في المطار
ولما منة قررت تاخد سنة إجازة وتطلع على أوروبا تدور على نفسها، فتحوا المحوشينه كله وصرفوه عليها من غير ما يترمبلهم جفن. لما نزلت تشتغل في الصيف عشان تساعد في مصاريف البيت، أمك قالتلك أخيراً بقيت تشيل معانا.
في نفس الصيف ده، منة كانت بتتفسح ورجعت لقيتهم عاملين لها حفلة مفاجأة.
إنت عمرك ما انفجرت، ولا عملت هيصة. سبت الزعل يغلي جواك بالراحة كأنه حلة نسيتا على النار لحد ما المية نشفت والحاجة اتحرقت.
عشان كده لما قالوا في أول يوليه «يلا بينا كلنا نروح المطار نوصل اختك»، كنت فاهم الملعوب صح.
منة طايرة على اليونان، وإنت جاي ديكور عشان تتفرج عليهم وهما بيحتفلوا بيها، وبعدين يرجعوك البيت عشان تاخد بالك من الدنيا.
أمك طول الطريق في المطار نازلة تسرح في شعر منة وتظبط نظارتها. وأبوك ماشي وراها شايل شنطتها كأنه حارس شخصي. وإنت ماشي وراهم بتجر شنطتك، كأنك شفاف.
عند صالة 4C رحلة أثينا، أمك حضنت منة بحرارة:
«انبسطي يا حبيبتي في اليونان.. إنتي تعبتي وتستاهلي الفسحة دي.»
تستاهلي.
الكلمة دي معلمة جواك أوي. افتكرت الشفتات الزيادة اللي طحنت نفسك فيها الصيف اللي فات عشان تسدد تصليح السباكة اللي لبسوهالك. افتكرت إقرارات الضرايب بتاعة أبوك اللي قعدت تسهر تظبطها، وراس السنة لما سافروا كلهم الساحل وسابوك إنت لوحدك تخلي بالك من الكلب. إنت مكنتش بتاخد نقط، إنت كنت مجرد أداة مضمونة.
وبعدين أمك بصتلك:
«لازم حد يقعد ويبقى المسئول.»
أبوك حدف المفاتيح وقال: «إياك تبوظ حاجة.»
هزيت راسك، وقعدت تتفرج عليهم وهما بيدخلوا في طابور الطيارة.
ساعتها بس، حطيت إيدك جوه السويت شيرت. صوابعك لمست تذكرة الطيران اللي كنت مخبيها بقالك تلات أسابيع.
صالة 7A، درجة أولى، ذهاب فقط.
من تلات أسابيع، أول ما جابوا سيرة سفرية اليونان، رتبت كل حاجة في السكتة. نزلت شفتات زيادة في مول العرب في صيانة الموبايلات، أخدت شغل تقيل في الويك إند، وبعت جيتار قديم مكنتش بتلعب عليه.
وقطعت التذكرة من فلوسك، مش على اليونان، مكان تاني إنت اللي اخترته، مكان محدش فيهم يفكر يروحه، مكان ملكك إنت بس.
مقلتش لفيصل صاحبك حتى، كنت عايز اللحظة دي تبقى نضتيفة ومحدش يخربها.
وهما بيقعدوا في أماكنهم ويأكلوا مسليات الطيارة، إنت سحبت شنطتك ومشت تلات صالات، عديت التفتيش ورجلك ثابتة كأنك صاحب المكان، ولأول مرة تحس إنك فعلاً تنتمي لمكان بعيد عن الضل بتاعهم.
عند الصالة، الموظف علم على الباسبور بتاعك وابتسم:
«رحلة سعيدة يا أستاذ يوسف.»
التقل اللي على صدرك خف، ابتسمت ودخلت الممر، وموبايلك بيتهز برسايل مبصيتش فيها، عارف إنها تذكير بالزرع ولا البوسطة.
هنا بدأ الجزء التاني من الخطة. إنت مكنتش حاجز تذكرة بس، إنت سبت ورقة على ترابيزة السفره جنب قائمة أرقام الطوارئ:
«سافرت شوية، ويمكن أطول. متستنونيش. مفيش دراما ولا كلام، ده مجرد مراية.»
كنت عايزهم يقعدوا في السكوت ده، يستوعبوا إنك مش موجود، وإن الشخص اللي شايل البيت مابقاش تحتهم.
عدلت قعدتك في الكرسي، ممر ومكان واسع، وطلعت التنهيدة اللي كاتمها من سنين.
الموبايل زمر وزمر ورن، ومرديتش. فتحته بعد ما الطيارة طارت، وإنت لابس السماعات والوجبة قدامك.
لقيت 6 مكالمات من أمك، 3 من أبوك، وجروب العيلة بيغلي:
أمك: يوسف إنت فين؟ إنت مالمستش إيدينا ولا سلمت!
أبوك: إنت المفروض تكون وصلت البيت، بطل عبط ورد.
منة: هو يوسف مابيردش ليه؟ هو مشي؟