ف العزومة
في عزومة أول يوم العيد في بيت عيلتنا، عمتي وزّعت عيدية 500 جنيه على كل عيل واقف في الصالة—إلا عيالي أنا. ولما قالت ببرود: “أمهم مش من دمنا”، بصيت في عينيها وقلت لها: “يبقى بلاش تعيشي علينا الدور وتعملي فيها عيلة”، وأخدت مراتي وعيالي ومشينا. بعد 23 دقيقة بالظبط من إيميل واحد بعته، تليفون عمتي مابطلش رن.
العيد في بيت أبويا وأمي في طنطا دائمًا له نفس الريحة: ريحة البط المحمر في الفرن، والقهوة المظبوطة، وبخور المستكة اللي أمي بتولعه في كل مناسبة. شمس العصر كانت داخلة من شباك الصالة الواسع، ومقسومة فوق ترمس العيد، وشاى النعناع، ومفرش السفرة المشجر.
من برة، كان المنظر يدفي.
يبان إنها عيلة لمتها تفرّح.
مراتي “منار” كانت واقفة على رجليها من النجمة؛ بتغسل معالق التقديم، وتصب العصير للولاد، وبتودي القهوة لأبويا اللي لسه قايم من عملية وجع ظهر. عمرها ما طلبت كلمة شكراً، ولا وقفت تستنى حد ياخد باله من تعبها.
هي ببساطة كانت بتسد في أي حتة.
وعلى مدار 8 سنين، ده كان طبعها.
شالت جدتي في أيام مرضها الأخيرة، وبتفتكر أعياد ميلاد الكل اللي إحنا نفسنا بننساها، وكانت بتاخد أمي في إيديها وتروح بيها لدكاترة المنصورة والقاهرة لما نكون كلنا مشغولين في أشغالنا.
بس بالنسبة لعمتي “كامليا”، منار دي مكانتش أكتر من “الست اللي رامي اتجوزها”.
عمتي كامليا وصلت العزومة لابس فستان شيفون غالي، وفي إيدها شنطة ماركة، وابتسامة بتقول للكل إنها صاحبة الليلة. الكل كان بيعمل لها ألف حساب وبيخاف من زعلها، لأنها هي اللي ماسكة ورث العيلة، والتوكيلات، والمحلات اللي جدي سابها في وسط البلد.
بعد الغدا، عمتي وقفت جمب السفرة وبتخبط بضوافرها اللي عاملاها في الكوافير على شنطتها.
وقالت بصوت عالي وفرحان: “يلا يا ولاد.. تعالوا هنا، طنط كامليا جايبالكم مفاجأة”.
العيال جريوا عليها.
طلعت أظرف بيضا وبدأت توزعها واحد ورا التاني.
”ده ليوسف”.
“وده لفريدة”.
“وده لآدم”.
“وده لجنا”.
ابن ابن عمي فتح الظرف وصرخ من الفرحة: “خمسومية جنيه بحالها يا طنط؟”
الكبار ضحكوا، وناس صقفت، وفي قريبتنا طلعت تليفونها وبدأت تصوّر فيديو.
وفجأة.. الصالة هديت.
ابني “كريم” كان واقف ورا العيال الصغيرين مستني دوره بأدب. وبنتي “مريم” كانت ماسكة في إيدي وبتبص على شنطة عمتي، مستنية الظرف بتاعها وبتاع أخوها يطلع.
عمتي كامليا راحت قافلة سوستة الشنطة “تك”.
مريم بصت لي وهمست: “بابا.. هي عمتو نسيتنا؟”
وش أمي اتخطف، وأبويا اتجمد وكوباية الشاي في إيده في الهوا، ومنار مراتي فضلت قاعدة مكانها مابتنطقش.
أمي قالت براحة: “كامليا.. إنتِ نسيتي كريم ومريم”.
عمتي شاورت بإيدها باستهتار وقالت: “أنا مانسيتش حد يا هدى. الفلوس دي طالعة من أرباح محلات العيلة، وأنا وزعت على عيال العيلة اللي من دمنا”.
بصيت لها وقلت: “تقصدي إيه بكلامك ده؟”
عمتي بصت لي، وبعدين نقلت عينيها لمنار وقالت: “أقصد إن الفلوس دي للي من صلبنا. منار مش من العيلة، دي الست اللي أنت اتجوزتها، والعيال عيالها. ليه ياخدوا من شقى وتعب عيلتنا؟”
قلت لها وصوتي بدأ يعلى: “دول عيالي أنا.. ابني وبنتي!”
ابتسامتها بقت أبرد وقالت: “متبنيين بقى ولا مش متبنيين، مش فارقة، الدم مش واحد. لو منار عايزاهم يتعيدوا بـ 500 جنيه، تروح تشتغل لها وردية زيادة في المستشفى”.
الناس في الصالة شهقت من الصدمة.
بس الشهقة دي ماحمتش عيالي من الكسرة.
مريم بدأت تعيط وتستخبى في ضهري، وكريم وشه بقى دم من كتر الإحراج وبص في الأرض.
ومنار كانت ساكتة، بتشرب الإهانة عشان ماتوصلش للعيال، بس هي كانت خلاص وصلت.
بصيت لعمتي، وبعدين بصيت للناس اللي في الصالة، لأبويا وأمي اللي سكتوا عشان محدش قادر يزعل الست اللي في إيدها العقود والفلوس والمحلات.
قلت لها: “يبقى بلاش تعيشوا علينا الدور وتعملي فيها عيلة”.
وقفت، وأخدت إيد كريم، وشيلت مريم على كتفي.
“منار.. يلا بينا على البيت”.
عمتي ضحكت ورايا وقالت: “جرى إيه يا رامي متبقاش قفوش، دي أصول وقوانين عيلتنا”.
مابصيتلوش ورايا ومشيت.
طريق الرجوع في العربية كان سكوت تام. منار كانت ماسكة إيدي طول الطريق بطبطب عليا، مع إنها هي اللي اتهانت.
أول ما وصلنا، قعّدت الولاد قدام التلفزيون وشغلت لهم كارتون واديتهم شوكولاتة العيد. ودخلت مكتبي وقفلت الباب.
عمتي كامليا فاكرة إنها سايفة الكون ومحدش يقدر عليها عشان ماسكة المحلات والفلوس وبتقعد مع المستثمرين.
بس نسيت حاجة مهمة جداً.
من سنتين، كانت محتاجة إمضتي كـ “ضامن وشريك متضامن” في ورقة تخص أرض في التجمع الخامس، عشان تبني عليها مشروع “كومباوند ومولات” وده أكبر مشروع دخلت فيه في حياتها. وأنا أمضيت وقتها عشان كنت فاكر إن العيلة لبعضها.
الساعة 3:14 العصر يوم العيد، فتحت اللاب توب بتاعي.
كتبت جواب رسمي بـ “سحب ضمانتي وإلغاء التضامن”، وذكرت فيه صراحة “إخلال الطرف الآخر ببند حسن النية والثقة المتبادلة”. وأرفقت صورة التوكيل القديم، وبعت نسخة لشركة الاستثمار العقاري، ونسخة للبنك الأهلي وبنك مصر اللي بيمولوا مشروع البرج بتاعها.
من غير زعيق.
من غير تهديد.
من غير خناق على جروب العيلة.
شغل ورق بس.
اللغة الوحيدة اللي كامليا بتفهمها وبتخاف منها.
من غير إمضتي وضمانتي، التمويل بتاعها هيقف، وقرض البناء هيتأخر، والشروط الجزائية مع المستثمرين هتبدأ تطحنها من أول دقيقة يوم الإثنين الصبح.
قريت الإيميل مرتين.. ودست “إرسال”.
بعد 23 دقيقة بالظبط، شاشة تليفوني نورت.
“العمة كامليا تتصل بك…”
بالنسبة لعمتي كامليا، “منار” مكانتش أكتر من “الست اللي رامي اتجوزها”. وتلقيح الكلام بتاع كامليا عمره ما كان بزعيق، لأ.. ده كان دايماً بيجي في ثوب الذوق والأدب المزيف. يعني مثلاً، تسألها بخبث كده: “هي عيلتك الحقيقية مش هتيجي تعيد معانا برضه يا منار؟”، أو تقول لها بنبرة تعالٍ: “معلش يا حبيبتي، أنتِ مش هتفهمي طبع عيلتنا وأصولنا بتمشي إزاي هنا”.
في يوم العيد ده، كامليا وصلت وهي لابس فستان شيفون ألوانه هادية، وفي إيدها شنطة ماركة، وبصت لمنار نفس البصة الدونية اللي بتبصها للشغالين اللي بيجوا ينظفو لها بيتها. منار خدت بالها من النظرة كويس جداً، بس كتمت في نفسها وما نطقتش بكلمة.
بعد الغدا، الكل قعد حوالين السفرة يشربوا الشاي والقهوة وبياكلوا كعك العيد. والعيال كانوا هلكانين وتعبانين من الجري واللعب في الجنينة ورا البيت. وفجأة، عمتي كامليا راحت مخبطة بضوافرها اللي عاملاها في الكوافير على شنطتها..
وقالت: “يلا يا ولاد.. تعالوا هنا، طنط كامليا جايبالكم مفاجأة”.
العيال جريوا عليها كلهم…
لما العيال جريوا عليها، بدأت كامليا توزع الأظرف زي ما عملت فوق، لحد ما قفلت الشنطة وكسرت بخاطر كريم ومريم وقالت كلمتها السمجة: “الدم مش واحد، ولو منار عايزاهم يتعيدوا تروح تشتغل وردية زيادة”.
ساعتها رامي ما استحملش، أخد مراته وعياله ومشيوا علطول لطنطا وهم في قمة الحزن والكسرة. أول ما وصلوا وِطمن على عياله، دخل مكتبه وقفل الباب.. وهنا جه وقت الرد اللي هيدمر عمتو كامليا.
رامي فتح اللاب توب، وبدأ يكتب الإيميل اللي هيقلب حياتها. كامليا كانت داخلة في مشروع “كومباوند ومولات” ضخم جداً في التجمع الخامس، ولأن رامي كان شريك بصفته وريث وله توقيع كـ “ضامن متضامن”، من غير إمضته المشروع كله يقف. رامي كتب إيميل رسمي وصارم بسحب ضمانته وإلغاء التضامن فوراً بسبب “إخلال الطرف الآخر ببند حسن النية والثقة”. وبعت الإيميل ده للبنك الأهلي وبنك مصر (الجهات الممولة) ولشركة الاستثمار العقاري.
بعد 23 دقيقة بالظبط، الإيميل وصل لكل الجهات، والبنك كلم كامليا فوراً وبلغها إن التمويل اللي بمليارات وقف، وإن فيه شروط جزائية هتنزل عليها من صباحية ربنا يوم الإثنين لأن الضامن سحب نفسه.
تليفون كامليا مابطلش رن، وفجأة ظهر اسمها على شاشة تليفون رامي.. كانت بتتصل وهي مرعوبة وبتعيط وبتقول له: “أنت بتخرب بيتي يا رامي؟ المشروع هيضيع مني!”
رامي رد عليها بكل برود وثقة: “جرى إيه يا عمتو متبقيش قفوش.. دي مجرد أصول وقوانين، مش أنتِ اللي قلتي كده؟” وقفل السكة في وشها، ورجّع لمراته وعياله حقهم تالت ومتلت.