حصري لصفحة روايات رولا

الجزء الأول: الشرخ في جدار العائلة
​لطالما كان زوجي، ماركوس، يرى في أخته الصغرى بريانا ابنته التي لم ينجبها، وليست مجرد أخت تنتمي إلى نفس الدم. كانت “الطفل المعجزة” الذي جاء إلى العائلة بعد سنوات طويلة من الحزن، الفقد، والانتظار المرير من قبل والديهما الراحلين. عندما رحل والداهما، تولى ماركوس زمام الأمور تماماً؛ أصبح لها الأب، الأخ، والسند، يتفانى في رعايتها وتلبية كل رغباتها مهما كانت صعبة أو مكلفة. لذلك، عندما تقدم خطيبها توم لطلب يدها وتمت خطبتهما، كان ماركوس أول من وقف بابتسامة فخر تملأ وجهه، ليعلن أمام الجميع تكفله الكامل بكل مصاريف زفافها الأسطوري، من حجز الفندق الفاخر إلى فستان الزفاف المصمم خصيصاً لها. وافقتُ بحب ودعم كاملين، وكنت سعيدة لأجلها من كل قلبي، وساعدتها في اختيار بعض التفاصيل، ولم أكن أعلم أن هذا الكرم المطلق سيكون السكين الحاد الذي يطعنني في ظهري من الشخص الذي اعتبرته شقيقتي الصغرى.
​قبل أسبوع واحد من حفل توديع العزوبية المنتظر، كنا نمر بالقرب من شقتها الجديدة، فاقترح ماركوس بنبرة حنونة أن نمر لنترك لها بطاقة تهنئة مميزة وهدية بسيطة اشترتها لها خصيصاً لتفاجئها. صعدنا السلالم والبهجة تملأنا، وعندما وصلنا، وجدنا الباب الخارجي موارباً ولم يكن مغلقاً بإحكام. قبل أن نهم بالطرق، تناهى إلى مسامعنا صوت ضحكاتها العالية المألوفة القادمة من المطبخ، حيث كانت تتحدث مع صديقتها المقربة ووصيفتها الأولى، تاشا.
​توقفت خطواتنا تلقائياً عندما سمعنا اسمي يتردد في حديثهما. قالت بريانا بنبرة ساخرة مليئة بالاستعلاء: “بالطبع اضطررت لدعوتها يا تاشا، فأخي هو من يدفع كل مليم في هذا الزفاف الأسطوري! من قاعة الحفل إلى بوفيه الطعام، لو لم أدعها لربما يغضب ماركوس. لكنها حرفياً تبدو كالحوت بجانبنا جميعاً.. جسدها أصبح ضخماً ووممتلئاً بشكل مقزز، سأحرج كثيراً لو ظهرت في صور زفافي وتخرب اللقطات الجمالية”.
​ضحكت تاشا بنبرة خبيثة وقالت: “يا إلهي، هذا فظيع! وما العمل إذاً؟ هل ستتحملين وجودها وثقل حركتها في الحفل؟”.
​تابعت بريانا بخبث وحماس شديد، وكأنها عثرت على كنز: “لدي فكرة عبقرية! سأقوم بتغيير مكان حفل توديع العزوبية، وسأحجز في حديقة مائية ضخمة. هي أضخم وأكثر خجلاً بكثير من أن تجرؤ على ارتداء ملابس السباحة ومواجهتنا بجسدها هذا. سترفض القدوم من تلقاء نفسها بمجرد رؤية المكان، وبذلك توفر علينا رؤية منظرها، ونبدو نحن الرشيقات في أبهى صورة دون إحراج!”.
​في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروقي، وشعرت بغصة حارقة خنقت أنفاسي وكأن جداراً سقط فوق صدري. التفت بنظرات مكسورة نحو ماركوس، ورأيت منظراً لم أره طوال سنوات زواجنا؛ كان فكه قد تشنج بقوة، وعيناه اللتان كانت تشعان حناناً تحولتا إلى كتلة من الغضب الصامت والجمود الجليدي. لم ينطق بحرف واحد، ولم يطرق الباب، بل أمسك بيدي بقبضة قوية دافئة، وقادني بهدوء مميت عبر الممرات، وعاد بي إلى السيارة. طوال طريق العودة، كان الصمت يبتلعنا، وما إن وصلنا إلى حدود منزلنا، حتى انهرت تماماً وانفجرتُ باكية بنحيب مزق سكون المكان.
​ما لم تكن بريانا الأنانية تعرفه — وما لم يلاحظه أو يشعر به أحد في هذا العالم سوى زوجي المحب ماركوس — هو أنني كنت أعيش أسوأ كوابيسي النفسية والجسدية؛ لقد فقدت طفلنا المنتظر قبل ستة أسابيع فقط إثر إجهاض مفاجئ ومؤلم في الشهر الرابع. كان جسدي قد تغير بعنف بفعل الهرمونات المتضاربة، وبقايا الحمل المبتور، واحتباس السوائل الناتج عن الحزن والأدوية. كنت أقف كل صباح أمام المرآة، والدموع تنهمر من عيني عجزاً وحزناً على طفل رحل قبل أن يرى النور، وعلى جسد مشوه لم أعد أعرف نفسي فيه.
​وصلتني دعوة الحفل بعد يومين عبر رسالة نصية باردة تحتوي على موقع الحديقة المائية، واعتذرت لها على الفور مدعية التعب، تماماً كما خططت بريانا الخبيثة وتوقعت.
​الجزء الثاني: صباح المواجهة ودرس ماركوس (توسيع الأحداث)
​في صباح يوم الحفل الموعود، استيقظت والهموم تثقل كاهلي. دخلت الحمام وجلست على الأرض، وأمسكت وجهي بيدي وأجهشت بالبكاء مجدداً، متذكرة كلمات بريانا القاسية عن جسدي الذي كان قبل أسابيع وعاءً للحياة. في هذه الأثناء، تحرك ماركوس بهدوء، واقترب مني في الحمام وعيناه تحملان مزيجاً من الحزن العميق والإصرار الرهيب. انحنى وقبل رأسي، ثم وضع حقيبة ملابس أنيقة وفاخرة تحمل شعار أحد المتاجر الراقية على الرخام بجانبي.
​ماركوس (بصوت هادئ ومنخفض، لكنه يحمل نبرة أمر لا تقبل النقاش): “استعدي يا حبيبتي، أمامكِ خمس عشرة دقيقة فقط لتبدلي ملابسكِ”.
​نظرت إليه وعيني حمراوان منتفختان، وقلت بصوت مرتجف مستسلم: “ماركوس، أرجوك.. ارحمني، لن أذهب إلى تلك الحديقة المائية. لن أتحمل نظرات السخرية من بريانا، ولا همسات صديقاتها، ولا شفقة الآخرين. دعني هنا في حزني”.
​ماركوس (وهو يمد يده ليساعدني على النهوض، ويمسك مفاتيحه وعيناه تلمعان بتصميم حاسم يشبه العاصفة): “أعلم أنكِ لن تذهبي بمفردكِ لمواجهة هؤلاء الحثالة، نحن سنذهب معاً يداً بيد. درس بريانا اليوم سيكون قاسياً جداً، وسيجعلها تدرك حدودها. قسماً بمن أحل القسم، ستدفع ثمن كل دموعة ذرفتها في هذا الحمام وثمن كل جرح تسببت فيه لقلبكِ الطاهر”.
​بعد أربعين دقيقة من القيادة الصامتة التي شحن فيها ماركوس كل طاقته، وصلنا إلى المنتجع المائي الفاخر. كان ماركوس قد اشترى لي دون علمي — بالاستعانة بمقاساتي الجديدة — ملابس سباحة راقية جداً، محتشمة ومصممة بذكاء من قماش يخفي العيوب ويوحي بالأناقة الأرستقراطية، أرفقها برداء حريري طويل يتماوج مع الهواء. عندما ارتديتها، شعرت بأنها أعادت لي جزءاً كبيراً من كبريائي وثقتي المفقودة. سرنا عبر البوابة الرئيسية، وكان ماركوس يمشي بخطوات واثقة، ظهره مفرود، والكبرياء والشموخ يملآن ملامحه وكأنه ملك يقود ملكته.
​كانت بريانا ووصيفاتها السبع يجلسن في منطقة “الفي آي بي” الخاصة، حول طاولة ضخمة ممتلئة بعصائر الكوكتيل الملونة، البالونات، والزينة الفاخرة، يضحكن بصوت مرتفع ويتحدثن عن تفاصيل الزفاف. وعندما عبرنا الممر ووقعت عيناها علينا، تلاشت الضحكة من وجهها في أجزاء من الثانية، وانفتح فمها بصدمة وذهول شلّ حركتها تماماً. تحول وجه بريانا إلى اللون الأصفر؛ لم تكن تتوقع أبداً أن أمتلك الشجاعة لأجرؤ على الحضور بعد خطتها الخبيثة، ولم تتوقع في أقصى كوابيسها وجود شقيقها، الرجل القوي، وسط حفلتها النسائية الخاصة.
​ساد صمت مفاجئ بين الفتيات اللاتي التفتن ليروا مصدر الارتباك. وقبل أن تستوعب بريانا الموقف، أو تنطق بكلمة ترحيب مزيفة لتدارك الأمر، تقدم ماركوس بخطوات بطيئة ووقفا أمامهن مباشرة. وببرود تام أعصاب حديدية، أخرج هاتفه المحمول من جيبه، وضغط على زر الاتصال برقم مسجل مسبقاً، ثم قام بتشغيل مكبر الصوت بأعلى درجة مستودعاً الهاتف على الطاولة وسط ذهول الجميع، ليرن الهاتف بنغمات رنانة قطعت أنفاس الحاضرين.
​الجزء الثالث: المكالمة الجليدية وانهيار الأحلام (توسيع الأحداث)
​جمدت الكلمات في حلق بريانا، وحاولت تاشا الالتفات بعيداً، بينما تحلقت الفتيات الباقيات حول الطاولة في صمت مريب يملأه الترقب والخوف. كان صوت رنين الهاتف يتردد في أرجاء المساحة الخاصة، حتى انقطع الرنين وجاء صوت رجل وقور ومهذب على الجانب الآخر. كان الصوت يعود إلى “السيد سامح”، المدير التنفيذي العام للفندق الفاخر الذي حُجزت فيه القاعة والمسؤول الأول عن كافة ترتيبات الحفل الأسطوري.
​السيد سامح: “مرحباً سيد ماركوس! أهلاً بك يا فندم. كيف يمكنني مساعدتك اليوم؟ كنت أود أن أطمئنك أن كل الترتيبات لزفاف شقيقتك الآنسة بريانا تسير على أكمل وجه، وقد استلمنا قائمة الطعام الفاخرة ومنسقي الإضاءة والزهور العالمية”.
​ماركوس (بنبرة جليدية، هادئة جداً لكنها تحمل ثقل عاصفة مدمرة): “مرحباً سيد سامح. اتصلت لأبلغك بإلغاء جميع الحجوزات المدفوعة باسم بريانا فوراً ومن هذه اللحظة. أرجو تجميد كافة الشيكات الصادرة من حسابي الشخصي لصالح الفندق ولصالح أي شركة تنظيم مرتبطة بالحدث، وإيقاف التعامل مع منسقي الحفلات ومصممي الديكور. من الآن فصاعداً، لن أدفع قرشاً واحداً، وأي مصاريف تترتب على هذا الزفاف تقع على عاتق بريانا شخصياً”.
​في تلك اللحظة، سقطت حقيبة اليد الفاخرة التي كانت بريانا تمسكها من يدها وارتطمت بالأرض، وتناثرت محتوياتها. هربت كل قطرة دم من وجهها ليصبح شاحباً كالموتى، وارتجفت ركبتاها. اندفعت كالمجنونة نحو ماركوس وهي تصرخ بنبرة هستيرية حادة، وتبكي بدموع غزيرة، محاولة الإمساك بقميصه والتوسل إليه:
“ماركوس! أرجوك! ماذا تفعل؟! لا تفعل هذا بي! إنه زفاف أحلامي الذي خططت له وانتظرته طوال حياتي أمام صديقاتي! ما الذي دهاك؟ هل جننت؟ كيف تلغي كل شيء بسبب شيء لا أفهمه؟! أرجوك أغلق الخط!”.
​نظر إليها ماركوس، ولأول مرة رأيت في عينيه اشتعال غضب حارق ممزوج باحتقار شديد. دفع يدها عن قميصه بهدوء ولكن بحزم فولاذي جعلها تتراجع خطوتين للخلف، وقال بصوت جهوري قوي هز أرجاء الحديقة المائية، لدرجة أن الناس في المسابح المجاورة التفتوا ليروا ما يحدث:
​”زفاف أحلامكِ الفاخر انتهى وتبخر في الهواء في اللحظة التي قررتِ فيها السخرية من زوجتي، وإهانتها، ووصفها بـ ‘الحوت’ لتتفاخري برشاقتكِ الزائفة أمام صديقاتكِ! هذا ‘الجسد’ الذي سخرتِ منه اليوم وجعلتيه أضحوكة في خيالكِ المريض، كان قبل أسابيع قليلة فقط يحمل طفلنا.. طفلي أنا وزوجتي الذي فقدناه بمرارة. كان هذا الجسد يمر بجحيم من الألم الجسدي والحزن النفسي الحارق، بينما كنتِ أنتِ، يا من ربيتكِ على يدي، لا تفكرين سوى في فستانكِ، وطرحتكِ السخيفة، وخطتكِ الخبيثة لإقصائها وحرمانها من الحضور حتى لا تفسد صوركِ اللامعة!”.
​الجزء الرابع: السقوط الأخير والانتصار (توسيع الأحداث)
​ساد المكان صمت يشبه صمت المقابر؛ فلا صوت يعلو فوق صوت أنفاس بريانا المتلاحقة والمصدومة. تراجعت صديقتها تاشا إلى الخلف ببطء خطوة وراء خطوة، وعلامات الخجل، الخزي، والفزع تكسو وجهها بالكامل بعد أن أدركت أن جريمتهما الكلامية ومؤامرتهما الدنيئة قد كُشفت بالكامل أمام الشخص الذي يملك السلطة والمال.
​نظرت بريانا إليّ وعيناها متسعتان من الرعب الخالص والصدمة التي شلت تفكيرها؛ لم تكن تعلم بأمر الإجهاض لأننا فضلنا الصمت حزناً، لكن دموعها التي انهمرت كالمطر في تلك اللحظة لم تكن دليلاً على الندم الصادق أو الإحساس بالذنب تجاه مشاعري المكسورة، بل كانت رعباً خالصاً وجشعاً من ضياع الزفاف الفاخر، وفقدان المظاهر والشهرة التي كانت تبحث عنها وسط مجتمعها وصديقاتها. أصبحت الآن في لحظة واحدة بلا ممول، وبلا زفاف أسطوري، وبلا كبرياء أمام وصيفاتها اللاتي طالما تفاخرت أمامهن بأموال شقيقها.
​أمسك ماركوس بيدي بقوة، وضغط عليها بدفء وحنان مفرط ليمدني بكل الدعم والأمان الذي أحتاجه في هذه المواجهة، ثم التفت ونظر إلى أخته للمرة الأخيرة، ونزل صوت كلماته عليها كالصخر، بنبرة حملت خيبة أمل مريرة كادت تكسر صوته:
​”لقد أفنيت سنوات شبابي في رعايتكِ والإنفاق عليكِ، وشاركتُ في تربيتكِ على أمل أن تكوني إنسانة سوية تحمل قلباً رحيماً، لا مسخاً مغروراً، أنانياً، وقاسياً يفتقر لأدنى مشاعر الإنسانية. إذا كنتِ ترغبين في إقامة هذا الزفاف الأسطوري والصور المثالية، فاذهبي من الآن وابحثي عن مغفل آخر يدفع ثمنه.. أو ادفعي أنتِ وخطيبكِ ثمن قسوة قلبكِ ولسانكِ السليط الذي لم يحترم حزني وحزن زوجتي”.
​استدرنا معاً ومشينا مرفوعي الرأس بخطوات ثابتة، قوية، وثقة استعدتها بالكامل بفضل الرجل الذي يقف بجانبي. تركنا خلفنا بريانا وهي تنهار بالكامل وتجلس على الأرض الرطبة تبكي بهستيرية وتلطم وجهها، وسط نظرات الشفقة والازدراء والنفور من صديقاتها اللاتي بدأن بالانسحاب واحدة تلو الأخرى والابتعاد عنها، بعد أن أدركن أن قسوتها وغرورها الأعمى دمرا كل شيء بنته في ثوانٍ معدودة.
​عندما ركبنا السيارة وأغلقنا الأبواب، عاد الهدوء ليعم المكان. التفت إليّ ماركوس، ونظر في عيني بنظرة تفيض بالحب، العشق، والاعتذار عما بدر من أخته. أمسك بيدي وقبلها برقة بالغة وطول في القبلة، ثم قال وعيناه تلمعان بالدموع: “أنتِ أجمل امرأة في عيني، وفي هذا العالم بأكمله. ولا توجد امرأة على وجه الأرض تستحق أن تنزل من عيونها دمعة حزن واحدة وأنا على قيد الحياة يتنفس صدري”.
​في تلك اللحظة، وسط دفء سيارته وحمايته، شعرت بغمامة الحزن تنجلي عن قلبي؛ علمت أنني لم أخسر طفلي فحسب، بل ربحت زوجاً عظيماً، سنداً حقيقياً يعوضني عن العالم بأكمله ويحميني من غدر أقرب الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *