ابني حصري ع صفحة روايات رولا
.
الحكاية من أولها: “مفيش حاجة حصلت يا بابا”
الموضوع مكنش باين في حزنه، كان باين في مشيته.
ابني سيف عنده 9 سنين، شقي وحركي وميعرفش يدخل مكان من غير ما يعمل دوشة. كل يوم حد بالليل، لما مامتة توصله لحد البيت عندي بعد ما تقضي معاها الويك إيند، كان بيجري على السلم قبل حتى ما هي تركن العربية، يرمي الشنطة في الصالة ويقعد يحكيلي بالتفصيل الممل عملوا إيه.
بس الأحد ده.. الدنيا كانت غير الدنيا.
سيف كان واقف على باب الشقة، شايل شنطته على كتف واحدة، وشه خاطف وضامم شفايفه على بعض. كان بيتحرك خطوة خطوة كأن المشي حمل عليه.
تحت في الشارع، كانت طليقتي “شيرين” واقفة بعربيتها الـ SUV الفضية، نزلت زجاج العربية وزعقتلي:
”هو بقاله طول الظهر بيشتكي ويتمارض، أرجوك متدلعوش وتعمل من الحبة قبة!”
وقبل ما أنطق بكلمة، داست بنزين ومشيت.
التغيير اللي كنت بمشيه “عادي”
بقالي شهور ملاحظ إن سيف بيرجع من عند والدته وهو مش سيف اللي نعرفه.
مابقاش يغني في العربية وإحنا راجعين.
مابقاش يطلب “آيس كريم” من المحل اللي على ناصية الشارع في مصر الجديدة.
بقى يتخض أول ما تليفوني يرن فجأة.
والأصعب من كده، كان بيبص في وشي ويدرس تعبيراتي قبل ما يجاوب على أي سؤال بسيط، كأنه خايف يقول كلمة تزعلني أو تقلب الدنيا.
كل يوم إثنين الصبح، وهو رايح المدرسة، كان يمسك في أكرة الباب ويبكي: “ينفع أقعد معاك النهاردة يا بابا وماروحش؟”.. ولما أسأله ليه، يقولي نفس الجملة: “ماما بتتعصب لما بحكي عن أي حاجة بتصيبني هناك”.
أنا مكنتش ساكت، كنت كاتب كل حاجة في نوتة؛ التواريخ، التغييرات، وحتى كلام الأخصائية النفسية في مدرسته اللي أكدت لي إنه قلقان وخايف، وقالتلي جملة رنت في ودني: “الولد ده بيخبي سر كبير.. هو حاسس إنه بيحمي حد أو بيحمي نفسه”.
واجهت “شيرين” كذا مرة، بس هي كانت أستاذة في “الهدوء المزيف”. لما أتعصب، هي توطي صوتها وتبان عاقلة وتفهمني إني مكبّر الموضوع: “سيف حساس زيادة عن اللزوم يا حازم، وهو عارف إنك حاسس بالذنب عشان اطلقنا، فبيستغل ده عشان يلفت انتباهك”.
في اجتماعات المدرسة، كانت تبان الأم المثالية؛ شيك، منظمة، بتفتكر أعياد ميلاد المدرسين وبتتطوع في كل الأنشطة. محدش كان بيشوف سيف وهو كتافه بتترعش لما صوتها يتغير، ولا وهو بيترجى رضاها بعينيه.. ومحدش شاف نظرة الارتياح اللي في عينه غيري لما عربيتها كانت بتختفي من الشارع.
اللحظة اللي مبقاش ينفع فيها سكوت
سيف جه يقعد على الكنبة في الصالة، أول ما لمسها صرخ صرخة مكتومة وقام وقف بسرعة، وإيديه بدأت تترعش.
”بابا.. أرجوك مخلينيش أقعد.”
قلبي انقبض، حطيت إيدي على دماغه لقيتها عرقانة وسخنة مولعة.
”سيف.. في حاجة حصلت عند ماما؟”
دموعه نزلت: “مش ينفع أقول.. أنا وعدت.”
هنا أنا مفيش حاجة وقفتني. مسكت التليفون وكلمت الإسعاف فوراً. سيف أول ما شافني بكلمهم، اترعب ومسك في كم قميصي:
”لأ يا بابا أرجوك بلاش.. ماما قالتلي إن لو اتكلمت، الناس هتيجي تاخدني بعيد عنكم، وإنك أنت كمان هتقع في مشكلة بسببى.”
في اللحظة دي نفسي اتكتم. ابني مش بس خايف من اللي حصل، ده في حد زرع الرعب جوا قلبه من الناس اللي ممكن تنقذه! وطيت في مستواه ومسكت إيديه الاثنين:
”بص في عيني يا سيف.. أنت عملت أي حاجة غلط؟ لأ. أنت مش مسؤول عن اختيارات الكبار، وعمرك ما هتتعاقب عشان بتقول الحقيقة.”
الولد انهار تماماً، وبقى يعيط من غير صوت.. العياط المكتوم ده اللي يوجع القلب أكتر من الصراخ.
ليل المستشفى الطويل
المسعفين جم، وأخدنا سيف على “مستشفى أبو الريش للأطفال”. طول السكة في الإسعاف وهو كابس على إيدي بكل قوته، وأنا شريط ذكرياتي كله بيتعاد قدام عيني.. سكوتنا، الخوف اللي عديته، السذاجة في إني كنت مستني “دليل ملموس” عشان أتحرك، في حين إن خوف ابني كان هو الدليل!
في المستشفى، الدكتورة “منى”، استشارية طوارئ الأطفال، طلبت تدخل مع سيف لوحدها هي والأخصائية الاجتماعية للمستشفى. وقفت في الممر برة، ضربات قلبي أسرع من صوت الأجهزة اللي حواليا.
بعد نص ساعة، وصلت شيرين. داخلة بالبلطو البيج والشياكة المبالغ فيها، وأول ما شافتني زعقت:
”أنت هببت إيه يا حازم؟”
قبل ما ترد، الممرضة منعتها تدخل. شيرين لفت للأخصائية الاجتماعية وقالت بنبرة واثقة: “الولد اتزحلق في الحمام وهو بياخد شاور، موضوع بسيط جداً، بس أبوه غاوي يعمل من البحر طحينة ويقلبها دراما”.
في اللحظة دي، الباب اتفتح وخبر الدكتورة “منى” نزل زي الصاعقة:
”التقرير الطبي المبدئي والإصابات اللي في جسم الولد ملهاش أي علاقة بازدلاق في الحمام.. إحنا بلّغنا خط نجدة الطفل والجهات الأمنية فوراً.”
شيرين وشها بقى أصفر زي الليمونة: “ده كلام فارغ! سيف بيألف قصص عشان يقعد مع أبوه اللي باخخ في ودنه سم عشان ياخد الحضانة!”
الأخصائية ردت بهدوء: “الطفل مرعوب، ومحكيش غير لما حس بالأمان، وواجبنا نحميه”.
الحقيقة المرة
لما دخلت لسيف، كان نايم على جنبه ومتغطي باللحاف الأزرق. أول ما شافني، سألني بكسرة: “بابا.. أنت زعلان مني؟”
قلتله وأنا ببوس راسه: “أنا فخور بيك يا قلب بابا.. عشان أنت بطل وقلت الحق”.
بمساعدة الأخصائية، سيف حكى كل حاجة.
شيرين متجوزة من كام شهر واحد اسمه “كريم”، في الأول كان بيبان طيب وبيجيب هدايا غالية ويقول لسيف: “دي أسرار رجالة مع بعض ومتقولش لبابا”.
مع الوقت، المعاملة اتغيرت تماماً وبقت فيها قسوة وعنف وإهانات، ولما سيف اشتكى لأمه، شيرين زعقتله وقالتله: “ماتعمليش مشاكل، ومحدش هيصدق عيل زيك”.
وفي الويك إيند ده، كريم اعتدى عليه بالضرب المبرح وسبّب له إصابات وجروح بالغة، وشيرين كل اللي عملته إنها نظفت له مكان الجروح، وهددته لو اتكلم، وجابته عندي وهي عارفة إنه بيتألم!
نهاية الكابوس وبداية الشفاء
التحقيقات بدأت من ليلتها. النيابة استدعت “كريم”، وشيرين فضلت تنكر وتقول “وقع في الحمام”، لحد ما النيابة فرغت تفريغ تليفونها وتليفون جوزها.. ولقوا رسايل بينها وبينه كاتبة له فيها: “الولد اتصاب جامد.. رتب كلامك عشان نقول نفس القصة” ورسالة تانية: “الواد ده هيخرب بيتنا وهيضيع كل حاجة”.
الرسايل دي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. النيابة أمرت بحبس “كريم”، وصدر قرار عاجل بتسليم سيف ليا قانونياً وحرمانه من رؤية أمه إلا في أضيق الحدود وبإشراف جهات رعاية.
سيف دلوقتي عنده 13 سنة..
الشفاء مكنش بين يوم وليلة. الشفاء جه خطوة خطوة:
أول ليلة ينام فيها من غير ما يصحى يصرخ.
أول مرة يفتح التلاجة ويجيب أكل من غير ما يستأذن وهو خايف.
أول مرة يضحك من قلب وصوته يعلى في الصالة.
هو لسه بيتعالج نفسياً، ولسه ساعات بيتخض من الأصوات العالية، بس رجع يغني في العربية.. وبقى بيحب الرسم جداً.
الأسبوع اللي فات رسم بيتنا، ورسم باب الشقة مفتوح وفي نور دافي طالع منه. لما سألته ليه الباب مفتوح كده يا سيف؟
ابتسم وقالي: “عشان ده الباب اللي دخلت منه ومبقاش عندي أسرار بتوجعني تاني”.
الدرس اللي اتعلمته
لو عندك طفل اتغيرت تصرفاته، اعتزل الدبلوماسية فوراً.
السكوت، الخوف من الغلط، الاعتذار المتكرر على أتفه الأسباب (زي كوباية مية وقعت أو نور اتساب منور) دي مش “تربية زي الفل”، ده مؤشر خطر إن الطفل عايش في رعب وبيحاول يرضي الكبار عشان ينجد نفسه.
لما طفل يقولك “مفيش حاجة حصلت” وهو جسمه وعينيه بيقولوا العكس.. اعرف إن “مفيش” دي هي الكلمة الوحيدة اللي لسه قادرة تحميه من وجهة نظره. اسمعوا لسكوت أولادكم قبل كلامهم.