رجعت متاخر

رجعت البيت متأخر من شفت المستشفي وسط موجة برد وسقعة قارصة. أبويا كان قافل الباب: “الميعاد أخره عشرة بالليل. والتعليمات مش بتتلغي.” نمت في عربيتي في درجة حرارة تحت الصفر. في طريقي وأنا داخلة، كنت وقفت عشان أنقذ راجل غرقان في تلة تلج. والتاني يوم الصبح، لقيت عربية أخبار وناس واقفة قدام البيت. أمي فتحت الباب وهي لابسة الروب وسمعت المراسل بيسأل: “هو ده بيت الممرضة اللي نامت في عربيتها؟”

​وقفت هناك باليونيفورم بتاع المستشفي، وبص بخط إيده اللي أنا عرفاه كويس. تلات جمل مترتبين. وتلات كذبات متفبركين بعناية. وكلهم عشان يحموا السمعة اللي قضى ست وعشرين سنة بيبنيها.

​أنا كايلا مرسص (أو هند مثلاً بالمصري). عندي ٢٤ سنة، ممرضة في مستشفي إقليمي في محافظة المنوفية، ولحد الصبحية دي، قضيت أغلب عمري وأنا مؤمنة إن البنت البارّة هي اللي مش بتزعل أبوها أبدًا.

​خصوصًا لما الموضوع بيتعلق بقواعده الصارمة.

​الليلة اللي قبلها، عاصفة تلجية ضربت وسط الدلتا. اتنين من تمريض النوبة مصلوش المستشفي، ورئيسة التمريض طلبت مني أمد الشفت بتاعي. العيانين كانوا مستنيين. والناس كانت محتاجة مساعدة.

​الساعة كانت ٨:١٥، بعثت لأهلي رسالة إني هأتاخر.

​أمي ردت عليا بقلب صغير.

​وأبويا رد بكلمة واحدة.

​”اقري.”

​عشت تحت طوعه وقواعده لمدة ثمانية عشر شهر من ساعة ما اتخرّجت من كلية تمريض. كنت بدفع ٦٠٠ جنيه (أو بالمصري ٦٠٠٠) إيجار شهري عشان أعيش هناك، وكمان مبلغ لقسط العربية الكورولا اللي مكتوبة باسمه. وكنت بعمل شير لموقعي على التليفون، وأستأذنه لو حد جه زارني، وبدخل البيت قبل الساعة عشرة بالليل.

​أما أخويا الصغير، طارق، فمكندش عليه أي قيود من دي خالص.

​كنت نادرًا ما بشتكي. كنت بحوش فلوس، وبخلص قروض الكلية، وبخطط بهدوء إني أستقل وأمشي في شهر يونيو.

​بس الليلة دي، كل حاجة اتغيرت.

​على طريق كفر شكر (أو أي طريق إقليمي)، كشافات العربية لمحت نور إشارات عطل مدفون جوه كومة تلج. راجل مسن عربيته دخلت في ترعة أو حفرة ومش قادر يطلع. جبهته كانت مجروحة، ومضغه مكسور، والبرد كان بيقتل ببطء.

​اسمه عم حسن.

​طلبت الإسعاف، وساعدته يطلع وطلعته في العربية الدافاية بتاعتي. لفيت عليه الجاكيت بتاعي وفضلت قاعده معاه لحد ما الإسعاف وصلت.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *