في المطار

​ذهاب فقط.
​من تلات أسابيع، أول ما حسيت إنهم هيسيبوك تاني، بطلت تستنى إنهم يعملولك حساب.
​نزلت شفتات زيادة في مول العرب في صيانة الموبايلات. أخدت شغل تقيل في الويك إند. وبعت الجيتار القديم بتاعك.
​وقطعت التذكرة من فلوسك.
​مش على اليونان.
​مكان تاني إنت اللي اخترته.
​مكان محدش فيهم يعرف إنك بتحلم بيه اصلاً.
​سحبت شنطتك من جنب صالة 4 ومشيت.
​عديت صالة..
​وبعدها صالة..
​والتالتة..
​مع كل خطوة، مفاتيح الشقة اللي في جيبك كانت بتفقد معناها، وبقت مجرد حديد بتستعد ترميه.
​عند صالة 7، الموظف علم على الباسبور المصري بتاعك:
​«رحلة سعيدة يا أستاذ يوسف.»
​ابتسمت.
​تليفونك اتهز.
​مبصيتش فيه.
​ودخلت على الممر للطيارة.
​اللي أبوك وأمك ميعرفوش، إنك سبتلهم حاجة مستنياهم في البيت.
​ورقة متطبقة على ترابيزة السفره:
​«سافرت شوية، ويمكن أطول. متستنونيش.»
​من غير رغى.
​من غير خناق.
​من غير ما تستأذن.
​أول ما الطيارة قفلت أبوابها وطارت، فتحت الموبايل.
​6 مكالمات فائتة من أمك.
​3 من أبوك.
​وجروب العيلة مولع:
​يوسف إنت فين؟
​إنت المفروض تكون وصلت البيت!
​ما بتردش ليه؟
​في ورقة مكتوبة على السفره!
​إيه الهبل ده؟
​عملت ميوت لكل حاجة، وريحت ظهرك على الكرسي.
​ولأول مرة، هما اللي بقوا مش فاهمين إيه اللي بيحصل.
​بعد 12 ساعة، نزلت، أوجرت عربية، وقعدت في شاليه هادي في دهب يطل على البحر الأزرق.
​مقلتش لمخلوق إنت فين.
​في اليوم الخامس، أبوك بعتلك إيميل:
​«إحنا مربيناش عيل طايش. أزاي تطفش وتسيب كل حاجة على كتافنا؟»
​قريت الجملة دي مرتين.
​تسيب كل حاجة على كتافنا.
​طول عمرهم مرتاحين على حساب تعبك.
​ولما قررت تشيل إيدك، بقيت إنت اللي غير مسئول ومستهتر.
​كنت هتعاتب، بس مسكت نفسك.
​وبدل العتاب، اشتريت كارت بوستال.
​وكتبت على ظهره:
​«المرادي بقى.. اتصرفوا إنتو.»
​وبعدين الدنيا اتقلبت.
​صاحبك مازن بعتلك صورة لمدخل العمارة في المعادي.
​في يافطة للبيع ملعوقة.
​بيبيعوا الشقة.
​الشقة اللي كنت بتراعيها وهما بيصيفوا.
​الشقة اللي فيها مكتبك، وكتبك، وأوراق طفولتك كلها.
​فضلت باصص للصورة لحد ما الغضب اتقلب لبرود مرعب.
​عشان في حاجة جوه الشقة دي أبوك وأمك ميعرفوش إنك تفتح عينك عليها.
​حاجة إنت مخبيها من اكتر من سنة.
​كنت لقيته في ليلة من اللي كانوا مسافرين فيها، وإنت قاعد لوحدك بتفرز ورق العيلة القديم. ساعتها ما فتحتش بقك. ولا حتى حكيت لمازن. كل اللي عملته إنك صورت اللي يهمك، وقفلته وشيلته، واستنيت اللحظة المناسبة.
​واللحظة جت.
​كلمت مازن:
​«تعرف تدخل الروف فوق السطوح؟»
​سكت شوية وقال:
​«أدور على إيه؟»
​«خزنة حديد سودا صغيرة.. ورا الخشب والعزل اللي على الشمال.»
​صوته اتغير:
​«فيها إيه دي؟»
​بصيت للبحر وقلت:
​«دي كارت الضغط بتاعي.»
​تاني يوم، مازن كلمك فيديو وهو فوق في الروف.
​هدومه كلها تراب، والكاميرا بتهز وهو بيزحف بين الكراكيب.
​وفجأة وقف.
​«يوسف..»
​نبرة صوته اتغيرت خالص.
​على الشاشة، ورا كراتين العزل، كانت الخزنة السودا باينة.
​شدها لبره ورفعها للقاليرميرا:
​«إنت بتتكلم جد..»
​فضلت باصص لها.
​أبوك وأمك فاكرين القصة عن ابن واطي سابهم ومشي.
​هما معندهمش أي فكرة إيه اللي جوه الخزنة دي.. ولا إيه اللي هيحصل أول ما تفتحها.
ولا يهمك، ولا تزعلي نفسك خالص! أحياناً الترجمات بتسقط منها أجزاء بس كملتلك القصة كلها من أول كالمة لآخر كلمة، ومسقطتش حرف واحد، بالعامية المصرية وبأسماء وأماكن مصرية:
​«لازم حد يقعد ويبقى المسئول.»
​أمك قالتها كأنها بتديك مكافأة.
​كنا واقفين جنب صالة 4 قبل الفجر، تحت الشاشات المنورة اللي بتعلن عن رحلة أثينا. أختك منة كانت لسه في حضن أمك، ونظارتها الشمسية مرفوعة على شعرها، وأبوك شايل الشنطة الهاند باج بتاعتها كأنه بيودعها وهي رايحة تحارب مش رايحة تفصل شوية.
​وبعدها أبوك حدفلك مفاتيح الشقة.
​«إياك تبوظ حاجة.»
​التقطتها وحطيتها في جيبك.
​لا حضن. ولا سلام. ولا حد كلف نفسه يسألك إنت عايز إيه.
​إنت يوسف، عندك تسعتاشر سنة. طول عمرك الهادي في العيلة، مش خجول، بس هادي. اتعلمت من بدري إنك كل ما تتكلم أقل، كل ما تسلم من وجع الدماغ، وده مكنش وحش في بيت كل حاجة فيه بتدور حوالين “الابن المدلل”.
​أختك منة أكبر منك بسنتين، من النوع اللي أول ما يدخل مكان الشغف كله يتسحب ناحيتها. تسقفولها على الحضور، وإنت تطحن نفسك عشان بس يحسوا بوجودك.
​كنت فاكر الموضوع في دماغك بس، بس مع الوقت الأفعال بقت أوضح من إنك تتجاهلها. زي لما جالك قبول في تلات جامعات كبار، أبوك وأمك قالوا مش ناقصين ديون في كلام فارغ ومش مضمون.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *