وأنا الباسبور بتاعي بيتختم عند بوابه الطيارة في صالة تانية خالص بعد تلات صالات؛ هما مكنش عندهم أي فكرة إن أنا حجزت تذكرتي بنفسي – درجة أولى، ذهاب فقط.»
«لازم حد يقعد ويبقى المسئول.»
أمك قالتها كأنها بتديك مكافأة.
كنا واقفين جنب صالة 4 قبل الفجر، تحت الشاشات المنورة اللي بتعلن عن رحلة أثينا. أختك منة كانت لسه في حضن أمك، ونظارتها الشمسية مرفوعة على شعرها، وأبوك شايل الشنطة الهاند باج بتاعتها كأنه بيودعها وهي رايحة تحارب مش رايحة تفصل شوية.
وبعدها أبوك حدفلك مفاتيح الشقة.
«إياك تبوظ حاجة.»
التقطتها وحطيتها في جيبك.
لا حضن. ولا سلام. ولا حد كلف نفسه يسألك إنت عايز إيه.
إنت يوسف. عندك تسعتاشر سنة، وطول عمرك كلمة “مسئول” في العيلة دي كان معناها إنك الشغال اللي ينفع يتساب لوحده.
منة أكبر منك بسنتين. من النوع اللي أول ما يدخل مكان الشغف كله يتسحب ناحيته. لما تنجح الناس كلها تسقف لها، ولما إنت تطحن نفسك في شغلانتين، يقولولك: “وررينا شطارتك أكتر.”
لما جالك قبول في تلات جامعات كبار، أبوك وأمك قالوا مش ناقصين ديون في كلام فارغ ومش مضمون.
ولما منة قررت تاخد سنة إجازة وتطلع على أوروبا، فتحوا المحوشينه كله وصرفوه عليها من غير ما يترمبلهم جفن.
لما نزلت تشتغل في الصيف عشان تساعد في مصاريف البيت، أمك قالتلك أخيراً بقيت تشيل معانا.
في نفس الصيف ده، منة كانت بتتفسح ورجعت لقيتهم عاملين لها حفلة مفاجأة.
إنت عمرك ما انفجرت.
اتعلمت تبلع القرف في سرك.
عشان كده لما قالوا «يلا بينا كلنا نروح المطار نوصل اختك»، كنت فاهم الملعوب صح.
منة طايرة على اليونان.
وإنت جاي ديكور عشان تتفرج عليهم وهما بيحتفلوا بيها، وبعدين يرجعوك البيت عشان تاخد بالك من الدنيا.
أمك طول الطريق في المطار نازلة تسرح في شعر منة. وأبوك شايل شنطتها. وإنت ماشي وراهم بتجر شنطتك، كأنك شفاف.
عند الصالة، أمك حضنت منة بحرارة:
«انبسطي يا حبيبتي في اليونان.. إنتي تعبتي وتستاهلي الفسحة دي.»
تستاهلي.
الكلمة دي معلمة جواك أوي.
افتكرت الشفتات الزيادة اللي طحنت نفسك فيها. وإقرارات الضرايب بتاعة أبوك اللي قعدت تسهر تظبطها. والسباكة اللي دفعت فيها من جيبك. افتكرت راس السنة لما سافروا كلهم الساحل وسابوك إنت لوحدك تخلي بالك من الكلب.
وبعدين أمك بصتلك:
«لازم حد يقعد ويبقى المسئول.»
أبوك حدف المفاتيح.
«إياك تبوظ حاجة.»
هزيت راسك.
ودوروا وشهم ومشيوا.
وقعدت تتفرج على التلاتة وهما بيدخلوا في طابور الطيارة.
ساعتها بس، حطيت إيدك جوه السويت شيرت.
صوابعك لمست تذكرة الطيران اللي كنت مخبيها بقالك تلات أسابيع.
صالة 7.
درجة أولى.