اهانة

لما مسك إيدي وقال لو في يوم حسيتِ إن كرامتك بقت رخيصة… ارجعي، بيت أبوكي عمره ما يتقفل في وشك. وقتها زعقت فيه وقلتله أنا هبقى أسعد واحدة في الدنيا. ابتسم وقال يارب.
دموعي نزلت. لأول مرة من شهور، حسيت إني محتاجة أكلمه. لكن كبريائي منعني.
عدت الأيام بنفس الطريقة. كل يوم أوامر، وكل يوم سخرية، وكل يوم سكوت من عمر. لحد ما جه يوم قبض المرتب. رجعت من الشغل، وحطيت الشنطة على الكنبة. دخلت أبدل هدومي ولما رجعت… لقيت الشنطة مفتوحة، والمظروف اللي كان فيه مرتبي… اختفى.
اتجمدت مكاني، ولفيت وشي ناحية الصالة. لقيت الحاجة إلهام قاعدة بهدوء… وبتقلب في رزم الفلوس بإيديها… فضلت أبص للمشهد ثواني وأنا مش مصدقة اللي شايفاه. الحاجة إلهام كانت قاعدة بكل هدوء، ماسكة رزمة الفلوس، وبتعدها واحدة واحدة، كأنها فلوسها هي.
قربت منها وقلت بهدوء بالعافية الفلوس دي بتاعتي.
رفعت عينيها ناحيتي وقالت بمنتهى البرود عارفة.
قلت يبقى حضرتك ماسكاها ليه؟
حطت الرزمة على الترابيزة وقالت علشان من النهارده مرتبك هيتصرف على البيت من خلالي.
افتكرت إني سمعت غلط وقلت يعني إيه؟
قالت يعني أنا اللي هقسمه، وأشوف البيت محتاج إيه، ولو احتجتي مصروف هتاخدي مني.
ضحكت من الصدمة وقلت هو أنا طفلة؟ ولا بشتغل عند حضرتك؟
رددت وهي مسنودة على الكنبة إنتِ مرات ابني، وفلوس مرات ابني لبيته.
قلت بثبات وأنا بصرف على بيتي برضه… لكن بإيدي أنا، مش بإيد حد.
في اللحظة دي دخل عمر. أول ما شافنا قال في إيه؟
بصيتله وقلت اسأل والدتك.
قالت بسرعة أنا خدت مرتب مراتك علشان تدبير البيت.
بصيت لعمر مستنية رده. قلبي كان متعلق بكلمة واحدة. لكن كالعادة… اتنهد وقال خلاص يا منى… سيبي الفلوس مع أمي.
حسيت إن الأرض بتميد بيا وقلت بعدم تصديق إنت موافق؟
قال هو إحنا هنختلف على فلوس؟
قلت إحنا مش مختلفين على فلوس. إحنا مختلفين على حقي. دي تعبي… وشقايا… وأنا اللي أقرر هعمل بيه إيه.
الحاجة إلهام قامت وقفت وقالت بسخرية واضح إن الشغل عمللك قيمة زيادة.
قلت وأنا ببصلها في عينها الشغل علمني إن الإنسان يبقى له حق. لكن ماعلمنيش أتنازل عنه.
عمر اتعصب وقال كفاية بقى.
قلت لأ… مش كفاية. أنا بقالي سنة كاملة ساكتة. مرة علشان أحافظ على البيت، ومرة علشان خاطرك، ومرة علشان قلت بكرة الأمور تتحسن. لكن واضح إن كل ما بسكت… بتعتبروا سكوتي ضعف.
سادت لحظة صمت. بعدها مديت إيدي، وخدت رزمة الفلوس من على الترابيزة. الحاجة إلهام حاولت تمنعني، لكن أنا مسكتها قبل ما توصلها وحطيتها في شنطتي، وقلت بهدوء من النهارده، محدش هيمد إيده على حاجة تخصني.
لفيت علشان أدخل أوضتي، لكن صوت عمر وقفني؛ قال بحدة لو خرجتي من الصالة بالفلوس دي… متزعليش من اللي هيحصل.
لفيت ناحيته، ولأول مرة من يوم جوازنا، ما خفتش وقلت وأنت… لو فضلت كل مرة تختار ترضي أمك على حساب مراتك… متستغربش اليوم اللي هتدخل فيه البيت وماتلاقينيش.
دخلت الأوضة وقفلت الباب وقعدت على السرير. قلبي كان بيدق بسرعة. كنت فاكرة إني انتصرت، لكن بعد أقل من ساعة… سمعت صوت عربية واقفة قدام البيت، وبعدين صوت باب الشقة بيتفتح، وصوت راجل كبير بيقول من بره السلام عليكم… أنا والد منى.
جسمي كله اتشد. بابا… كان واقف بره… من غير ما حد يكون اتصل بيه. قلبي وقع أول ما سمعت صوت بابا. ماكنتش متوقعة أشوفه، ولا كنت كلمته، ولا حتى اشتكيت له. قمت بسرعة ومسحت دموعي قبل ما أفتح باب الأوضة.
لقيته واقف في الصالة، لابس جلابيته الرمادي، وعلى وشه نفس الهيبة اللي طول عمرها مطمنة قلبي. أول ما شافني، بصلي من فوق لتحت. ما اتكلمش، لكن الأب عمره ما بيحتاج كلام علشان يعرف بنته فيها إيه.
قال بهدوء عاملة إيه يا منى؟
ابتسمت غصب عني وقلت الحمد لله.
هز راسه وقال لأ… إنتِ مش بخير.
الصالة كلها سكتت. الحاجة إلهام قامت من مكانها وقالت بابتسامة مصطنعة أهلاً يا حاج، نورت.
رد عليها بااحترام الله يخليكي. لكن عينه ما سابتنيش. بعدها بص لعمر وقال ممكن أقعد معاكم شوية؟
قعدنا كلنا، وأنا كنت حاسة إن في حاجة كبيرة هتحصل. بابا طلع ظرف صغير من جيبه، وحطه قدامي وقال ده مرتبك.
استغربت وقلت مرتبي؟
قال البنك كلمني. كنت عاملة زمان توكيل احتياطي ليا لو حصل أي مشكلة في الحساب، ولما اتوقفت البطاقة بسبب محاولة سحب غريبة، اتصلوا بيا أتأكد.
بصيت للحاجة إلهام، وشها اتغير. أما عمر، فبص لأمه باستغرب. بابا فتح الظرف، وطلع منه ورقة من البنك وقال بهدوء في حد حاول يسحب كل المرتب مرة واحدة من غير موافقة صاحب الحساب.
الصمت نزل على المكان. أنا كنت أول واحدة اتكلمت؛ بصيت للحاجة إلهام وقلت حضرتك رحتي البنك؟
ارتبكت للحظة، وبعدين قالت أنا… كنت رايحة أشوف بس.
بابا قال بنفس هدوئه يشوف إيه؟ الحساب باسم بنتي. وماحدش له حق يقرب منه.
عمر بص لأمه وقال لأول مرة بنبرة حادة ماما… ده حصل فعلًا؟
قالت بعصبية أنا بعمل كده لمصلحة البيت.
بابا رد المصلحة عمرها ما تبقى من غير إذن أصحابها.
الحاجة إلهام قامت واقفة وقالت واضح إن بنتك كل يوم بتحكيلك علينا.
بابا بصلي وقال بنتي ماحكتليش حاجة. أنا اللي جيت لأن قلبي كان حاسس إنها مش مرتاحة. وبعدين بص لعمر

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *