شريف حصري روايات رولا

الساعة 2 بالليل، صوت سستة الشنطة قطع هدوء أوضة النوم.
​كنت ممددة على السرير، مغمضة عيني نص إغماضة، وبراقب جوزي “شريف” وهو بيتحرك في الدريسنج روم بتوتر وحذر زي الحرامية. كان فاكر إن كوباية الشاي اللي عملهالي بإيده هتنمني نومة أهل الكهف.

​لكن خطته فشلت.. لأنني ببساطة بدلت الكوبايات من وراه.
​لمدة عشرين دقيقة كاملة، كنت شيفاه في انعكاس قزاز الشباك الأسود وهو بيلم قمصانه البراند، باسبوره، الفلوس الكاش، وعلبة القطيفة الزرقا اللي فيها كبكات الفضة بتاعته. لم كل حاجة.. ما عدا ضميره.

​لحظة الوداع المزيفة
​في تمام الساعة 2:18، قرب من السرير وبص عليا وهو شمتان.
​”مسكينة يا فريدة.. عمرك ما هتعرفي إني طيرت كل حاجة من تحت إيدك.”
​حافظت على نفسي هادي ومنتظم عشان ميزعلش. وطى عليا، وشميت ريحة برفانه الغالي—البرفان اللي خطافة الرجالة “زينة” اشترتهوله، وعرفت ده لما لقيت الفاتورة في جيب جاكته من تلات أسابيع.

​بعدها ساب الأوضة وخرج، ومقمتش من السرير غير لما سمعت صوت عربيته بتعدي بوابة الفيلا في التجمع.
​الرسالة المستفزة من المطار
​الساعة 2:37 تليفوني نور بنغمة رسالة. كانت صورة!
​شريف واقف في صالة 3 بمطار القاهرة الدولي، وحاضن زينة (اللي عندها 29 سنة) وهي لابسة نضارة شمس بالليل جوه المطار، وفي إيدها حظاظة الألماظ بتاعتي! وتحت الصورة رسالة كاتب فيها:
​”مع السلامة يا فاشلة! خلاص مابقاش ليكي عندي مليم واحد، صفيّتك على الحديدة!”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​بصيت للرسالة.. وضحكت من قلبي.
​مش عشان الوجع مش موجود، لأ الوجع موجود وعشر سنين جواز مش قليلين، حتى لو الخيانة متوقعة. ضحكت لأن شريف طول عمره بيفهم السكوت غلط وبيفتكره ضعف وقلة حيلة.
​الحقيقة اللي صدمته
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​كان فاكر إن الفيلا بتاعته عشان اسمه على العقد، وفاكر إن حسابات الشركة بتاعته لمجرد إني كنت بخليه يقعد على رأس الترابيزة في اجتماعات المستثمرين عشان منظره، وفاكرني غبية لأني كنت بسيبه يتكلم ويظيط الأول.
​اللي مكنش يعرفه إن من 6 شهور، لما عرفت بعلاقته وتزوير توقيعي والقروض المستخبية والشركة الوهمية اللي عملها باسم أخو زينة:
​بطلت أكون زوجة.. وتحولت لمكتب تحقيقات.
​كل كشف حساب، كل إيميل، كل حجز فندق، كل تسجيل بصوته وهو سكران وبيتباهى إنه “هيقش فريدة ويسيبها على البلاط”.. كله اتسلم للمحامي بتاعي، وخبير الحسابات، ومباحث الأموال العامة الساعة 10 بالليل.
​الرد القاتل
​الساعة 2:45 رديت عليه بجملة واحدة بس:
​”اتبسط في المطار.”
​الساعة 3:06.. تليفوني رن بشريف. مردتش.
​الساعة 3:09.. رن برقم زينة. مردتش برضه.
​ابتسمت، وقمت دلقت الشاي المغلي اللي فيه المنوم في الحوض، ووقفت وبصيت على المطر وهو بينزل على جنينة الفيلا في هدوء.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​على ما الشمس تطلع، شريف وزينة هيعرفوا إن الباسبور اللي في جيبهم ملوش عازة وممنوعين من السفر، وإن الحسابات اللي سرقوها اتجمدت، والست اللي كان بيقول عليها فاشلة.. هي اللي وقعت قرار الضبط والإحضار ومنع السفر بنفسها!
الساعة 6:12 الصبح، جالي أول تليفون من الرائد حسام من مباحث الأموال العامة.
​قال بلهجة هادية وجادة:
​”يا مدام فريدة، جوزك شريف حاول يركب طيارة دبي هو والست اللي معاه زينة. الجوازات وقفتهم بناءً على قرار منع السفر، وحالياً بيتحقق معاهم في المطار.”
​كنت واقفة في المطبخ بالروب، وبراقب مكنة القهوة وهي بتنزل القهوة اللي شريف كان دايماً يقول عليها “رخيصة” ومتليقش بمستوانا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​سألته: “قال حاجة؟”
​سكت لحظة، وكنت سامعة في الخلفية دوشة المطار، والنداءات الداخلية، وصوت عجل الشنط.. ناس بتتحرك لحياتها الطبيعية.
​الرائد حسام قال: “ادعى إنك غير متزنة نفسياً.. وإنك مدياله توكيل عام رسمي وتفويض بكل الأصول والشركات.”
​ضحكت ضحكة خفيفة: “طبعاً.. ملقاش غير الكدبة دي.”
​وكمل الرائد: “لقينا كمان مع زينة في شنطتها الشخصية 180 ألف دولار كاش، ده غير شيكات مقبولة الدفع متصدرة من حسابات شركة فريد للمستلزمات الطبية.”
​أصل الحكاية: شيت الإكسيل مبيفوتش غلطة
​الاسم ده لسه له رنة غريبة في ودني.
​شركة “فريد للمستلزمات الطبية” بدأت في جراج بيت والدي، الحاج فريد، في طنطا.. قبل ما شريف يعرف يعني إيه أصلاً شحن وتوريدات. والدي هو اللي بنى العلاقات دي كلها مع المستشفيات في الدلتا والقاهرة، وأنا اللي كبرت الشركة وفتحتلها فروع على مستوى الجمهورية. شريف دخل الشركة بعد جوازنا، بسلا*ح “الكاريزما” والثقة بالنفس.. وصفر خبرة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​مع الوقت، سبت الناس تفتكر إنه هو الكل في الكل والمهندس اللي ورا النجاح ده. كان أريح لدماغي. المستثمرين كانوا بيحبوا خطاباته الرنانة، والعملاء كانوا بيحبوا دقتي وسكوتي. لكن ورا الأبواب المقفولة، أنا اللي كنت بصلح أرقامه، وبداري ورا أخطائه، وبنقذ صفقات كان هيضيعها بغباؤه.
​لحد ما ظهرت زينة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​مكتفتش بإنها تكون حلوة، كانت طموحة بغشامة. كانت بتقوله إنه يستاهل أحسن من كده، وكانت بتسميني في شات ما بينهم: “الست المملة اللي شبه شيت الإكسيل”.
​بس اللي فاتهم.. إن شيت الإكسيل مبيفوتش غلطة وبيفتكر كل حاجة.
​العاصفة تبدأ في مكتب المحاماة
​على الساعة 8 الصبح، وصلت المحامية بتاعتي “دينا” ومعاها اتنين محامين من مكتبها وملف مقفول.
​قلعت الجوانتي وقالتلي: “شكلك نايمة كويس.”
رديت: “نمت شوية قبل العاصفة.”
​دينا ابتسمت: “أحسن.. لأن محامي شريف بيطلب جلسة مستعجلة، وبيقول إنك جمدتي الحسابات بدافع الانتقام.”
​أخدت منها الملف وسألتها: “وهو يقدر يثبت إن له صفة قانونية للتصرف؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​”لأ.. ودي الحتة الحلوة في الموضوع. إعادة هيكلة الشركة اللي وافقتوا عليها الشهر اللي فات نقلت كل الإدارة والتحكم لـ صندوق عائلة فريد. وشريف مضى عليها بنفسه.”
​قلت لها: “كان فاكرها تخطيط ضريبي عشان يهرب من الجمارك.”
ضحكت وقالت: “أصل عمره ما قرا الصفحة رقم 7.”
​شريف طول عمره مبيقراش حاجة أطول من منيو المطعم.
​التليفون مبيسكتش
​على الضهر، الخبر كان وصل لأعضاء مجلس الإدارة. تلاتة منهم كلموني بشكل شخصي. واحد اعتذر، وواحد عمل نفسه إنه كان دايماً شاكك إن شريف مش مظبوط، والأخير “أستاذ جلال” سألني لو ده هيأثر على توريدات الربع ده.
​قلت له بثقة: “لأ، الشركة هتمشي أحسن بكتير من يوم الاثنين الجاي.”
​الساعة 2:30 الضهر، قررت أخيراً أسمع فويسات شريف وزينة.
​الفويس الأول (شريف بنبرة هادية): > “فريدة، اسمعيني.. ده سوء تفاهم. زينة هي اللي اتهورت وخافت. أنا مكنتش أقصد الرسالة دي خالص، إنتي عارفاني لما بتعصب بقول أي كلام. كلمي دينا المحامية تلم الموضوع.. إحنا نقدر نصلح كل حاجة.”
​الفويس الثاني (شريف بيزعق): > “إنتي فاكرة نفسك ذكية؟ فاكرة شوية ورق هيخلوكي قوية؟ أنا اللي عملتلك قيمة!”
​الفويس الثالث (زينة وهي بتعيط): > “مدام فريدة، أرجوكي.. شريف فهمني إنكم منفصلين. أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن الفلوس دي، ولا أعرف إن الموضوع غير قانوني.”
​شغلت الفويس ده مرتين. مش عشان مصدقاها.. عشان صوتها كان بيترعش بالظبط زي ما صوتي اترعش من 5 شهور، لما وقفت في الحمام بقرأ رسايلها على تليفون شريف، وعرفت إن جوازي متهدش فجأة.. ده كان بيتسرق حتة حتة وأنا مشغولة ببناية حياتنا.
​المواجهة الأخيرة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​بالليل، قعدت أنا ودينا المحامية قدام شريف في أوضة التحقيق في مبنى النيابة.
​كان شكله صغير أوي وتعبان من غير بدلته المتفصلة غالي. بص في عيني وقال بنبرة هادية ومكسورة: “فريدة.. حبيبتي، أرجوكي.”
​شبكت صوابعي وقلتله ببرود:
​”إنت سميتيني ‘فاشلة’ الساعة 2:37 الصبح.”
​زينة اللي كانت قاعدة جنب محامي الانتداب بتاعها، بصت في الأرض.
شريف بلع ريقه وقال: “كنت متنرفز.”
قلتله: “لأ.. كنت صريح، وده كان غلطتك.”
​دينا فتحت الملف المقفول وزقت نسخة قدامه على التربيزة. وش شريف جاب ألوان وهو بيقرا الصفحة الأولى.
​دي مكنتش دعوى طلاق.
ده كان بلاغ جنائي رسمي وقض*ية تزوير، وخيانة أمانة، واستيلاء على أموال الشركة، وانتحال صفة، وتآمر.
​وقفت وقلتله: “أشوفك في المحكمة يا شريف.”
​مسك طرف التربيزة وقال بصوت مرعوش: “فريدة، إنتي مش ممكن تدميرني كده!”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​بصيت للراجل اللي حَبِيتُه في يوم من الأيام، الراجل اللي فهم صبري وطيبة قلبي على إنهم إذن بالسرقة، وقلتله:
​”أنا مش بدمرك.. أنا بس برجعلك كل اللي إنت عملته.”
مفيش أسرع من سقوط القناع لما تتدخل لغة الأرقام والقانون.
​خلال 48 ساعة بس، اتحولت قصة الحب الأسطورية بين شريف وزينة لفيلم كوميدي رخيص في غرف التحقيق. زينة، اللي كانت بتلبس نظارات شمس بالليل في المطار وتاخد سيلفي بحظاظتي الألماظ، كانت أول واحدة تبيع شريف في أول ساعة تحقيق مع وكيل النيابة.
​زينة تبيع شريف في أول لفة
​زينة مكملتش تالت سؤال في النيابة وانهارت:
​”يا فندم أنا ماليش دعوة! هو اللي قالي إن مراته مريضة نفسية ومبتفهمش في الشغل، وهو اللي مضى على الشيكات دي كلها.. أنا كنت فاكرة إنه بيحسّن مستقبله معايا!”
​شريف كان قاعد في الكلابوش سامع كلامها وعينه بتلف في الأوضة زي الفار المحبوس. الكاريزما والبدل الإيطالي والبرستيج اللي كان عايش بيهم طاروا في الهوا، ومفضلش غير حقيقته: راجل بنى وجوده كله على أكتاف ست، ولما حب يسرقها.. سرقها بغباء.
​شروق شمس جديدة في “فريد للمستلزمات الطبية”
​يوم الاثنين الصبح، الساعة 9:00 تماماً.
​دخلت مقر الشركة الرئيسي في الدقي. الموظفين كلهم كانوا واقفين في الممرات، حالة من الصمت والترقب مغلّفة المكان. الكل عرف باللي حصل في المطار ومنع شريف من السفر وتجميد حساباته.
​طلبت اجتماع عاجل مع مجلس الإدارة ومديرين الأقسام. قعدت على رأس الترابيزة—الكرسي الكبير اللي كان شريف بيحب يقعد عليه عشان يتمنظر بالصور.
​بصيت لهم وقلت بكل هدوء وثقة:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *