اهانة

أنا اسمي منى، وعندي سبعة وعشرين سنة. ولو حد سألني إيه أكتر حاجة كسرتني في حياتي، هقوله من غير تفكير مش قلة الفلوس… ولا تعب الشغل… ولا حتى كلام الناس. أكتر حاجة كسرتني إن الإنسان اللي كنت فاكرة إنه سندي، وقف يتفرج عليا وأنا بتكسر كل يوم، وسكت.
لحد النهارده، وأنا بفتكر اليوم ده، بحس نفس الوجع بيرجع من جديد.
كان يوم جمعة، والبيت مليان قرايب عمر. من الصبح وأنا واقفة في المطبخ، مرة بقطع السلطة، ومرة بحمر الفراخ، ومرة بغسل المواعين، ومرة بطلع الشاي والقهوة. من الساعة سبعة الصبح لحد بعد الضهر، ماقعدتش دقيقة واحدة. رجلي كانت بتوجعني، وضهري خلاص مبقاش حاسس بيا، لكن كل ما أقول أقعد شوية، ألاقي صوت حماتي جاي من آخر البيت
يا منى… الصينية دي ناقصها سلطة.
يا منى… هاتي العصير.
يا منى… امسحي السفرة بسرعة.
كنت بنفذ كل حاجة، وأقول لنفسي استحملي… يمكن الأيام تتحسن. بعد ما الضيوف أكلوا، دخلت المطبخ أغسل جبل المواعين اللي اتراكم. وفجأة سمعتها بتنادي بصوت عالي قدام كل الستات
يا منى… إنتِ لسه ما كويتيش القمصان دي؟! ابني هيروح الشغل هدومه مكركبة كده؟!
خرجت من المطبخ وإيدي كلها مية وصابون، وقلت بهدوء
يا طنط، والله من الصبح في المطبخ، أول ما أخلص هكويهم.
بصتلي باحتقار

وقالت
يعني الأكل أهم من جوزك؟ الست الشاطرة تخلص كل حاجة من غير ما حد يفكرها.
الستات بصوا لبعض؛ واحدة خفضت رأسها، وواحدة ابتسمت ابتسامة صفرا. أما أنا، فبصيت ناحية عمر. كان قاعد على الكنبة، بيشرب الشاي وبيتفرج على الماتش. استنيت… يمكن يقول لأمه سيبيها ترتاح، يمكن حتى يقول أنا هكويهم… أي كلمة. لكنه رفع عينه ثانيتين، ورجع للماتش كأن الكلام مايتقالش على مراته.
في اللحظة دي حسيت إني مش زوجة، حسيت إني فعلًا خدامة. رجعت المطبخ من غير ولا كلمة. لكن وأنا بغسل آخر طبق، لقيت دموعي بتنزل في الحوض. ماكنتش بعيط عشان القمصان، ولا عشان كلام حماتي، كنت بعيط عشان الراجل اللي وعدني يوم الفرح إنه هيحميني… اختار يبقى مجرد متفرج.
بالليل، دخل عمر الأوضة، لقياني قاعدة على طرف السرير ساكتة. قال وهو بيفك أزرار القميص
مالك؟ مكشرة ليه؟
ضحكت ضحكة كلها وجع وقلت
إنت شايفني إيه يا عمر؟
استغرب وقال يعني إيه؟
قلت أنا مراتك… ولا الشغالة اللي جبتها تخدم البيت؟
اتنهد بضيق، وقال الجملة اللي كان بيقولها كل مرة
كبري دماغك… أمي طبعها كده.
قلت وأنا بصاله في عينه وطبعك إنت إيه؟
سكت.
كملت كل مرة تهينني فيها وتسكت… بتحسسها إنها معاها حق.
رد بعصبية يعني عايزاني أزعق لأمي؟
قلت لا… كنت عايزاك تدافع عن مراتك.
قام وقف وقال بحدة أنا راجع تعبان من الشغل، مش ناقص وجع دماغ. وساب الأوضة ونزل.
أما أنا… فضلت قاعدة لوحدي. ولأول مرة من ساعة جوازنا، فتحت الدولاب وطلعت شنطة السفر. ماحطيتش فيها هدوم، ولا كنت ناوية أمشي. كنت بس عايزة أشوف… لو سيبت البيت ده يومًا ما… يا ترى حد هيحاول يمنعني؟ ولا وجودي أصلًا… زي عدمه؟
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها… إن بعد أقل من أسبوع… حماتي بنفسها هتعمل حاجة هتخليني أخرج من البيت فعلًا. بس المرة دي… ماكنتش أنا اللي اخترت أمشي.
تاني يوم صحيت بدري كعادتي. بصيت على الشنطة اللي كنت طلعتها بالليل، واتنهدت ورجعتها مكانها. أنا ماكنتش من النوع اللي يسيب بيته من أول مشكلة. كنت داخلة الجوازة دي وأنا حاطة في دماغي إني هعمل المستحيل علشان تنجح.
نزلت المطبخ، ولقيت الحاجة أم عمر قاعدة بتشرب الشاي. أول ما شافتني قالت من غير حتى صباح الخير
النهارده هتنضفي السطح والمخزن قبل الضهر.
بصيت لها باستغراب وقلت المخزن?!
قالت وهي بترشف من كباية الشاي أيوه… بقاله فترة متبهدل.
قلت بهدوء بس النهارده عندي شغل، ولسه هدخل أجهز الفطار.
ردت ببرود اعملي اللي قولتلك عليه الأول.
بلعت كلامي، مش علشان خايفة منها، لكن علشان تعبت من الخناق. بعد ما عمر نزل شغله، طلعت السطح. الشمس كانت حامية، والتراب مغطي كل حاجة. قعدت أنضف وأشيل كراتين قديمة، لحد ما حسيت بدوخة. سندت على الحيطة دقيقة. وفجأة سمعت صوت الحاجة إلهام من تحت
إيه يا هانم؟ وقفتي ليه؟ هو الشغل هيخلص لوحده؟
كملت وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع. بعد ساعتين نزلت، إيدي كانت كلها تراب، وهدومي باظت. دخلت المطبخ أغسل وشي، لقيتها واقفة وبتبصلي وقالت خلصتي؟
قلت أيوه.
قالت حلو… يبقى حضري الغدا.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة وقلت أنا من الصبح ماقعدتش دقيقة.
ردت وأنا لما كنت قدك كنت بخدم عشرين واحد.
ماعرفتش أرد، لأني عرفت إن أي كلمة هقولها هتتقلب عليا.
بالليل رجع عمر، كنت مستنياه يحس بيا. أول ما دخل قلتله
أنا تعبت النهارده جدًا.
رفع عينه من الموبايل وقال خير؟
حكيتله كل اللي حصل، من أول السطح لحد المطبخ. فضل ساكت.
قلت مش هتقول حاجة؟
قال وهو بيخلع الجزمة يعني أعمل إيه؟
قلت اتكلم مع والدتك.
رد بسرعة مش هعمل مشاكل بينها وبينك.
ابتسمت بمرارة وقلت يبقى سيبها تكمل.
قام وقف وهو متضايق وقال إنتِ مكبرة المواضيع. أمي قصدها خير.
ضحكت، أول مرة أضحك وأنا موجوعة بالشكل ده وقلت هو الخير بقى شكله كده؟
سابني ودخل الحمام.
أما أنا… طلعت البلكونة. كنت ببص للشارع، وكل الناس ماشية في حالها. وفجأة افتكرت بابا. افتكرت يوم كتب الكتاب
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *