رجعت متاخر
”هي دي الممرضة اللي وقفت على طريق ٧٥؟”
على الساعة تسعة الصبحية اللي بعدها، أمي كانت هتفتح نفس الباب وهي لابسة روب الحمام لست ماسكة في إيدها مايكروفون.
أهلاً بيكم من جديد في قصص دراما هادية. هنا بنحكي قصص عائلية عن ستات هادية بيبطلوا ينكمشوا، ويحموا اللي بيفرق معاهم، ويبنوا حياة أهدى بشروطهم هم. فـ صبوا حاجة سخنة، واقعدوا براحتكم، وخليكم معايا لحد آخر دقيقة. سيبوا كومنت ومتنسوش تشتركوا.
الساعة سبعة وخمس دقايق بالليل، رئيسة التمريض حطت إيدها على كتفي وقالت لي إني مش رايحة البيت.
سميحة جلال كانت مسؤولة عن قسم الطوارئ في المستشفي الإقليمي في المنوفية من ١١ سنة، وقالتها بالطريقة اللي بتقول بيها كل حاجة، بلطف ومن غير ما تدي مجال للنقاش.
—————————————
أبويا كان لازق الورقة على الباب الخارجي. فـ أول حاجة شفتها الساعة اتناشر وعشرة، والتلج واصل لحد ساقي، كان خط إيده:
“الميعاد أخره عشرة. والتعليمات هي هي.”
مفتاحي لف، والباب اتفتح تلات بوصات بس ووقف عند السلسلة. مكنش معايا الجاكيت بتاعي عشان سبته ملفوف حوالين الراجل الغريب في عربية الإسعاف. اليونيفورم بتاعي كان مبلول من الركوع في الترعة، والراديو قال إن الحرارة هتنزل لاتناشر تحت الصفر على الساعة تلاتة.
مخبطش. رجعت لعربيتي، وبصيت على البنزين، وحفرت التلج من الشكمان بإيدي العريانة، زي ما عملت للراجل الغريب من ساعة. كنت ممرضة وعارفة الشكمان المسدود ممكن يعمل إيه في حد نايم.
تليفوني رن من رقم معرفوش:
“هي دي الممرضة اللي وقفت على طريق ٧٥؟”
على الساعة تسعة الصبحية اللي بعدها، أمي فتحت نفس الباب وهي لابسة الروب لست ماسكة مايكروفون.
بدأ الموضوع لما رئيسة التمريض دمجت الشفت بتاعي: “معلش يا هند، اتنين تمريض محبوسين على الطريق الإقليمي، وعربية كسح تلج انقلبت. محتاجاكي لحد ما حد يوصل.”
الطوارئ كانت مليانة. الساعة ٨:١٥ بعت لجروب العيلة: “مضطرة أمد الشفت، الطريق واقف وهتأخر، آسفة.”
أمي بعتت قلب، وبعدها بدقيقة أبويا رد: “اقري.”
سميحة رئيسة التمريض سألتني: “أبوكي تاني؟” هزيت رأسي. قالتلي: “مكان شفت بالليل لسه فاضي، من ٧ بالليل لـ ٧:٣٠ الصبح، وبزيادة في المرتّب، ومحدش هيستناكي بالبيت.”
رديت بنفس الإجابة: “ما أقدرش، قواعد البيت.”
سلمت الحالات الساعة ١٠:١٥، ونضفت العربية واتحركت ١٠:٢٥. وأنا سايقة كنت بكرر جملة أقولها لأبويا: “آسفة يا بابا، مكنش ينفع أسيبهم، كانوا محتاجيني.”
على طريق كفر شكر، شفت نور إشارات عطل جوه الترعة. راجل مسن عربيته غرزت، جبهته مدمية ومؤنس يده مكسور.
اسمه عم حسن، ٧١ سنة، كان سواق بلدوزر طرق سابقاً: “أنا زمان كنت بنظف الطريق ده!”
طلبت الإسعاف، ورفعته للعربية، ولفيت الجاكيت بتاعي عليه وبطانية الطوارئ. الإسعاف أخدته الساعة ١١:٣٨ بالجاكيت بتاعي.
رجعت البيت الساعة ١١:٥٥، ووصلت للباب ١٢:١٠، لقيته مقفول بالسلسلة.
كلمت أبويا وأمي محدش رد. الساعة ١٢:٣١ أمي بعتت: “آسفة يا بنتي، سبي العربية شغالة. أبكي متمسك برأيه، البيبان هتفتح الساعة ٦.”
عشت تحت قواعده ١٨ شهر من بعد تخرجي، بدفع ٦٠٠٠ جنيه إيجار شهري ومبلغ لقسط العربية الكورولا اللي باسمه، وبدخل قبل ١٠ بالليل. بينما أخويا طارق (٢٠ سنة) يدخل ويخرج براحته.
قعدت جوه العربية أراجع الشكمان كل ٥٠ دقيقة وأشغل الدفاية.
الساعة ١:٠٠ داليا بنت عم حسن كلمتني تطمن، وسألتني لو وصلت البيت بسلام. كتبت لها أول كذبة عشان أحمي صورة أبويا: “أيوه، في البيت.”
الساعة ١:٢٠، عربية طارق الحمرا دخلت، وباب الجراج اتفتح قبل ما يدوس الريموت. بصيت من شباك المطبخ، لقيت أبويا واقف ماسك مج القهوة وبيفتحله! كان صاحي وعارف إني برة في الثلج!
بعت لطارق: “افتحلي الباب.”
رد ١:٢٤: “بابا قال لأ، وقال إنه قاعد في المطبخ. أنا استأذنته قبل الساعة ١٠ أستنى الموجه تعدي عند صاحبي. آسف يا ختي.”
كلمت داليا تاني لما سألتني، ومرضيتش أكذب المرة دي: “أنا في العربة قدام البيت، أبويا قافل الباب عشان الميعاد.”
داليا طارت وجتلي، جابتلي قهوة وجاكيتي وبطانية جيش قديمة بتاعة عم حسن، وقعدت معايا.
الساعة ٦:٠٠ الصبح، السلسلة اتفكت. دخلت، أبويا قال هادي: “صباح الخير، أهو عرفتي إن القواعد بتمشي.”
قلتله: “طارق دخل ١:٢٠.”
رد: “طارق استأذن قبل ١٠، أنتِ أعلنتي. فيه فرق بين الاستئذان والإعلان. القواعد هي اللي بتحميكي.”
الساعة ٨:٤٥، الجرس رن. أمي فتحت بالروب، لقيت مراسلة قناة المحور مع مصور: “هو ده بيت الممرضة اللي نامت في عربيتها؟ القصة نزلت على صفحة المخبز واعملها ٣٠٠٠ شير!”
أبويا نزل بسرعة، وقال للمراسلة: “فيه سوء فهم، بنتي مش فاضية.” وبصلي بغضب وقال: “على المطبخ!”
إداني كارت عليه ٣ جمل أقولهم للصحافة: “القفل اتجمد، وأنا اخترت أصبر في العربية للصبح.”
قلتله: “القفل مكنش متجمد، السلسلة كانت متركبة.”
قال بنبرة تهديد: “العربية باسمي، والبيت بتاعي، فكري كويس عايزة تحافظي على إيه.”
طلعت كلمت داليا، اعتذرتلي إنها نزلت المنشور، قلتلها: “أنا اللي هقرر أقول إيه عن حياتي.”
نزلت للمراسلة، وحكيت عن عم حسن ونصايح الطريق، ولما سألتني: “هل فعلاً اتقفل في وشك الباب ونمتي في العربية؟”
بصيت لأبويا وقلت هادية: “أيوه، وصلت ١٢:١٠ والسلسلة كانت متركبة. مش حابة أتكلم عن عيلتي، حابة أتكلم عن عم حسن.”
بالليل اتفرجنا على النشرة. أبويا قفل التليفزيون، ونادانا المطبخ: “الناظر كلمني، ٣ أولياء أمور اشتكوا، وبتساءلوا إزاي هقود طابور الصباح! قدامك تكتبي تكذيب للقصة أو تعزلي لجمعة الجاية والعربية تفضل هنا.”
بصيت لطارق: “طارق، بابا فتحلك الجراج الساعة كام امبارح؟”
أبويا خبط الترابيزة: “ملوش لزمة!”
قلت: “بسال طارق.”
طارق قال بصوت واطي: “١:٢٠.. وبابا كان واقف وفتحلي قبل ما أدوس الزرار.”
أمي بصت لأبويا بذهول: “أنت كنت صاحي؟ وقلتلي انك قفلت تليفونك ونمت ومش بإيدنا حاجة للساعة ٦؟!”
أبويا حاول يلم الموضوع ومسك القلم وغير الورقة المطبوعة: “خلاص، خليها ١١ بالليل، وفي أيام الشغل ١٢، بشرط تبعتي رسالة قبل ١٠.”
أمي قالت: “١١ كويس يا هند، صح؟”
طلعت كارت المستشفي، ومفتاح البيت، ومفتاح العربية، وحطيتهم على الترابيزة: “الموضوع عمره ما كان عن الساعة يا بابا. أنت قعدت في المطبخ وقررت تسيبني أتجمد عشان تطلع صح. العربية اهيه باسمك، وأنا مش هنام في مكان ممكن أتقفل بره منه.”
سألني بغضب: “وهتروحي فين من غير عربية وفي الوقت ده؟”
اتصلت بداليا: “الشقة اللي فوق لسه فاضية؟”
قالتلي: “المفتاح تحت المشاية، أنا جاية أخدك.”
لميت حاجتي في ٤٠ دقيقة، طارق ساعدني ينقل الصناديق لعربية داليا وهو بيبكي، وأمي حضنتني وودعتني.
دلوقتي، نقلت للوردية الليلية بمرتب أعلى، اشتريت عربية سوبارو مستعملة من تحويشتي، وأجّرت الشقة فوق عم حسن بعقد رسمي. أمي بتزورني كل أسبوع، وطارق بعتلي يتأسف. وأبويا بعتلي مرة واحدة: “تعالي اتغدي معانا يوم الأحد لو تحبي”، ماردتش عليه إلا بشرط: “لما تقدر تقوللي إيه اللي حصل الليلة دي بأسلوبك وبكلماتك، ساعتها هجي.”
النهارده وأنا راجعة من شفت الليل، حطيت المفتاح في الباب، اتفتح على آخره.. مفيش سلسلة، ومفيش حد مستني يقيّم استئذاني، بيباني أنا اللي بحدد قواعدها.