رواية جديدة جدا من 9-14

الفصل التاسع

“طاهر”

قالها أشرف بذهول بعدما وقعت عينيه على ابنه الأوحد جالساً على الدرج أمام باب المنزل منحنياً بجذعه إلى الأمام ومستندًا بجبينه على أنامله بابتئاسٍ وكمد .

ارتفعت نظرات الآخر إليه بعدما استمع إلى نبرته المنصدمة ثم وقف مقابلاً له وسرعان ما وقعت عيناه على ملك المستندة على درابزين السلم الحديدي مطالعة إياه باندهاش من قدومه في هذا الوقت …

انفرجت شفتاه وهو يهم بالحديث بشيء ما ولكن توقفت الكلمات بحلقه بعدما شعر بقبضة أمه الحانية التي التفت حول جسده باشتياق معتصرة إياه في عناق أمومي حار وهي تتمتم بعدة كلمات غير مفهومة من فرط سعادتها برؤيته أمامها بعد عدة أشهر قضاها في إحدى المدن البعيدة عنها …دمعت عينيه بتأثر وانحنى مقبلاً رأسها عدة مرات باشتياق مماثل ومشاعر صادقة كالتي أغدقته بها طيلة حياتها …بقيا على حالهما هكذا عدة ثواني حتى ابتعدت (نادية) عنه وهي تتلمس وجهه بتفحص وإمعان ثم انحنت محتضنة إياه مرة ثانية وعيناها تفيضان من الدمع من فرط اشتياقها لفلذة كبدها الذي قسى عليها بابتعاده عنها غير شاعراً بقلبها الذي ينتفض في كل ثانية خوفاً عليه .

ابتعدت عنه بهدوء منافي لحالتها الثائرة منذ قليل بعدما استمعت إلى كلمات زوجها وهو يهتف بجمود : تعالوا ادخلوا چوه مينفعش الحديت على الباب إكده

أومأت له نادية بإيجاب وتأييد بينما رمقه طاهر بتوتر من تلك النبرة الجامدة التي يعلم سببها جيداً

بعد ثواني معدودة جلست نادية بجوار ولدها على المقعد الكبير ذو اللون البني الداكن وهي تطالعه باشتياق بينما جلست ملك بخجل على المقعد المقابل لهما بعدما شعرت بالندم ينهش لبَّها على تسرعها وقدومها معهم في هذا اليوم فولدهم الوحيد أتى لزيارتهم بعد شهور كثيرة لم يرَ أياً منهما الآخر فحتمًا سيبقى معهم عدة أيام يتفقد أحوالهم ويروى ظمأ اشتياقهم الذي أدمى قلوبهم وجعلها بحاجة إلى عناق ربما يطيل إلى أيام عديدة كي يشفي جروح قلوبهم المستعرة ويلملم حِطامها… رفعت نظراتها إلى طاهر بعقل شارد دون إدراك فوجدته يطالعها هو الآخر ولكن بنظرات تختلف عن تلك التي تطالعه بها

…فاقت من شرودها على التقاء نظراتها معه وسرعان ما أخفضت عينيها بخجل أكثر من ذي قبل وهي تلوم نفسها … فأحياناً ما نسرح بخيالنا وتضيع عقولنا في ذكريات لا تفارقنا مهما حاولنا الفرار والانفلات عنها ونصطدم بعد إفاقتنا من هذه الدوامة التي دلف بها عقلنا بأشياء تطالعها أعيننا دون أن ندرك ما ننظر إليه، دلف عقلها بدوامة أخرى بعد رؤيتها لنظرة طاهر تلك التي كان دوماً ما يغدقها بها، شعرت بالخوف يسري في عروقها بعدما تذكرت ذلك الموقف الذي حدث بينهما قبل زواجها من صالح بأيام قليلة حينما أخبرها بأنه يعشقها ولا يستطيع الخلاص من عشقها الذي يكبل قلبه ويجعله غير قادرًا على مواصلة حياته مع زوجته التي تزوجها فقط علَّه يستطيع نسيانها بها ولكنه لم يقدر، أخبرها بأنه حاول كثيراً نسيانها وذم قلبِه في كل مرة كانت تتحدث بها أمامه عن صالح حبيبها الذي لا يحقد على أحدًا بحياته كما يحقد عليه لفوزه بقلبها الذي أفنى عمره في الوصول إلى أعماقه، تذكرت نظراته البائسة حينما أخبرته بأنه لم يمثل سوى أخ لها وأن قلبها ملكاً لآخر لا تستطيع التخلص من عشقه هي الأخرى، لم تك تدري حينها أن عشقها الذي حطمت قلبه حينها لأجله سيحطم قلبها آلاف المرات ويجعل اللقب الوحيد المناسب لها هو “حِطام أنثى”….على ذكر عقلها لصالح شعرت بالندم لعدم استماعها لكلماته وإطاعته بأن يأتي في آخر اليوم ويصحبها بدلاً من بياتها في هذا المنزل أسبوعًا كما كانت تنوي، أرادت مهاتفته في هذه اللحظة وإخباره بأن يأتي ويصحبها في آخر اليوم كما كان يريد ولكن بأي حجة ستخبره عن سبب عودتها في قرارها، هداها عقلها إلى محادثته في الصباح وإخباره بأن النوم لم يطرق بابها وعدم قدرتها على البيات هنا كما كانت سابقاً، فاقت من شرودها مرة أخرى على نبرة خالها الجامدة المغلفة بعتاب خفي الموجهة إلى ولده

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *