على سفرة ثاني يوم عيد الأضحى حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
على سفرة ثاني يوم عيد الأضحى في فيلتنا بالساحل الشمالي، مرات ابني مرتضى مسكت طبق الأكل اللي كنت لسه مجهزاه لنفسي وملمستهوش، وراحت رمياه كله في طبق الكلب قدام الناس كلها وقالت بصوت عالٍ وضحكة مستفزة:
«الشغالين بياكلوا بعد الضيوف.. اتفضلي اقفي جنب البوابة لحد ما نخلص.»
أنا ماردتش، ولا اتخانقت.
كل اللي عملته إن لبست الشال بتاعي بهدوء وقُلتلها: «يبقى جه الوقت اللي الكل يعرف فيه مين صاحب المكان ده بالحقيقة.»
وقبل ما الليل يخلص، كانت واقفة قدام الناس كلها ووشها جايب ألوان ومش عارفة تنطق بحرف.
اللحظة اللي “نيرمين” دلقت فيها أكلي في طبق الكلب “مكس”، الدنيا كلها سكتت في الجنينة المطلة على البحر.
ولثانية كاملة، الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت الصواريخ والبومب بتوع الأطفال على البحر، وصوت المعلقة الفضة بتاعة أمي الله يرحمها وهي بتخبط في طبق الكلب.
أنا بقالي ثلاث أيام بطبخ وأجهز للملمة دي.
عملت الفتة بالخل والثوم، وطلعت الرقاق باللحمة المفرومة، وعملت عرق التربيانكو اللي أخذ مني وقت وتعب، وعلّقت الزينة والإضاءة في الجنينة، ولمّعت الترابيزة الخشب الكبيرة لحد ما بقت بتلمع تحت النور.
كان في الجنينة ييجي يجي خسة وعشرين واحد.
جيراننا في القرية، وناس أصحاب شغل، وأصحاب ابني حسام، وضيوف مهمين من أصحاب النيرمين كانت هي هموت وتتباها قدامهم.
كانت لابسة فستان أبيض شيك، وطول اليوم بتتعامل وتتأمر كأنها صاحبة الفيلا.
وكل ما حد يسألها عني، تقول ببساطة وغمزة: «دي الدادة اللي بتساعدنا.»
أنا في الأول عدّيتها وسكت.
أصل حسام ابني، الله يسامحه، كان مفهم الناس كلها إنه هو ونيرمين اللي اشتروا الفيلا وبقوا أصحاب الممتلكات دي بعد ما أبوه اتوفى.
بس الحاجة اللي نسى يقولها لكل الناس دي… إن أنا اللي وافقت ييجوا يقعدوا معايا في الشاليه الملحق بالفيلا لفترة مؤقتة بعد ما حسام خسر فلوسه في البورصة وركبته الديون.
ونِسى كمان يوضح اسم مين اللي مكتوب في عقد الملكية المسجل في الشهر العقاري.
لما جه وقت العشا، مدّيت إيدي علشان أعمل لنفسي طبق.
لقيت نيرمين وقفت قدامي فجأة ورفعت إيدها المتظبطة بالمناكير.
«الأكل للضيوف الأول يا طنط،» قالتها بصوت عالي سمّع نص الناس اللي واقفين. «ولازم تعرفي مقامك وكبيرك هنا.»
بصيت لـ حسام ابني.
لقيته بصص للأرض وماسك كاس العصير في إيده وبيتهرب من عيني.
«يا أمي خلاص بقى، متعمليش مشكلة قدام الناس،» قالها بصوت واطي ومكسور.
في اللحظة دي بصيت في وشه… وبدّرت على الولد اللي ربيته وتعبت فيه.
بس ملقتش غير راجل ملو هدومه خايف على منظره قدام الناس المزيفين وماعندوش الجرأة يدافع عن أمه.
وفجأة، نيرمين شالت الطبق بتاعي.
ومين غير ما ترمش، مشيت لحد طبق الكلب وبقت تدلق فيه اللحمة والفتة والرقاق.
كام واحد من أصحابهم القريبين ضحكوا بقلة أدب.
وحسام ابني ابتسم باحراج وسكت.
في اللحظة دي بالذات… الوجع اللي جوايا تحول لهدوء غريب.
ورغم إن الجو كان دافي، لفت الشال بتاعي على كتفي بهدوء.
«دلوقتي الكل هيعرف الأرض دي ملك مين،» قُلتها وصوتي ثابت.
نيرمين لوّت بوزها وقالت: «أفندم؟ هنبدأ بقى شغل الدراما ده؟»
ماردتش عليها.
لفيت وشي ومشيت ناحية الممشى اللي بيودي على المكتب الصغير اللي جنب بحيرة الفيلا.
مش عشان هي أمرتني أمشي… لا.
عشان هناك كان مكتب جوزي الله يرحمه.
وجوه المكتب ده، كان في خزنة مقفولة بكلمة سر… وفيها حاجة نيرمين هانم ماكلفتش نفسها تسأل عنها ولا تدور عليها.
أوراق أصل الملكية والوقف العائلي.
ورايا، D.J رجّع الصياهد والمزيكا اشتغلت تاني.
الناس رجعت تضحك وتشرب عصير.
ونيرمين كملت تمثيل دور الهانم.
كلهم كانوا فاكرين إنهم شافوا ست عجوزة ومكسورة بتتاخد على قد عقلها وتتركن على جنب.
اللي محدش فيهم كان يعرفه… إن أنا المالك الوحيد والوصي على الفيلا والشاليهات والأرض دي كلها اللي على بحر الساحل.
الفيلا الرئيسية باسمي.
الشاليه اللي حسام ونيرمين عايشين فيه بفضلي، باسمي.
حتى الممشى، والجنينة، والشمسيات، والأرض اللي واقفين عليها بأجزمهم الغالية دي… كل شبر فيها باسم “حاجة صفية”.
نيرمين كانت فاكرة إنها طردت الشغالة من حفلتها.
في الحقيقة هي كانت بتهين الست اللي تملك الأرض اللي تحت رجليها.
وقبل ما ليلة ثاني يوم العيد تخلص، وتطفي أضواء القرية… كل واحد في الحفلة دي كان هيعرف الحقيقة كاملة.
(ي
الجزء الثاني
كان المرسى المائي ريحته بحر وشجر زان.
قفلت باب المكتب الصغير، وقعدت ورا مكتب جوزي الله يرحمه، وطلعت التليفون وعملت ثلاث مكالمات.
المكالمة الأولى كانت للمحامية بتاعتنا، الأستاذة ماجدة.
«يا ماجدة، فعّلي بند الإخلاء الفوري والشروط الجزائية للفيلا والمالك.»
سكتت ثانية وسألتني: «النهاردة يا حاجة صفية؟»
«دلوقتي وحالاً.»
المكالمة الثانية كانت للعميد صبري، رئيس أمن القرية بالساحل.
«اقفل البوابة الرئيسية للفيلا الساعة تسعة يا سيادة العميد. مفيش عربية تخرج قبل ما بوليس النجدة يوصل.»
صوته اتغير وتكلم بجدية: «خير يا حاجة؟ في حاجة حصلت؟»
«هات معاك محضر الشغب والتعدي بتاع الشهر اللي فات وتعالى.»
المكالمة الأخيرة كانت للمهندس مصطفى من مجلس المدينة والتراخيص.
«كلامك كان صح،» قُلتله. «طالعين بيعملوا حفل بيزنس وتصوير ورعاية تجارية على أرضي من غير أي تراخيص ولا إذن.»
على البحر، صوت دي جي والمزيكا كان بيعلى أكتر وأكتر.
نيرمين كانت أليّرة بوفيه مفتوح، ومصورة درون بيلف فوق الناس، وبلوجر معروفة لللايف ستايل عشان تعلن للناس على النت عن شركتها الجديدة «نيرمين لتنظيم الحفلات والمناسبات».
كانت بتعمل البيزنس ده على أرضي، وباسم عيلتي، ومن غير ترخيص ولا تأمين ولا حظ ملكية كتابي مني.
فتحت كاميرات المراقبة بتاعة الفيلا من التابلت اللي معايا.
الكاميرات كانت مسجلة كل كلمة وكل حركة نيرمين عملتها معايا قدام الضيوف.
ومش بس كده… الكاميرات كانت مسجلة حاجة ثانية أخطر بكثير.
من أسبوعين، حسام ونيرمين كانوا واقفين جنب الجراج مع واحد سمسار وعقارات.
صوت نيرمين كان طالع واضح جداً في التسجيل: «أول ما الست العجوزة دي تمضي على أوراق الإدارة والتفويض، هنبيع قطعة الأرض اللي على البحر على طول للشركة.»
وحسام رد عليها من غير تردد: «هي بتمضي على أي حاجة بحطها قدامها وخلاص.»
فضلت باصة للشاشة لحد ما الوجع والكسرة اللي جوايا تحولوا لشيء ثاني خالص… تحولوا لإصرار وقوة.
الساعة ثمانية وربع، نيرمين بعتت البنت المساعدة بتاعتها تدور عليا.
«طنط نيرمين بتقولك هاتي ثلج زيادة للبار،» البنت قالتها وهي كسوفة ومحروجة.
«قوليلها الحاجة صفية بتراجع عقود الملكية والشهر العقاري.»
البنت عينيها وسعت: «عقود ملكية؟»
وقبل ما تسأل كلمة زيادة، أضواء عربيات البوليس والأمن ظهرت على بوابة الفيلا.
دخلت الأستاذة ماجدة وهي ماسكة شنطة جلد فيها الملفات، ووراها العميد صبري ومفتش التراخيص وأمين شرطة.
لما رجعنا الجنينة، كانت نيرمين واقفة على الشاطئ ومسكة المايك في إيدها وكأس العصير في الإيد الثانية.
«لنهايات جديدة وبدايات أجمل!» أعلنت بصوت عالي: «أنا وحسام بنحول المكان ده لأفخم وأرقى منتجع خاص على البحر!»
الضيوف قعدوا يسقفوا بحرارة.
حسام شافني جاي ومعايا البوليس، فكشر وقال: «أمي! هو فين الثلج اللي طلبناه؟»
الأستاذة ماجدة وقفت جنبي بثقة.
ضحكة نيرمين بدأت تروح ووشها يصفر.
المهندس مصطفى بدأ يصور الاستيج المؤقت، والبار المترخص، والوصلات الكهربائية الخطر اللي لمينها في الجنينة.
«انتوا بتعملوا إيه هنا؟ أنت بتصور إيه؟» نيرمين زعقت.
«بنعمل معاينة للمخالفات وبلاغ الحفلات بدون ترخيص،» المهندس رد ببرود.
ضحكت بصوت عالي ومستفز: «ده بيت عيلتنا وأرضنا الخاصة!»
الأستاذة ماجدة فتحت الملف: «تؤ، الأرض دي والفيلا دي ملك خالص للست صفية أحمد.»
السقيفة وقفت تماماً.
حسام شال النظارة الشمسية من على وشه وهو مذهول.
ونيرمين بصتلي باستغراب: «هي كتبت لكم الفيلا والشاليه!»
«أنا إديتكم إذن تقعدوا في الشاليه بصفة مؤقتة عشان ظروفكم،» رديت عليها بثبات. «والإذن ده ملغي فوراً من اللحظة دي بسبب الإساءة، والتعدي، والسرقة، واستغلال الملكية بدون إذن.»
العميد صبري حط صورة على الترابيزة.
كانت صورة حسام ونيرمين مع السمسار.
وش حسام جاب ألوان وجف في أرضه.
نيرمين حاولت تتدارك الموقف: «صور مالهاش أي قيمة! مش هتقدروا تثبتوا بنقول إيه!»
رفعت التابلت وشغّلت المايك على السبيكر.
صوتها هي بالذات رن في الجنينة كلها: «أول ما الست العجوزة دي تمضي على أوراق الإدارة والتفويض، هنبيع قطعة الأرض اللي على البحر…»
بدأ الضيوف يبعدوا عنها واحد ورا الثاني وهم مصدومين.
الجزء الثالث
نيرمين هجمت عشان تخطف التابلت من إيدي.
أمين الشرطة مسك إيدها فوراً قبل ما تقربلي: «الزمي حدودك يا مدام وما تلمسيهاش!»
طيارة الدرون اللي كانت مأجراها نيرمين كانت لسه بتصور وبتبث لايف على صفحة الشريكة بتاعتها، والناس كلها على النت بتشوف فضيحتها وانهيار الحفلة.
حسام بدأ يترعش من الخوف: «يا أمي… اقفلي البتاع ده الله يخليكي!»
«أنت سبت مراتك ترمي أكل أمك في طبق الكلب قدام الناس،» قُلتله وأنا باصة في عينه.
«دي كانت مجرد هزر يا أمي!»
«لا يا حسام… دي كانت قلة أصل واختيار منك.»
الأستاذة ماجدة سلمته إخطار رسمي: «معاك أنت والمدام 72 ساعة تلموا هدومكم وأشياءكم الشخصية من الشاليه. وممنوع دخولكم الفيلا أو استخدام العربيات أو أي مرفق من النهاردة.»
نيرمين صرخت: «العربية المرسيدس دي بتاعتنا!»
«العربية ملك شركة العائلة اللي باسم الحاجة صفية،» ماجدة ردت بجفاء.
«واللانش اللي على البحر؟»
«ملك الشركة برضو.»
المهندس مصطفى مسك دفتر الدفع والعربونات من على البار: «أنتم جمعتم فلوس وحجوزات باسم شركة غير مرخصة على أرض مش ملككم… الحسابات دي كلها هتروح للنيابة وتتثبت فيها النصب.»
على طول، كذا واحد من الضيوف المهمين قاطوا نيرمين وبدأوا يطالبوا بفلوس العربون اللي دفعوها.
والبلوجر المشهورة بصت لنيرمين بقرف وقالت: «انتِ فهمتيني إن أملاك الساحل دي كلها بتاعتك وطلعتي نصابة؟»
وش نيرمين بقى زي العفريت.
حسام قرب مني ودموعه في عينه: «يا أمي نتكلم بيننا وبين بعض ونحلها ودي…»
«كان قدامك 6 أشهر تتكلم معايا ودي،» رديت عليه. «لكنك اخترت تسرقني وتهينني قدام الناس.»
«أنا ابنك يا أمي!»
«وأنا كنت أمك لما سبتها تعاملني كأني شغالة عندها.»
وشه اتكسر وسكت.
العميد صبري حط ملف ثاني جنب كاس حسام.
كان فيه صور للعلامات الحديدية اللي حطوها في الأرض عشان التقسيم، وإيميلات حسام بعتها للسمسار بتوقيع مزور باسمي.
أمين الشرطة بص في الأوراق وقال: «التزوير ده فيه سين وجيم في النيابة يا أستاذ.»
نيرمين مسكت في دراع حسام وصرخت: «قولهم إن أمك هي اللي وافقت على كل حاجة!»
حسام زق إيدها عنه وبص لها بغل: «أنتِ اللي قولتيلنا الأوراق جاهزة ومفيش مشكلة!»
«أنت اللي قولتلي إنها كبرت وخرفت ومش فاهمة حاجة!» نيرمين ردت عليه بزعيق.
صوت شتائمهم وخناقهم على بعض كان مسموع للكل.
الأستاذة ماجدة بصت لأمين الشرطة: «ومعانا كمان تقارير طبية حديثة بتثبت إن الحاجة صفية بكامل قواها العقلية، وهنرفع قضية بلاغ كاذب ومحاولة الحجر عليها بالنصب.»
لأول مرة، نيرمين استوعبت المصيبة اللي وقعت فيها.
الموضوع مابقاش مجرد خناقة حموات… ده بقى طرد، وقضايا نصب وتزوير، وفضيحة على الميديا، وحبس.
البوليس أخد حسام ونيرمين وخرجهم برة بوابة القرية، وصوت الصواريخ والبومب كان لسه شغال فوق البحر.
الكلب “مكس” جه وقعد جنبي وحط راسه على رجلي بهدوء.
قمت، عملت لنفسي طبق فتة ورقاق سخن، وقعدت على رأس الترابيزة الكبيرة في الجنينة.
المرة دي… مفيش ولا مخلوق اتجرأ يضحك أو يتكلم بكلمة.
بعد ست أشهر…
حولت الشاليه الملحق لدار استضافة ودعم للستات والكبار اللي اتعرضوا للنصب والاستغلال الأسري.
ورجعت الأرض اللي على البحر وقفتها لله وللخير، زي ما كنت متفقة مع جوزي الله يرحمه.
حسام عمل تسوية في النيابة، خسر رخصته وشغله، وبقى يدفع أقساط للتعويض عن الفلوس اللي خسرها من أملاك العيلة.
شركة نيرمين أفلست تماماً وتحت وطأة القضايا والديون، واتطلقوا بعد أربع أشهر بس.
أنا احتفظت بالفيلا… واحتفظت بالبحر… والأهم من ده كله، استرديت كرامتي وراحتي.
كل سنة في العيد، بعمل عزومة كبيرة في الجنينة.
الكل بتقعد على نفس الترابيزة… والكل بياكل مع بعضه.
ومفيش إنسان في بيتي بيتعامل معاملة الشغالين أبداً.
ولما الشمس بتبدأ تغرب، بلف الشال بتاعي وباروح أقف على البحر…
مش عشان حد أمرني أمشي…
لكن عشان كل شبر في المكان ده مبني بتعبي وتعب جوزي، وكل شبر في الأرض دي عارف اسم “الحاجة صفية” كويس.