العزومة اللي فتحت عيني على الحقيقة حصري لصفحة روايات رولا
”في البيت ده، الناس بتستنى لما تتعزم الأول قبل ما تمد إيدها على أحسن حتة في الأكل!”
صوت حماتي، حميدة الهواري، طلع حاد وزي السك..ينة في الصالة، بالظبط في اللحظة اللي أخويا الصغير، حازم، كان لسه بيقرب شوكته من مناب الفراخ المحمرة في طبقه.
وقبل ما حد فينا يستوعب أو يعمل أي رد فعل، ليتها مادت إيدها من آخر الترابيزة وخبطت الشوكة من إيده! الفراخ وقعت على المفرش الأبيض الغالي، وعملت بقعة زيت وبصل كبيرة جمب كاس الكريستال بتاعها.
الدنيا كلها اتكتمت في الصالة، ومحدش نطق.
حازم لسه عيل عنده 18 سنة، كان لسه واصل القاهرة الضهر بعد مشوار سفر طويل ومجهد في السوبرجيت من بيت أهلنا في طنطا. الواد جاب مجموع يدخله هندسة عين شمس، وجاي يا عيني على منحة جزئية، وكان المفروض هيقعد معايا كام يوم لحد ما يشوف سكن طالبة مناسب أو يظبط دنيته.
دخل علينا بشنطة هدوم قديمة مقشرة، وقرصتين فلاحي من اللي أبويا بيحبهم، وبرطمان سمنة بلدي من بتاع أمي.
أنا كنت صاحية من الفجر واقفة في المطبخ بجهز العزومة دي، كنت عايزة أول ليلة ليه في القاهرة يحس إنه في بيته ومعزز مكرم. عملت له فراخ محمرة في الفرن، ورقاق باللحمة المفرومة، وملوخية، وصينية بسبوسة من اللي قلبك يحبها وبيتمناها من وهو عيل صغير.
لكن من أول ما حازم خطى عتبة الشقة، وحميدة بتبص له بقرف، كأنه شحات داخل بيتها.
قالت له بنبرة كلها تنديد: “خدي بالك وأنت قاعد على الأنتريه.. الحاجة هنا في مصر الجديدة بتتكلف مبالغ وأرقام أنتوا متعرفوش عنها حاجة في الأرياف.”
حازم وطى راسه في الأرض بحرج وقال لها: “حاضر يا طنط، شكراً”، مع إن الشقة دي أصلاً مش شقتها، ولا شقة ابنها!
الشقة دي شقتي أنا!
أنا اللي شارياها بفلوسي وتعب شقايا قبل ما أتجوز المحروس ابنها “باهر” بسنتين كاملين. الفلوس دي كانت من أرباح براند مستحضرات التجميل الأونلاين اللي أسسته من الصفر وحطيت فيه كل تحويشة عمري. أنا اللي بدفع أقساط الشقة، ووصولات الكهرباء والمياه، ومصاريف الأكل والشرب، وكل مليم بيفوت في البيت ده من طقطق لسلامو عليكم.
باهر كان آخره يشارك كل فين وفين بمبلغ عبيط، بس كان قدام الناس يحب يعيش الدور ويبين إنه هو اللي عملني وهو اللي جابلي النجمة من السما.
على السفرة، حازم مكانش قادر يمد إيده على الأكل. كان خايف يتحرك حركة يمين ولا شمال تدي لحميدة مبرر تاني عشان تسمه بكلمتين.
عشان أكسر حرج أخويا وأخليه ياكل، قمت شلت أكبر مناب فراخ وحطيته في طبقه وقلت له: “كل يا حبيبي بالف هنا وشفا.”
وش حميدة اتلوى في ثانية وتقلت: “المناب ده كان لباهر.. ابني شقيان وتعبان طول النهار في الشغل.”
مع إن باهر بيه كان بيقضي معظم لياليه بره البيت بحجة “اجتماعات شغل مع عملاء”، في حين إن مرتبه كله على بعضه ميكفيش قسط عربيته الـ BYD! بس مسكت نفسي وكلت في جنابي وقلت بصوت هادي:
”حازم مسافر من الصبح وتعبان يا طنط، والخير كتير ومغرق الترابيزة ويكفي الكل.”
أخويا من كسوفه وخوفه، حاول يرجع حتة الفراخ تاني للسيرفيس الكبير، فإيده اتهزت والفراخ وقعت منه على المفرش.
هنا بقى حميدة استلمته وقامت ناطرة إيده جامد!
وزعقت: “أنت هتبوظلنا الدنيا؟ داخل بيت الناس، تاكل أكلهم وتبهدل حاجتهم؟ هو محدش علمك الإتيكيت ولا الأصول في بلدكم؟!”
بصيت لوش أخويا اللي كان جايب ألوان من الصدمة والكسرة والدموع محبوسة في عينه.
لفيت وشي وبصيت لجوزي.. باهر.
كنت مستنية باهر يرد غيبتي وغيبة أخويا، كنت مستنياه يقول لأمه إنها زودتها أوي وعدت حدودها في بيتي وعلى سفرتي.
لكن الباشا ساند ضهره على الكرسي بكل برود وخد بق مياه وسحب نفس طويل وقال:
”أمي كان ممكن تقولها بأسلوب أحسن من كده يا سلوان.. بس برضه حازم لازم ياخد باله ويبقى حريص. قومي بقى لمي العك ده وهاتي لنا أطباق نظيفة عشان نكمل عشا.”
في اللحظة دي بالذات.. في حاجة جوايا ماتت وهديت تماماً. صووت الغضب سكت، وحل محله يقين واحد: الناس دي مكانها الشارع.
! 👇.
يلا بينا نشوف “سلوان” عملت إيه في “باهر” وأمه “حميدة”:
الباب اللي قفلته في وشهم للأبد
باهر قام من على الكرسي بسرعة لدرجة إن الكرسي اتهبد في الأرض وزعق:
“أنا جوزك! أنتِ هبلة؟ طرديني من بيتي؟!”
رديت عليه بكل برود: “الوصولات وعقد الشقة مكتوبين باسمي أنا.. يعني بيتي أنا.”
وشه اتقلب في ثانية. الباشا من كتر ما كذب الكذبة وعاش فيها سنين الجواز، صدق إن الجواز بيخليه يحط إيده على ممتلكاتي.
حميدة بدأت تصوت وتتهمني إني قليلة الأصل، ومفترية، ومجنونة.. بس أنا مديتهاش عقاد نافع ولا كأنها موجودة.
قلت لهم وأنا بفتح الباب: “بكرة الصبح هكلم المحامي بتاعي، والجوازة دي لغايت هنا ولحد كده والحمد لله.. خلصت.”
باهر شاور على حازم بغل وقال: “كل ده بسبب الزفت ده! لسه واصل بقاله كام ساعة وتقلبيني على أهلي؟”
قربت من أخويا وحطيت إيدي على كتفه: “حازم هو أهلي وسندي، والفرق بينه وبينكم إنه مفيش مرة استغلني ولا طمع فيا.”
باهر وشه اسودّ وقال بتهديد: “هتندمي يا سلوان.. من غيري مش هتسوي حاجة في السوق والكل هيتخلى عنك.”
فتحت باب الشقة على الآخر: “يبقى يقعد لوحدي أحسن لي ميت مرة.”
حميدة خرجت الأول وهي بتدعي وتصوت في السلم، وباهر خرج وراها وهو بيهددني إنه هيجيب محامي وهيطلع عيني وهيأخد نص كل حاجة بملكها.
قفلت الباب بالمفتاح والترباس.
حازم كان واقف جمب السفرة، وشه أصفر زي الليمونة ومش قادر يتحرك، وهمس والدموع في عينه: “أنا آسف يا أبله.. مكانش ينفع أجي خالص.”
أخدته في حضني وقلت له: “أنت معملتش حاجة غلط يا حبيبي، بالعكس، أنت ربنا بعتك عشان تفتح عيني على حاجات كنت مغمية عيني عنها.”
بعد ما حازم طلع نام في أوضته، بدأت أروق الصالة وألم السفرة.. وهنا عيني لقطت شنطة باهر الجلد جمب الركنة.
اللاپتوپ بتاعه كان جوه وال شاشة منورة لأنه نسي يقفله!
في ثانية، ظهر إشعار في ركن الشاشة:
“هي مضت على ورق القرض بضمان الشقة ولا لسه؟ المعرض مش هيستنى أكتر من كده على العربية الـ SUV.”
اللي باعتة الرسالة اسمها “تارا”. عمر سألت نفسي مين دي!
إديا سقعت وأنا بفتح الجهاز.
حياتهم اللي بنوها بفلوسي وشقايا
اللاپتوپ كان محتاج باسوورد.
جربت تاريخ ميلاد باهر، تاريخ جوازنا، اسم النادي اللي بيشجعه.. مفيش فايدة.
أول ما كتبت تاريخ ميلاد أمه، حميدة.. الجهاز فتح في ثانية!
أول صفحة ظهرت كانت حسابه البنكي على نت. في آخر 6 شهور، باهر كان بيحول آلاف الجنيهات لحميدة، ومكتوب جمب التحويلات: “عشان الغويشة اللي عجباتك”، “قسط الأرض”، “من ابنك حبيبيك”.
باهر أصلاً مرتبه ميعملش كل المبالغ دي!
وبعدين شفت تحويلات تانية شهرية لـ “تارا”.
إيجار شقتها.. مصاريف دكاترة.. لبس.. عفش.. حتى فواتير المطاعم الكبيرة!
قلبي كان هيقف وأنا بفتح رسايل الواتساب والماسينجر.
تارا كانت كاتبة له الضهرية: “أنت وعدتني إن القرض هيوافقوا عليه الشهر ده.. ابننا يستاهل يعيش في مكان أنظف وأحسن من كده.”
باهر رد عليها: “أمي بتكبس على سلوان ومقعداها في خانة اليك. هفهمها إن شركتي واقعة ومحتاجين نضمن الشقة عشان آخد قرض، وهي هبلة وبتتأثر بسرعة وبتوافق لما بحسسها بالذنب.”
كملت قراية.. وحميدة كانت عارفة بكل حاجة!
كانت بتروح تزور تارا وتجيب لعب للبيبي، وتقولها “ده الحفيد اللي كنت بتمناه طول عمري.”
في رسالة منهم، حميدة كاتبة لباهر: “أول ما سلوان تمضي ورق القرض، خد الفلوس واشتري العربية وشقة التجمع.. وعقبال ما تفوق وتفهم إيه اللي حصل، تكون الشقة غرقت في الديون والبنك حجز عليها.”
كنت هترجع من كتر القرف، بس الصدمة الكبيرة كانت لسه جاية.
من 3 سنين، أنا اديت لباهر 180 ألف دولار (بما يعادل ملايين الجنيهات) عشان يفتح شركة تسويق. بعد 6 شهور جالي البيت وهو بيعيط ودموعه مغرقة وشه وبيقول إن شريكه نصب عليه وهرب بالفلوس.
أنا يومها طبطبت عليه وقلت له فداك، وهنبني من جديد يا حبيبي.
لكن الصدمة إن الشركة دي مكانش ليها وجود أصلاً!
الفلوس دي كلها اتدفعت في حتة أرض كبيرة في “الجونة”، ومتسجلة باسم أمه حميدة!
في اللحظة دي، كل علامات الاستفهام في جوازي اتفهمت.
تعب أمه المفاجئ اللي كان بيحتاج فلوس.. اجتماعاته بليل.. المؤتمرات اللي كان بيسافرها.. الفواتير اللي كان بيحملها على شركتي.. ضغطه المستمر عشان ندمج حساباتنا البنكية.
الناس دي مكانتش شايفاني زوجة ولا بنت أصول.. كانوا شايفيني حصالة فلوس!
تليفوني رن.. كان باهر.
رديت وفتحت تسجيل المكالمة فوراً.
زعق: “هاتي اللاپتوپ بتاعي حالا.. لو فتحتِ أي حاجة هعملك محضر!”
قلت له بكل برود: “خايف من رسايل تارا؟ ولا خايف من خطة القرض وضمان شقتي؟”
الدنيا سكتت تماماً، وبعدين صوته اتقلب وبقى يتمسكن: “سلوان.. أنا ممكن أفهمك كل حاجة.”
”فهم الكلام ده للمحامي بتاعي.”
نقلت كل كشوف الحسابات، الرسايل، الصور، العقود، والوصولات على فلاشات، وبعت نسخ منها على إيميل سري باهر ميعرفش عنه حاجة.
تاني يوم الصبح، كلمت أستاذة “چيهان”، محامية أحوال شخصية معروفة جداً في مصر الجديدة. بعد ما شافت الورق، قالت لي كلمة واحدة:
“أوعي تقعدي مع باهر لوحدك، أوعي تمضي على ورقة واحدة، وأوعي تمسحي فاييل واحد من الحاجات دي.”
أسفهم عاش 5 دقائق بالظبط
على العصر، باهر وأمه جم ووقفوا قدام باب الشقة.
في الأول، عملوا نفسهم ندمانين وطيبين. باهر كان جايب بوكيه ورد، وحميدة شايلة صينية رقاق، كأن الأكل هيمسح اللي حصل.
حميدة قالت من ورا الباب بنبرة حنينة: “يا بنتي كل بيت فيه مشاكل وسوء تفاهم.. افتحي الباب وخلينيا ندخل نتكلم زي الكبار وعقلنا في راسنا.”
مفتحتش.
قلت لهم: “قدامكم 5 دقايق وتختفوا من قدام البيت.”
صوت باهر اتقلب لغل وزعيق في ثانية: “أنتِ مش هتقدري تمنعيني من حاجتي وهدومي!”
”المحامية بتاعتي، أستاذة چيهان، هتظبط ميعاد تيجي تأخد فيه حاجتك في وجود أمن العمارة.”
”محامية مين؟”
”المحامية بتاعتي.”
الطرقة هديت، وبعدين حميدة بدأت تصوت وتزعق في الشارع إن باهر ليه نص الشقة ونص الشركة، وباهر صرخ إنه عايز 2 مليون جنيه عشان يرضى يطلقني بهدوء ومن غير محاكم.
سجلت كل ده بكاميرا المراقبة اللي على الباب.
وقبل ما ينزل، باهر قرب من الكاميرا وقال بغل: “فاكرة نفسك قوية عشان معاكي قرشين؟ أنا هعرف إزاي أدمر سمعتك وسمعة شركتك في السوق.”
وبعد 3 أيام، حاول يعمل كده فعلاً.
الفضيحة اللي عملوها في شركتي
يوم الإثنين الصبح، وصلت مقر شركتي في التجمع، لقيت الموظفين والعملاء واقفين عند الباب وبيتفرجوا.
حميدة كانت قاعدة في الريسبشن، لابسة عباية قديمة ومبهدلة وشعرها منكوش قاصدة، وباهر واقف جمبها ووشه باين عليه الحزن والانكسار.
كانت بتقول للناس كلها إن طردتهم في الشارع: “مرت ابني نجحت واغتنت بفضل ابني وشقاه.. ودلوقتي شافت لها راجل تاني ورمت جوزها وأمه العيانة في الشارع!”
باهر شافني وزعق: “سلوان، أنا مش عايز أفضحهك قدام موظفينك.. إديني حقي اللي بملكها وأنا همشي بالمعروف.”
الفيلم الهندي ده كله كان معمول عشان أخاف وأكش وألم الموضوع. زمان، كان ممكن اتهز، بس النهاردة لأ.
طلبت من الأمن يشغلوا كاميرات الريسبشن بالصوت والصورة، ورفعت موبايلي في وشهم:
“ممكن تعيدي تاني يا طنط حكاية الراجل التاني دي؟ وعشان باهر بيه يشرح للموجودين بالمرة هو ليه بيحول فلوس شركتي لواحدة تانية حامل في ابنه؟”
حميدة سكتت ودموعها نشفت في ثانية.
طلعت الموبايل ووريت الناس سكرين شوت من التحويلات وعقد العربية الـ SUV.
باهر قرب مني وهو هيموت من الغيظ، بس اتنين من رجال الأمن وقفوا في وشه ومنعوه.
قال بفحيح: “الحاجات دي خصوصية ودي سرقة!”
”يبقى نتناقش فيها بالخصوصية دي قدام المحكمة.”
لموا نفسهم وجريوا قبل ما إدارة المبنى تطلب النجدة، بس الحركة دي عرفتني إنهم مش هيحسوا بالدم ولا بالكسوف، ومش هيتهدوا إلا لما يلاقوا إن استغلالي هيكلفهم غالي أوي.
الإمضاء اللي غير كل حاجة
المحامية چيهان درست ورق أرض الجونة كويس جداً.
الشقة كانت في المضمون، لأن أبويا وأمي هما اللي دفعوا مقدمها كهدية ليا لوحدي قبل الجواز، وباهر كان ماضي على إقرار موثق في الشهر العقاري إنه ملوش أي حق في الشقة.
لكن الأرض كشفت بلاوي تانية.
كان فيه شخص تاني ساعد باهر في تحويل الفلوس دي.. ابن عمه، “تامر الهواري”، كان شغال محاسب في شركة عقارات، وهو اللي عمل الفواتير المضروبة وخلص حكاية الشراء.
بس تامر مكانش لله وللوطن، كان حاطط جزء من فلوسه في الأرض دي كشراكة. ولما عرف إن باهر ناوي يبيع الأرض ويخلع بالفلوس لوحده من غير ما يديله ملوخية، التحالف بتاعهم انهار!
تامر كلم المحامية بتاعتي وعرض إنه يشهد مع الفايل بالكامل. جاب العقود الأصلية، كشوفات الحسابات، والرسايل اللي تثبت إن الخطة دي معمولة من قبل فرحنا أصلاً!
في رسالة من حميدة لباهر، خلت جسمي يتنفض:
“عاملها كأنها ملكة لحد ما تؤمن لك وتديك الأمان والفلوس.. بعد كده هنعرفها مين اللي بيمشي البيت ومين أسيادها.”
الكلام ده وجعني أكتر من خيانة باهر مع تارا. جوازي كله كان خطة مرسومة بدم بارد!
في أول جلسة تسوية، باهر جه لابس بدلة شيك، وحميدة شايلة مصحف صغير في إيدها ومبينة الهدوء والتقوى. طلبوا تسوية بمبلغ ضخم ونص الشقة.
أستاذة چيهان حطت 3 ملفات على الترابيزة وقالت:
“الشقة ملك خالص لموكلتي، والأستاذ باهر ماضي على إقرار بكده في الشهر العقاري. وإحنا بنطالب برد مبلغ 180 ألف دولار اللي تم النصب بيهم بداعي شركة وهمية، واتشربت بيهم أرض في الجونة باسم والدته.”
باهر وشه جاب ألوان: “الفلوس دي كانت هدية منها ليا!”
قلت له: “خلاص، ورينا شطارتك بقى وفسر للمحكمة الفواتير والشركات المضروبة دي بتاعت إيه.”
حميدة وقفت وزعقت: “الأرض دي ملكي أنا! ابني اشتراهالي عشان أنا اللي ربيته وكبرته!”
”اشتراها بفلوسي أنا يا طنط.”
الباب انفتح.. ودخل تامر ابن عمه ومعاه المحامي بتاعه.
باهر برق له: “إحنا كان بينا اتفاق!”
تامر رد عليه: “أنت كنت عايز تبيع الأرض وتأكل حقي وتسبني على الحديدة.. أنا مش هضيع نفسي عشان أحميك.”
وقدم الرسايل، العقود، والمسودة بتاعة قرض الشقة. وفي الخناقة والردح اللي حصل، باهر اعترف بلسانه إن القرض الجديد كان عشان يدفع تمن شقة تارا، والعربية، ويسدد ديونه الشخصية.
الجلسة اتفضت فوراً، والورق كله اتحول للنيابة العامة.
لما كل الكذب اتقلب عليهم
تارا كانت واقفة مستنية بره قاعة المحكمة، كانت في الشهر الخامس وماسكة في إيدها فايل من معرض العربيات.
زعقت: “باهر! قولي إن العربية لسه هتخلص!”
باهر قالها: “كله هيبقى تمام.. سلوان بس بتكبر الموضوع وبتتبلى علينا.”
أستاذة چيهان ردت عليها: “كل الحسابات اللي فيها الفلوس المتنازع عليها اتجمدت بقرار من النيابة، والأرض هتتباع بالمزاد العلني عشان ترد حق موكلتي.”
تارا بصت لحميدة بذهول: “أنتِ مش قلتي لي إن باهر يملك الشقة ونص الشركة الكبيرة؟”
حميدة لفت وشها وقالت: “يعني.. يعتبر بتاعه!”
طلعت من شنطتي نسخة من إقرار الشهر العقاري واديتها لتارا. قرأتها مرتين، وبصت لباهر بكسرة وقرف:
“أنت طلعت متملكش الشقة، ولا تملك الشركة، ولا تملك حتى الحياة اللي وعدتني بيها!”
سابتهم ومشت، وبعد كده وافقت تقدم كل الرسايل اللي معاها للمحامين بتوعنا.
باهر حاول يماطل في الق..ضية شهور، ويغير كلامه، ويهدد إني سرقت اللابتوپ بتاعه.. بس كشوف الحسابات، العقود، كاميرات المراقبة، وشهادة ابن عمه قفلت كل الأبواب في وشه.
الطلاق اتنفس وبقى رسمي.
الشقة فضلت بتاعتي، باهر مأخدش مليم من شركتي، وشال ديونه الشخصية كلها لوحده.
أرض الجونة اتباعت ورجعتلي فلوسي. وحميدة اللي كانت فاكرة إن كتابة الأرض باسمها هيحميها، لبست في الق..ضية رسمي واضطرت تتنازل عن الأرض وتبيع دهبها وحاجات غالية من بيتها عشان تخلص نفسها من قضايا النصب.
وباهر اتطرد من شغله بعد ما شركته عرفت إنه استخدم أوراق وأختام الشغل في عمل فواتير مضروبة.
وقوع باهر مكانش درامي وسريع.. حصل بالبطيء وقاتل:
حساب يتقفل.. قسط يتأخر.. حاجة من ممتلكاته تتباع.. وكذبة تتكشف ورا التانية لحد ما بقى على الحديدة.
آخر مرة حميدة عتبت فيها بابي
بعد 8 شهور من العزومة المشئومة دي، لقيت حميدة واقفة قدام باب الشقة.
مكانتش لابسة لبس البراندات اللي كانت بتمنظر بيه، وشها تعبان وعجوز، وماسكة في إيدها ورق وحسابات بنكية.
قالت بمسكنة وكسرة: “ببوس إيدك يا بنتي.. وقفي بيع بقية الحاجة.. باهر ضاع وخسر كل حاجة. أنتِ لسه عندك شركتك، وبيتك، وأهلك.”
رديت عليها من ورا الباب: “أنتِ كان عندك كل ده وأنتِ عايشة هنا يا طنط.. خسرتيه لما فكرتي تأكلي حق وتطمعي في اللي مش بتاعك.”
”أنا كنت عايزة أأمن مستقبل ابني بس!”
”لأ.. أنتِ كنتِ عايزة تأمني رفاهيتك على حسابي. كسرتِ أخويا وهنتيه على سفرتي، وداريتِ على خيانة ابنك وحياته التانية، وكنتوا ناويين تسيبوني غرقانة في ديونكم وتمشوا.”
وطت راسها في الأرض: “مش هتقدري تسامحيني؟”
”المسامحة مبتلغيش العواقب يا طنط. أنا مش هجري وراكم ولا هأذيكم، بس عمري ما هكون الحبل اللي ينقذكم تاني.”
طلبت من أمن العمارة ينزلها بره بكل هدوء.
مزعقتش.. ومكنتش محتاجة أزعق.
الست اللي كانت بتتحكم في بيتي وتتحكم فيا، مشت وهي مجرورة، لأن الإحساس بالذنب مابقاش يفتح أبوابي تاني.
السفرة رجعت لصحابها
حازم قعد معايا طول سنته الأولى في الجامعة.
لفترة طويلة، كان بيأنب نفسه وبيفتكر إنه هو السبب في طلاقي وخراب البيت.
في ليلة، اعترف لي وهو مكسوف إنه بيخاف ويجيله قلق كل ما يشوف فراخ محمرة على السفرة.
قلت له وأنا باخده في حضني: “أنت مخرّبتش بيتي يا حازم.. أنت كنت النور اللي اتفتح في أوضة ضلمة عشت فيها سنين ومكنتش شايفة الفساد اللي جواها.”
الواد واحدة واحدة رجعت له ثقته في نفسه، جاب تقدير إمتياز وأخد منحة كاملة، وبقى يساعدني في الستور الأونلاين بتاعي في الويك إيند.
ولما بابا وماما جم القاهرة عشان يحضروا حفلة تكريمه في الجامعة، أمي عملت صينية فراخ محمرة كبيرة وريحتها قالية الدنيا.
للحظة، بصيت أنا وحازم لبعض.. وفطسنا من الضحك.
شلت أكبر حتة فراخ وحطيتها في طبقه وقلت له بصوت عالي:
“في البيت ده.. محدش بيستأذن عشان ياكل حقه!”
العشا ده مابقاش رمز للإهانة والكسرة.. بقى دليل على إننا عدينا وانتصرنا.
الحياة اللي بنتها بعد كده
بطلت أداري نجاحي عشان أحمي “إيجو” أو كبرياء باهر اللي مكانش وراه غير الفراغ.
بقيت أنا الوش الرسمي لشركتي، بقيت بقعد مع المستثمرين وأخلص الشغل بنفسي، وعملت برنامج تدريب صغير للستات اللي بيبدأوا مشاريعهم من الصفر.
كتير منهم كانوا فاكرين إن السكوت وبلع الإهانة هو التمن عشان “البيت يفضل مفتوح والأسرة تتلم”.
أنا مكنتش بحكي قصتي عشان أعلم الناس الانتقام.
كنت بحكيها عشان أفكرهم إن الحب من غير احترام.. بيبقى مجرد قناع للتحكم والسيطرة.
بعد سنة من العزومة دي، أستاذة چيهان كلمتني وقالت لي إن فلوسي كلها تقريباً رجعت في حسابي.
أخدت جزء منها لتعليم حازم، وجزء تاني ساعدت بيه بابا وماما يجددوا بيتهم في طنطا، والباقي كبرت بيه شركتي.
وأنا بـأمضي الورق الأخير، چيهان سألتني: “حاسة إنك كسبتي وفزتِ يا سلوان؟”
افتكرت مفرش السفرة المتبهدل.. وش أخويا وهو خايف ومكسور.. رسايل حميدة.. وباهر وهو بيقولي إن ماليش قيمة من غيره.
بصيت على شوارع القاهرة والبرج من ورا الإزاز وقلت لها:
“أنا كسبت وفزت من الليلة اللي بطلت أصدق فيها كذبهم.. كل اللي حصل بعد كده كان مجرد رجوع الحاجة لأصحابها الأصليين.”
أنا مابقتش أكره باهر ولا حميدة.
الكره كان هيخليني مربوطة بيهم، وأنا معنديش أي طاقة أشيل الحمل ده. هما عايشين مع اختياراتهم، وأنا عايشة مع اختياراتي.
وعمري في حياتي ما هخلط تاني بين الصبر والاستسلام، ولا بين السكوت والسلام، ولا بين إن حد يكون “محتاجني” وإن حد يكون “بيحبني”.
السدود الحدودية القوية مابتخليش البني آدم قاسي.. لأن القسوة الحقيقية هي إنك تستغل طيبة حد، وفلوسه، وجدعنته، وحبه، وتفهمه في نفس الوقت إن الدفاع عن نفسه هو أنانية وقلة أصل.
البيت الهادي مش البيت اللي مفيش فيه خناق.. البيت الهادي هو المكان اللي محدش فيه بيضطر يكتم صوته ويبلع حقه عشان يحمي روقان بال ناس ترفض تديله أصلاً الاحترام.
المسامحة ممكن تريح قلبك، بس عمرها ما بتجبرك تفتح الباب تاني، ولا ترجع الثقة، ولا تمسح العواقب، ولا ترحب بشخص هدم أمانك مية مرة قبل كده.
أول ما تبطلي تشرحي قيمتك للناس اللي بتكبر لما تصغرك.. اعرفي إنك بدأتي ترجعي ثقتك في نفسك اللي حاولوا يسرقوها منك.
أقوى شكل من أشكال الانتقام مش إنك تشوف اللي آذاك بيعاني.. أقوى انتقام هو إنك تبني حياة هادية وناجحة، حياة كذبهم، وضغطهم، وألاعيبهم مابقاش ليها أي سلطة عليها.