يوم راس السنة2 الاخير

حصري لصفحة روايات رولا
الفصل الخامس: تجمع الذئاب
​يوم رأس السنة طلع وتحت السما كان لونها زي الرصاص.
​مطرة متلجة فضلت تنزل من الصبح، محوطة كل فرع شجر وسلك تليفون بطبقة من التلج الهش. وأنا سايقة عربيتي في الطريق، المساحات كانت بالعافية بتمسح التلج والمية، وكانت بتخبط على الزجاج بنغمة منتظمة ورتيبة.
​ما أخدتش عربية طارق. أخدت عربيتي الهوندا الشخصية. لو احتجت أمشي، همشي بشروطي أنا، وورا دركسوني أنا.
​على الكرسي اللي جنبي كان محطوط الفايل الأكورديون التخين، ودلوقتي بقى متدعم بطباعات من كشوفات الحساب الإلكترونية، والإقرارات الضريبية المعتمدة، وكشوفات حركة الحسابات لثلاث شهور فاتوا. وفي الجيب القدامي، كان فيه الخطاب الرسمي اللي كتبته بعد ما اتكلمت مع المحامية سوزان أمس.
​تعليمات سوزان كانت واضحة وزي الكريستال: ما تزعقيش. ما تعيطيش. حطي الورق على الترابيزة وخلي الحسابات والرياضيات هي اللي تعمل الخراب والوجع.
​لما كسرت بعربيتي ودخلت شارع طنط سميرة، لقيت المشهد مكتمل والمسرح متظبط.
​عربية ندى الضخمة كانت مركونة بمعوجة في المدخل. وعربية مصطفى النقل الثقيلة كانت دايرة على الرصيف، والدخان الأبيض طالع من الشكمان في الهوا الساقع. عربية طارق كانت مركونة جنب صندوق الجوابات. وعربية بنتي إنجي كانت هناك هي كمان؛ رغم تحذيراتي ليها، جت. كانت عايزة تشهد وتشوف بنفسها.
​نزلت في الهوا الساقع اللي بيعض. ريحة الدخان والمية المطرة كانت مالية المكان. جزمتي كانت بتعمل صوت مع كسر التلج على طريق المشاية.
​ما خبطتش على الباب. على مدار سبعة وعشرين سنة، كنت بخبط على الباب ده زي الضيفة المؤدبة اللي مستنية الإذن بالدخول. النهاردة، لفيت المقبض النحاس ودخلت طوالي على الصالة.
​البيت كان دافي بزيادة وتخنق. الدفاية الجاز في صالة الضيوف كانت شغال على آخرها، ورمية خيالات برتقالي بتتهز على الكراسي الجلد والستائر التقيلة.
​كانوا كلهم هناك.
​طنط سميرة كانت قاعدة زي الملكة المتوجة على كرسيها الخشب الأخضر الكبير، ودبوس العيد الدهبي بيلمع على بلوزتها الصوف. ندى كانت قاعدة على الكنبة، ومربعة إيديها قدام صدرها بأسلوب دفاعي، وبتوشوش جوزها، اللي كان باين عليه عدم الراحة كلياً إنه موجود.
​مصطفى كان ساند على حافة الدفاية، وماسك مج قهوة في إيده، وشكله سكران وتعبان ومستعد للدفاع.
​طارق كان واقف جنب الشباك الكبير، ومدي ضهره للصالة. اول ما باب الشقة اتقفل بصوت تك، لف على عقبه، وعينيه دايقت لما شاف منظري.
​ما كنتش لابسة طقم العيد التقليدي بتاعي—الهدوم الناعمة والألوان المايعة اللي كانت بتخليني اختفي في صور العيلة. كنت لابسة بليزر صوف أسود تفصيل، وبنطلون غامق، وبوط جلد قصير.
​”أنتِ تأخرتي،” طنط سميرة أعلنتها، وصوتها كسر السكوت التقيل.
​بصيت في ساعتي. “الساعة اتنين بالظبط يا طنط.”
​”اقلعي الجاكت واقعدي،” أمرتني، وشاورت على كرسي خشب منفصل محطوط في نص الصالة بالظبط، مواجه لنص دايرة القعدة. كان شبه كرسي المتهم في المحكمة، محطوط بقصد وخبث.
​ما قلعتش الجاكت. وما قعدتش على الكرسي.
​مشيت لحد ترابيزة الصالون الماهوجني اللي في نص الاوضة، وحطيت الفايل الأكورديون التقيل على وش الزجاج الملمع، ووقفت وراه.
​”أنا مرتاحة وأنا واقفة،” قلتها.
​طارق أخد خطوتين كبار ناحيتي. “رانيا، بلاش الدراما والمسرحيات دي. إحنا هنا عشان نتكلم كلام عيلة بجد عن اللي حصل ليلة العيد. أنتِ مديونة لكل واحد في الاوضة دي بتوضيح—اعتذار.”
​”صح، مظبوط،” ندى دخلت في الكلام، ورمت شعرها المصبوغ ورا كتفها. “بناتي قعدوا يعيطوا ساعتين يا رانيا. افتكروا إن العيد اتلغى عشان البيت كان في حالة فوضى. أنتِ اتهربتي من مسؤولياتك كلياً.”
​بصيت لندى. “مسؤولياتي تجاه مين يا ندى؟ تجاهك أنتِ؟ ست عندها تسعة وتلاتين سنة وما طبختش أكلة عيد واحدة من ساعتها ما كانت في الكلية؟”
​ندى بؤها اتفتح من الصدمة. “إزاي تتجرأي—”
​”بس يا ندى،” طنط سميرة قطعتها وهي بتهز إيدها باستهتار. ولفت عينها الزرقا الساقعة عليا. “رانيا، إحنا كنا صابرين عليكِ جداً طول السنين دي. إحنا عارفين إنك جاية من… بيئة مختلفة. وعارفين إنك متوترة ومشدودة دايماً. حاولنا نعديلك ونسامحك. بس اللي عملتيه ليلة العيد كان تصرف فيه قلة أدب وترصد. أنتِ قصدتي تحرجي طارق، وبوظتي طقوس العيلة، وعملتي كده لمجرد الخبث والانتقام.”
​مالت بجسمها لقدام، وإيدها اتقفلت على دراع الكرسي.
​”بعد كل اللي العيلة دي عملته عشانك،” طنط سميرة قالتها، وصوتها نزل لنبرة مسمومة ومقدسة كانت بتستخدمها في العزومات وخناقات العيلة، “أنا شايف تصرفك ده أبعد ما يكون عن الأصول، ومنتهى الأنانية.”
​البيت كله كان كاتم نفسه. مصطفى كان باصص في جزمته. جوز ندى كان باصص في السقف. إنجي كانت قاعدة في الركن، وإيدها ماسكة حزام شنطتها لدرجة إن عقل صوابعها بياضت.
​طارق بصلي، وابتسامة شفقة ونصر ظهرت على أطراف شفايفه. كان فاكرني اتكسرت. كان فاكر إن سلطة أمه الروحية والأخلاقية هتركعني على ركبي، بالظبط زي ما حصل عشرات المرات قبل كده.
​مديت إيدي للتحت وفك القفل التقيل بتاع الفايل الأكورديون.
​صوت التكة طلع زي صوت تعمير البندقية في الاوضة الساكتة.
​”كل اللي العيلة دي عملته عشاني،” كررتها، وصوتي كان فاضي من الغضب، وفاضي من الدموع. “تعالي نراجع الجملة دي يا طنط سميرة.”
​سحبت أول رزمة ورق تقيلة.
​”ديسمبر 2023. فاتورة الأكل الجاهز من المطعم عشان عشا ليلة العيد: تسعة ألاف وستمائة جنيه. أكل ومستلزمات من السوبر ماركت: خمسة ألاف وأربعمائة جنيه. حلويات ونشويات من المخبز: ألف وثمانمائة جنيه. العربون المبدئي لمطعم الشيخ زايد اللي حضرتك أصرّيتي عليه للغدا: أربعة ألاف وخمسعمائة جنيه.”
​حدفت الفواتير والإيصالات على الترابيزة الزجاج. نزلوا بصوت طخ حاد.
​”هدايا ديسمبر للولاد ولاد أخت جوزي والأحفاد: ثمانية ألاف وأربعمائة جنيه،” كملت كلامي، وحطيت رزمة تانية. “إجمالي اللي اتصرف مني أنا في العيد: تسعة وعشرين ألف وثلاثمائة جنيه.”
​ندى مالت لقدام، ومكشرة وباصة للورق. “لحظة… بابا هو اللي كان بيلبس مصاريف الهدايا. وتيتة هي اللي كانت بتكتب الكروت.”
​ما بصيتش لندى. بصيت على طول لطارق، اللي وشه فجأة فقد كل نقطة دم.
​”هو أنت اللي دفعت حق الهدايا دي يا طارق؟” سألته.
​طارق اتنحنح، ونقل جسمه من رجل لرجل. “رانيا، الكلام ده مش مظبوط يتقال هنا. إحنا اتفقنا إن دي مصاريف بيتنا المشترك—”
​”أنت ما دفعتش مليم واحد يا طارق،” قطعت كلامه، وصوتي علي سنة، ونزل زي المشرط في الجو التقيل. “أنا اللي اشتريت. وأنا اللي اخترت. وأنا اللي غلفت بورق أنا دافعة ثمنه، وبسوليتيب أنا دافعة ثمنه. وأنت سبت أمك تكتب اسمها على الكروت وأنت بتقول لبنتنا إني مفيش مني فايدة وما بساهمش في العيلة.”
​إنجي وقفت من على الكرسي، ووشها كان متغطي بالغضب. “بابا! أنت قلتلي إن ماما مهملة في الفلوس! قلتلي إنها بتضيع الفلوس على اللبس!”
​”إنجي، اقعدي!” طارق زعق بصوت مكتوم.
​”لأ يا طارق،” قلتها. “إنجي هتفضل واقفة. وأنا كمان هفضل واقفة.”
​مديت إيدي جوه الفايل تاني، وسحبت كشوفات الحساب بتاعة الست شهور اللي فاتوا اللي كنت معلمة عليها بالقلم الفسفوري الأصفر.
​”تعالوا بقى نتكلم عن الإهمال في الفلوس والمصاريف،” قلتها، وأنا بقرب أكتر من الترابيزة. “تعالوا نتكلم ليه الفلوس كانت زنقة ومقنكة لدرجة إننا ما عرفناش نصلح التكييف في الصيف. تعالوا نتكلم ليه ما عرفتش أجيب بالطو للشتا.”
​قلبت أول صفحة ناحية طنط سميرة.
​”14 أغسطس: اشتراك نادي الجولف، أربعة ألاف جنيه. 22 أغسطس: أدوات رياضية، خمسة ألاف جنيه. 3 سبتمبر: تذاكر ماتش الأهلي، تسعة ألاف جنيه. عومات وأكل في مطاعم حاتي وفنادق في وسط البلد: ستة عشر ألف جنيه على مدار تمان أسابيع.”
​طنط سميرة برقت، وهيبتها الأرستقراطية بدأت تتفركش من الأطراف. “طارق… إيه الكلام اللي بتقوله ده؟”
​”دي مصاريف شغل وعزومات عملاء يا ماما!” طارق اتلعثم، وقرب من الترابيزة وهو بيمد إيده ياخد الورق. “أنا بنزل الحاجات دي من الضرايب!”
​”أنت ما بتنزلهاش من الضرايب،” رديت، وسحبت الورق بعيد عن إيده. “أنا اللي بعمل إقرارنا الضريبي يا طارق. فاكر؟ الحاجات دي اتسحبت من حسابنا الشخصي، مش من كارت الشغل. أنت صرفت فوق الخمسين ألف جنيه على فسحك الشخصية وأنت بتقولنا إننا على باب الله ومش لاقيين ناكل.”
​”طب وإيه يعني؟” مصطفى اتكلم من جنب الدفاية، وصوت خشن وناشف. “طارق بيحب الجولف والفسح! إيه علاقة ده بإنك تلغي عزومة العيلة كلها وتفضحينا؟”
​لفيت دماغي بالبطيء ناحية مصطفى.
​سكوت مرعب ومفترس نزل على الاوضة وأنا بمد إيدي في الجيب القدامي للفايل وبطلع الورقة الوحيدة اللي طبعتها من البنك.
​”ليها كل العلاقة بالعيد يا مصطفى،” قلتها بصوت هادي. “عشان يوم 14 سبتمبر، فيه ثمانين ألف جنيه اتحولوا من حساب توفيرنا المشترك لحساب خاص مقفول.”
​مصطفى اتجمد في مكانه. المج اللي في إيده بدأ يترعش بشويش.
​”طارق قال لي إن الفلوس دي راحت،” قلت وأنا ببص بين الأخين. “قال لي إن البنك عمل غلطة. بس هي ما كانتش غلطة، صح يا طارق؟”
​طارق ما نطقش. كان باصص للسجادة، وصدره بيطلع وينزل بصعوبة.
​”طارق أدالك الثمانين ألف جنيه دول يا مصطفى،” قلتها. “صح؟”
​طنط سميرة شهقت، وإيدها طارت لرقبتها. “إيه؟”
​وش مصطفى اتغير من أصفر للون أرجواني يخوف. “رانيا، الموضوع ده كان بيني وبين طارق. أنا كنت مزنوق في أقساط العربية وشوية ضرايب متأخرة. وكنت هردها له!”
​”امتى يا مصطفى؟” سألته، وصوتي كان بيبكش حججه الهبيلة. “امتى كنت هتردها؟ كمان عشر سنين؟ ولا عمرك ما كنت هتردها؟ في الوقت اللي أخوك كان بيفهمي إننا معاكوش نجيب طلبات البيت؟”
​”أنتِ كنتِ تعرفي عن الموضوع ده يا طنط سميرة؟” لفيت وشي للملكة المتوجة.
​طنط سميرة كان شكلها كأن حد ضربها بقماشة مبلولة على وشها. عينها كانت بتروح وتيجي بين مصطفى وطارق، وإيدها بتهتز في حجرها بقلة حيلة. “أنا… طارق قال لي إن مصطفى محتاج مساعدة… بس أنا افتكرت إنها من مكافأة طارق الشخصية…”
​”ما كانش فيه مكافآت،” قلتها ببرود. “دي كانت تحويشتنا. تحويشتي أنا.”
​سحبت آخر ورقة من الفايل—إيميل مطعم الشيخ زايد.
​رفعتها بين صباعين زي ما أكون ماسكة زبالة معدية.
​”ونيجي بقى للصبح النهاردة،” قلت وأنا بصة في عين جوزي المباشرة. “الساعة تمانية وأربعين دقيقة الصبح، في الوقت اللي عيلته قاعدين بالبيجامات بيشتكوا من الوافل الناشف، طارق دخل مطعم الشيخ زايد. وراهم صورة لكارت الفيزا الشخصي بتاعي للمدير، وحاول يسحب تسعة ألاف جنيه عشان يغطي رسوم الإلغاء.”
​ندى شهقت. جوزها قال بصوت واطي “يا نهار أسود” ولف وشه الناحية التانية.
​”أنت حاولت تستخدم كارتي يا طارق،” همست بيها، والسكوت في الاوضة كان تقيل لدرجة إن تكتكة الساعات كانت طالعة زي خبط المرزبة. “بعد ما قلت لي إني مفيش مني فايدة. بعد ما قلت لي إني بوظت عيدك. كنت لسة فاكر إنك تقدر تمد إيدك في شنطتي وتاخد اللي أنت عايزه عشان تنظف العك بتاعك.”
​طارق انهار على طرف الكنبة. غطى وشه بإيديه الاتنين، وكتفه اتكفى لقدام.
​”أنا كنت بحاول أصلح الموضوع،” قالها بصوت مكتوم في كفوفه. “افتكرت… افتكرتك هتهدي وترجعي لطقوسك. أنتِ دايماً بتهدي وترجعي.”
​أهي ظهرت.
​الحقيقة المجردة لسبعة وعشرين سنة جواز، ممسوح منها كل الأعذار والتبريرات والكذب.
​أنتِ دايماً بتهدي وترجعي.
​أنا كنت شبكة الأمان اللي عمرها ما كان المفروض تتكسر. أنا كنت الخدامة اللي عمرها ما كان المفروض تستقيل.
​بصيت حوليا في الاوضة. ندى كانت بصة للأرض، ومخروسة تماماً. مصطفى كان ماسك في حافة الدفاية، وبيتنفس بصعوبة، وشكله زي الحرامي اللي اتمسك متلبس. طنط سميرة كانت غاطسة في كرسيها الأخضر، وهيبتها المفتعلة اتدمرت خالص، وبقت باينة ست عجوزة، ضعيفة، ومكسورة.
​”أنا مش ههدي ولا هرجع يا طارق،” قلتها.
​والسكوت اللي جه بعد الكلمة دي كان تقيل لدرجة يكسر العظم.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *