أهل جوزي أصروا إنّي أقعد على ترابيزة لوحدي

حصري لصفحة روايات رولا
​خلال إجازة العيلة، أهل جوزي أصروا إنّي أقعد على ترابيزة لوحدي. محدش اتكلم معايا طول الرحلة. لما سألت جوزي، هز كتافه وقال: “هما طبعهم كده.” ابتسمت وقلتله: “تمام، وأنا كمان ليّا طبعي وطريقتي.” التاني يوم الصبح، اكتشفوا اللي أنا عملته—والهلع مسك فيهم كلهم…
​أنا طول عمري بشوف نفسي شخصية هادية ومبتعملش مشاكل، بس إجازة العيلة دي بجد اختبرت آخري وطاقتي.
​اسمي إيما (أو سميها إنجي). عندي 29 سنة، واتجوزت جوزي “مازن” من سنتين. مازن جاي من عيلة كبيرة ومترابطة أوي. ورغم إنّي طول عمرها بحاول أتأقلم معاهم وأتقرب منهم، بس الأمور عمرها ما كانت سهلة.
​هما، يعني، خلينا نقول دقة قديمة شوية ومحافظين، وطول الوقت كنت بحس نفسي غريبة ومش وسطهم في أي لمة عيلة. بس الإجازة دي بالذات، جابت آخرها وعدت كل الحدود.
​بدأت زي أي رحلة عادية. كلنا كنا قاعدين في فيلا كبيرة وجميلة على البحر في الساحل الشمالي لمدة أسبوع، عشان نحتفل ببدلة عيد ميلاد باباه الـ 60. طنط “كاريمة” عمة مازن، وعمه “فاروق”، مع أخواته الاتنين بعيلتهم، وشرذمة تانيين من القرايب، كلهم كانوا هناك.
​كان فيه ناس كتير جداً، وساعتها قلت في نفسي: “هي دي الفرصة اللي نقرب فيها من بعض ونفك الوش.”
​قد إيه كنت غلطانة ومخدوعة!
​كان المفروض أعرف إن فيه حاجة غلط من أول دقيقة وصلنا فيها. السكة كانت طويلة أوي، وكنت مهدودة وتعبانة من السفر باللاندكروزر ساعتين وتلاتة في الطريق. أول ما وقفلنا قدام الفيلا، أنا ومازن اتستقبلنا بحضن دافي المعتاد من أمه “كريمة” وباباه “فاروق”.
​هما ناس كويسين يعني في الظاهر، بس طول عمرها عندي الرغبة الغريبة دي إنهم بيبصوا عليا من بعيد ويحكموا عليا. يمكن عشان أنا مش من النوع العائلي أوي، شخصيتي هادية وبيتوتية شوية مقارنة بالعيلة الزيطة والدوشة بتاعة مازن.

​بس طنشت الأفكار دي وحطيتها على جنب. في الآخر، إحنا جايين نحتفل بعيد ميلاد باباه، صح ولا لأ؟
​أول ليلة كانت قعدة ودية خفيفة. الكل كان متجمع في الريسبشن بيلغوا ويضحكوا، بس أنا على طول حسيت إن فيه سد عالي بيني وبينهم كلهم. محدش كان بيكلمني بقلة أدب صريحة، بس كان باين أوي إنّي مش في الحسبة ومحدش بيدخلني في الكلام.
​كل ما أحاول أدخل في أي حوار، يغيروا الموضوع بسرعة، وقبل ما أخد بالي ألاقي نفسي قاعدة زي الشبح وسطهم.
​واللي زاد وطين المشكلة إن مازن، اللي المفروض بيلعب دور الحمامة والسفير بيني وبينهم، كان سارح تماماً مع أخواته وعيالهم. يعني، أنا مقدرة إنه عايز يقعد مع أهله ويقضي وقت معاهم، بس الموضوع وصل لدرجة إنّي بقيت شفافة.
​بعد شوية، مقتدرتش أستحمل وقررت أطلع للتراس بره أخد نفسي وأشم هوة.
​وانا طالعة، سمعت مازن بيتكلم مع أمه.
​مازن كان بيقولها: “هي مش عارفة تتأقلم يا أمي. أنتِ عارفة طبعهم هما، مش أحرار ومش ودودين أوي.”
​وقفت في مكاني ومقدرتش أتحرك.
​كلماته كانت زي السكينة، بس بلعت الوجع وسكت. قلت لنفسي هو بيكلم بصراحة بس، صح؟ مش يقصد يضايقني.
​بس جوه قلبي، مكنتش عارفة أخلص من الإحساس إن الأسبوع ده هيكون طويل وتقيل على قلبي أوي.
​تاني يوم، الموضوع مأتحسنش خالص، بالعكس.
​نزلنا كلنا عشان نفطر في السفرة الكبيرة بتاعة الفيلا. دخلت ومن أول ثانية حسيت بسكوت مريب وسويد في الأوضة. الترابيزة كانت مفروشة، وكان فيه كراسي تكفي الكل ما عدا أنا.
​الكرسي الوحيد اللي فاضل كان في أخر الترابيزة خالص، بعيد عن الباقيين كلهم.
​الكل كان قاعد وبيأكل وبيضحك كأنهم قاعدين من ساعات، وأنا واثقة مش عارفة أروح فين ولا أقعد فين. بصيت لمازن، بس ولا كان هنا ومأخدش باله أصلا.
​فمشيت بالراحة ورحت للكرسي الفاضي البعيد ده، وبحاول على قد ما أقدر أختفي وأبقى مش باينة.
​والأكل شغال، حاولت أفتح كلام مع أي حد.
​سألت: “هو الجو شكله إيه بكرة؟ فيه بحر ولا حار؟” كنت متأملة أفتح كلام مع طنط “سوسن”، بس هي يلا بالكاد ردت عليا.
​قالتلي وهي باصة في طبقها من غير ما ترفع عينها: “تقريباً هيكون كويس.”
​التنشنة في الأوضة كانت تتطوع بالسكينة، بس محدش كان فارق معاه.
​قعدت أنكش في الأكل، وحاسة أكتر وأكتر إنّي مش في مكاني ومش تبعهم. كل ما أحاول أعمل “أقرب” مع حد، إما يدور وشه أو يشوف أي حاجة تانية يركز فيها.
​كانت عاملة زي لعبة البطاطس السخنة، كل واحد بيرميني للتاني من غير ما يحسوا.
​في لحظة، “كريمة”، أم مازن، رمت كلمة سم.

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *