في عزومة العيلة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“في عزومة العيلة في الفندق، أمي بصتلي عبر الترابيزة وقالت قدام الكل: «ناس زينا مابيقضوش الأجازة مع ناس زيك!»”
مرات عمي، سوسن، هزت رأسها بالوافقة فوراً:
— “بصراحة يا مي، الكل هيبقى مرتاح أكتر لو قعدتِ في بيتك وما جيتيش.”
ابتسمت لهم ابتسامة خفيفة، وتظاهرت إن الكلام ما جرحنيش في المكان اللي هي كانت قاصداه بالظبط.
بعد نص ساعة، مدير الفندق عدى القاعة كلها، فات على كل الضيوف ورجال الأعمال، ووقف جنب الكرسي بتاعي بالظبط.
— “أنسة مي.. جناحك الخاص جاهز تماماً.”
بعدين لف لفتة هادية ووجه كلامه لعيلتي:
— “بالنسبة لحجزهم.. تحبي حضرتك تشرحي لهم المشكلة، ولا أشرحها أنا؟”
دعوة الفرح والعزومة كانت واصلة بنفس الطريقة اللي أمي، “فريدة”، بتحبها دايماً:
ورق مقوى تقيل..
كتابة بماء الذهب البارز..
ومساحات فاضية زياده عن اللزوم، لأن فريدة كانت بتؤمن إن حتى الورق لازم يبان أغلى وأهم من الناس اللي بيتصل بيهم.
اسمي الكامل كان مكتوب على الغلاف برة:
مي السويفي.
خطها كان جميل ومظبوط بالسنتي، بيبان راقي إلا لو قضيت عمرك كله عارف قد إيه من التكبر والتعالي المستخبي جوه كل حرف مظبوط.
فتحت الظرف في المطبخ بتاعي في التجمع.
شنطة الغدا بتاعة بنتي “ليلى” كانت لسه مش ملمومة.
إزازتها الوردية كانت مخرورة على الفوطة.
وأتوبيس المدرسة فاضل له أربع دقايق بالضبط ويعدي.
المطبخ كان ريحته قهوة، وعيش متحمّص، وريحة الندى على الشارع برة.
ليلى كانت قاعدة على الرخامة لابسة فردة شراب واحدة، وماسكة الثانية في إيدها. بصتلي بنفس النظرة العاقلة اللي بدأت تبصلي بيها من أول ما كبرت وبقت تفهم لما الكبار بيبقوا باردين أو صعبين.
— “دي جوابات مش حلوة يا مامي؟” سألتني.
— “دا جواب من تيتة فريدة.”
— “يعني مش حلوة؟”
ضحكت غصب عني:
— “دي دعوة لعزومة وتجمع عائلي.”
— “في مكان شيك؟”
— “شيك لدرجة توجع البطن.”
التجمع كان معمول في منتجع “جراند فيو” في الجونة.. مكان خاص جداً وهادي بين مياه البحر جبال الصحراء الشرقية.
أمي أكيد اختارته لأن الاسم لوحده يبان غالي كفاية عشان يبهر الناس قبل ما يعتبوا رجلاهم هناك.
المكان كان فيه مصاطب بحرية من الحجر الأبيض، أسقف خشبية، صالونات أكل خاصة، حمام سباحة بمياه طبيعية، وقائمة حجز طويلة كفاية إنها تخلي أي ضيف يحس إنه متفضل عليه عشان دخل.
الدعوة كانت مكررة كلمة “خاص وحصري” لدرجة إني فكرت أعدهم:
إقامة خاصة..
أكل خاص..
خدمات خاصة..
ويك إند عائلي خاص جداً.
أمي فريدة بتموت في أي حاجة تقسم الناس لـ “اللي يستاهلوا يدخلوا الدايرة” و “اللي برة الدايرة”.
دايماً محتاجة تعرف مين جوة ومين برة.
في آخر الدعوة تحت، كانت كاتبة ملحوظة بخط إيدها:
“ياريت نلتزم باللبس المناسب، المكان مش بتاع فوضى ولا لبس كاجوال.”
ليلى قريت السطر بالعافية وتهجت الكلمات:
— “هي تقصد إني ماينفعش ألبس الكوتشي الألوان؟”
— “تقصد إن تيتة مبتثقش في أي حد بيلبس جزمة مريحة.”
بصت لشرابها اللي مش لايق على بعضه وقالت:
— “يبقى هي أكيد مش بتثق فيا أنا كمان.”
بوست رأسها بالراحه.
الغريب في الموضوع.. إن أمي كانت صح في تفصيلة واحدة بس:
منتجع “جراند فيو” ما كانش بتاع فوضى فعلاً..
وكان ملكي أنا.
أنا اشتريت المنتجع دا من سنتين وثلاث شهور عن طريق مجموعة “ميريديان” للاستثمار السياحي..
شركتي أنا.
عيلتي ماكنتش تعرف أي حاجة عن الموضوع، لأنهم عمرهم ما اهتموا يسألوا الأسئلة الصح.
كانوا بيحبوا ويستسهلوا النسخة اللي اختاروا يصدقوها عني:
أم مطلقة عايشة في التجمع..
واحدة شغالالة “حاجة كدة في السياحة والفنادق”..
حد بيمتلك “كام شقة متواضعة بيأجرهم،” زي ما فريدة كانت بتحب توضح للناس كأني بقضي يومي ألف أجمع إيجارات متأخرة من ناس تعبانة.
أخوي “كريم” سألني مرة باستخفاف لو “مشروعي الصغير بتاع تأجير الشقق” لسه شغال ولا قفلت.
مرات عمي سوسن كانت معتقدة بثقة إني بفرش شقق مصيفية.
وبنت عمي “داليا” اقترحت عليا مرة إني أحاول أعمل معارف نضاف لو عايزة أفهم يعني إيه “فندقة فاخرة”، وهي بتنزل صورها في سفريات وتصايف غالية بالعافية بتعرف تدفع قسطها.
عمر ما حاولت أصلح لهم معلوماتهم.
ناس قليلين أوي في الدنيا هم اللي كانوا عارفين الحقيقة:
“رنا” شريكتي وكانت معايا من الأول، شهدت على الليالي اللي مابنمتش فيها، الصفقات اللي فشلت، المخاطرات المالية اللي كانت ممكن توديني في داهية، والنجاحات اللي ماكنتش بلحق أفرح بيها.
“مدحت” المحامي بتاعي اللي كان بيمسك العقود.
و”أيمن عبد اللطيف” مدير المنتجع اللي أنا عينته بنفسي عشان يدير “جراند فيو”.
دا كان كفاية جداً.
السكوت أوقات بيبقى درع وحماية..
خصوصاً وسط ناس مابيشوفوش النجاح غير لو جه معاه شيك بمبلغ خيالي وإعلان على الملا.
أنا أسست شركة “ميريديان” وأنا عندي 26 سنة.
كان معايا 40 ألف جنيه، لاب توب مستعمل، وإصرار رهيب إني مابقاش النسخة المحدودة والضعيفة اللي أمي دايماً كانت بتتوقعها مني.
كنت بشتري العقارات والفنادق اللي المستثمرين الثانيين بيرموها أو بيعدوا من جنبها:
لوكاندات قديمة فيها روح مستخبية تحت الإهمال..
قرى سياحية بديكورات بشعة بس أساساتها زي الحديد..
مباني تاريخية أصحابها فقدوا الشغف إنهم يتخيلوا ليها مستقبل جديد.
”جراند فيو” كان المكان اللي كان هيقتلني ويكسرني.
أول مرة شفته، المطر كان نازل على البحر والسهول في الجونة بشكل خفيف.
المبنى كانت ريحته خشب خشب قديم، تراب، وفلوس هربت منه بالتدريج.
الدفاية اللي في المدخل كانت طافية وباردة.
الحيطان الحجر القديمة من سنة 1960 كانت مستخبية ورا عفش ضخم ومكتوم يخلي المبنى شكله مكسوف من تاريخه.
أصحابه كانوا جابوا أخرهم وتعبوا.
المشروع كان بيخسر وبيفلس.
السجاد كان يقطع العيش.
بس تحت كل الإهمال دا، المكان كان ساحر.
من الشبابيك العالية، كنت شايفه خط البحر وشروق الشمس.
شفت حمام السباحة الطبيعي المستخبي ورا الشجر والزرع.
اتخيلت قاعة الحفلات وهي متشال منها كل البهرجة الكدابة وراجعة لأصلها الراق.
واتخيلت السلم القديم بتاع الخدم وهو بيتحول لممر خاص بيمتد لحد البحر.
وكنت عارفة لون المدخل هيكون إيه من أول ثانية:
زيتي هادي.. زيتي بلمعة زجاجية.
عرفت دا قبل ما أعرف أي تفصيلة ثانية.
لما السمسار خرج يترد على تليفون برة، وقفت جنب البول المتروك وعيطت.
مش لأن المكان كان ميؤوس منه..
بس لأني كنت شايفه خلاص هو هيتحول لإيه.
واشترته.
لمدة سنة كاملة، التجديدات أكلت حياتي.
التراب كان على كل حاجة فيا.
يومي بقى عبارة عن مقاولين، تراخيص، اجتماعات تمويل، تذوق أكل، عينات قماش، تصاريح عمالة، وتجارب إضاءة.
تناقشت في لون السيراميك والترويبة بنفس الجدية اللي الناس بتتناقش بيها في قضايا العائلات الكبيرة.
رفضت 6 المنيو للفطار قبل ما أوافق على السبع.
عينت “أيمن” لأنه كان فاهم الحاجة اللي أغلب الناس مابيفهموهاش:
الفخامة الحقيقية عمرها ما بتزعق ولا بتنادي على نفسها.
الفخامة هي أوضة متجهزة ومريحة قبل ما الضيف يطلب.
هي فوطة محطوطة بالظبط في المكان اللي إيدك هتروح له تلقائياً.
هي إنك تفضل فاكر الضيف بيحب شاديه إزاي من غير ما تحسسه إنه متراقب.
هي الخصوصية من غير برود.. والذوق من غير شو إعلامي.
لما “جراند فيو” فتح تاني، قائمة الانتظار وصلت لـ 3 شهور في أول أسبوع.
السنة اللي بعدها، مجلات سياحة عالمية صنفته من أفضل المنتجات الفاخرة في الشرق الأوسط.
في نفس الأسبوع دا، أمي بعتتلي مقال طويل بتبارك فيه للناس عن ترقية أخويا “كريم” الجديدة في شركته.
وبرضه.. ما قلتش حاجة.
بعد ما قريت دعوتها، طبقتها بالنظام.
ليلى كانت لسه بتبصلي:
— “هنروح يا مامي؟”
— “أيوه.”
— “هيبقوا بايخين؟”
حطيت الظرف على الرخامة:
— “غالبًا هيتصرفوا بالطريقة اللي دايماً بيتصرفوا بيها.”
— “يعني أيوه.”
بصيت لبنتي، فتافيت العيش المتجفف لسه على دقنها، وفي عينيها فهم ووعي أكتير من اللي المفروض طفلة عندها 7 سنين تحتاجه.
كنت عايزة أضمن إنها ما تورثش أي حاجة من كسرة النفس، المقارنة، أو القسوة المستخبية اللي شكلت طفولتي أنا.
نزلت من على الكرسي وحضنتني جامد:
— “لازم تلبسي الفستان الأزرق.”
— “أني فستان أزرق؟”
— “اللي بيخليكي شبه الناس اللي بيمتلكوا حاجات مهمة.”
— “أنا فعلاً بمتلك حاجات مهمة.”
— “أنا عارفة.. عشان كده لازم تلبسيه.”
بس أنا مال بستوش.
اخترت فستان كتان بيج بسيط جداً.
صندل فلات.
وحلق دهب صغير بيلع في النور من غير ما يصرخ أو يفتن عن نفسه.
وصلت الفندق وأنا شكلي بالضبط زي الست اللي أمي مستنية تتجاهلها وتبص لها بقلة قيمة..
زي البنت اللي عيلتها معتقدين إنها عمرها ما حققت أي حاجة في حياتها.
دا كان بمزاجي وبقصدي.
لأني قبل ما أوريهم أنا مين بجد.. كنت عايزة أكتشف هم واصلين لإيه لما يتخيلوا إنهم يقدروا يدوسوا عليا.
الجزء الثاني والأخير):”
أمي قربت مني أكتر، ونزلت صوتها كأنها بتقول كلام مليان حنية وشفقة كدابة:
— “لو الدنيا ضاقت بيكي في يوم يا مي والفلوس زنقتك، تقدري دايماً تطلبي المساعدة من عيلتك.”
في اللحظة دي، حسيت كأني رجعت سنتين لورا، واقفة في مطبخ أمي وفريدة ماسكة في إيدها جواب قبولي في الجامعة وتأسيس مشروعي.
يومها قالتلي إن الأم المطلقة مابتنفعش في البزنس، وأن الأحلام دي هواية مكلفة، ولازم أكون “عقلانية وواقعية”.
وكانت تقصد بـ “واقعية”.. إني أكون أصغر وأضعف.
افتكرت لما مضيت أوراق أول منتجع اشتريته من غير دعمها، وازاي بنيت كل حاجة هي كانت شايفاها مستحيلة.
— “مقدرة كلامك يا أمي،” رديت بابتسامة هادية.
ابتسمت بثقة كأنها عملت فيا جميل.
وفجأة، ظهر “أستاذ أيمن”، مدير منتجع “جراند فيو”، عند مدخل التراس. كان لابس بدله الكحلي المعتادة ومسك في إيده الفولدر الجلدي الفاخر الخاص بقرارات المالك.
فهم بسرعة الجو المكهرب اللي على الترابيزة.
— “مساء الخير، بعتذر جداً على المقاطعة وسط العشاء.”
أمي فريدة ابتسمت له ببرود وذوق: “تفضل يا فندم.”
بس أيمن عدى كل الناس، ووقف جنبي بالظبط ووجه كلامه ليا:
— “أنسة مي، فيه ورقة محتاجة اعتماد حضرتك وتوقيعك الشخصي قبل اجتماع المالكين الصبح.”
أخويا كريم بص له باستغراب:
— “اجتماع مالكين إيه؟”
أيمن حط الفولدر التقيل جنب طبقي بالظبط.
وكان مكتوب على الغلاف برة بخط دهبي بارز:
مجموعة ميريديان الاستثمارية
اعتماد المالك والمدير التنفيذي
الترابيزة كلها سكتت صمت رهيب.
— “مشروع توسعة الجناح الشرقي محتاج توقيع حضرتك عشان المقاولين يبدأوا شغل الأسبوع الجاي،” أيمن كمل بجدية.
فتحت الفولدر وقلت: “تمام يا أيمن.”
كريم كان يبصلي ومبرق:
— “إيه دا؟ هو فيه إيه؟”
رد عليه أيمن بمنتهى الهدوء والثبات:
— “الأنسة مي السويفي هي المالك الوحيد والفعلي لمنتجع جراند فيو.”
مرات عمي سوسن وقعت شوكتها من إيدها على الطبق!
داليا بنت عمي طلعت منها ضحكة قصيرة من الصدمة ومش مصدقة.
كمل أيمن كلامه:
— “الأنسة مي اشترت المنتجع دا من أكتر من سنتين عن طريق مجموعة ميريديان، وهي المجموعة اللي بتمتلك كمان 4 فنادق ومنتجعات ثانية في مصر والشرق الأوسط.”
أمي فريدة بصتلي وشها اتخطف:
— “دا مستحيل!”
— “ليه مستحيل؟”
— “أنتي عمرك ما قلتيلنا!”
— “وأنتم عمركم ما سألتوني.”
وش كريم بدأ يفقد لونه بالتدريج:
— “أنتي.. أنتي بتملكي المنتجع دا كله؟”
— “أيوه.”
— “المبنى؟”
— “أيوه.”
— “والأرض؟”
— “أيوه.”
— “والشركة نفسها؟”
— “أيوه يا كريم.”
سند ظهره على الكرسي في صدمة شلت لسانه:
— “بس.. بس مشروعي الصغير بتاع الشقّق والتأجير…”
— “أهو كبر والحمد لله.”
مراته، جيهان، لفت وشها الناحية الثانية عشان تخبي ضحكتها عليه.
في اللحظة دي، قرب واحد من أفراد الضيافة الفاخرة من أيمن وقال:
— “عفواً يا أنسة مي.. عيلة العروسة اللي حجزت الفندق وصلت.. حضرتك لسه حابة تستقبليهم بنفسك الصبح؟”
— “أيوه، بلغهم إني هكون في استقبالهم.”
— “تمام يا فندم، وأستاذ أيمن حابب يراجع مع حضرتك ميزانية التوسعة بعد الفطار.”
— “مفيش مشكلة.”
— “عن إذنك يا فندم.”
مشى والكل على الترابيزة كان بيبص له وبيبصلي.. النظرة اختلفت تماماً.
محدش بقى يبصلي بنفس الفوقية.
أمي اتكلمت بصوت واطي ومكسور:
— “الكل هنا عارف أنتي مين..”
— “عارفين إنهم بيكلموا المالك وصاحب شغلتهم.”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.
المالك.. مش الضيفة اللي بيتفضلوا عليها عشان تقعد معاهم.
الست اللي لابس الفستان البيج البسيط دي بتمتلك كل شبر حوليهم.
كريم حط إيده على وشه:
— “لما الأمن رحب بينا عند البوابة..”
— “كانوا بيعملوا شغلهم.”
— “ولما أمي عملت الحجز..”
— “قسم الحجوزات اتعامل معاه زي أي حجز عادي.”
— “ولما قعدنا نمدح في الخدمة والأكل..”
— “هوصل كلامكم للتيم بتاعي.”
الهدوء ساد المكان.
في الآخر، أمي فريدة حاولت تلم الموقف وترجع هيبتها المفقودة:
— “كنت أتمنى تكوني بتثقي فينا كفاية عشان تقوليلي.”
بصيت لها في عينها:
— “أنا حاولت لسنين طويلة، بالطريقة اللي أقدر عليها.”
— “أنتي عمرك ما—”
— “أنا حاولت يا أمي، بس أنتم كنتم بتفضلوا النسخة اللي بتريحكم وتخليكم تحسوا بالفوقية.. البنت المطلقة اللي بتعافر ومش قادرة تنجح، الست اللي عندها كام شقة.. أنتم عمركم ما كنتم عايزين تسمعوا أي معلومة تغير الفكرة اللي بتبسطكم وتريح غروركم.”
فتحت بقها تتكلم، بس أنا كملت:
— “لما بنتي ليلى اتولدت، اتعلمت إني مش مجبرة أثبت نجاحي ولا أحكي قصتي لناس مابيهتموش بيا غير لما يشوفوا إثبات النجاح دا بعنيهم.”
ولأول مرة في حياتي كلها، أمي فريدة مالقتش كلمة واحدة ترد بيها أو تصلحها.
قمت وقفت:
— “أتمنى لكم ويك إند ممتع.. أنا نظمت لكم جلسات مساج وسبا هدية مني لبكرة.”
بصولي باستغراب، فقلت:
— “هدية مني.. مش لأنكم عيلتي، بس لأن كل ضيف بيمشي في «جراند فيو» يستاهل أحسن معاملة.”
وسبت الترابيزة ومشيت.
أستاذ أيمن فتحلي باب التراس عشان أدخل اللوبي.
الدفاية الحجر كانت قايدة ودفية المكان، والضيوف ماشيين بوشوش مرتاحة ومبسوطة.
— “كان ممكن تحرجيهم أكتر من كده بكثير يا أنسة مي،” أيمن قالها.
— “عارفة.”
— “بس ماردتيش تعملي كده.”
— “مبالهاش لازمة.”
بصلي باحترام وقالي: “دا بيبين القوة الحقيقية اللي جواكي.”
وبعدين اعترفلي إن الورقة ماكانتش محتاجة توقيع فوراً بالليل كده، وقال: “كنت حاسس إنك محتاجة حد يكون شاهد عليكي وأنت بتاخدي حقك.”
ابتسمت له: “وفعلاً كنت محتاجة دا.”
خرجت في الهواء الطلق، ريحة البحر والندى كانت مالية المكان. كلمت صاحبتي الانتيم “رنا”.
— “عملت إيه؟” سألتني فوراً.
— “أيمن دخل في الوقت المظبوط بالظبط!”
— “أنا اللي قايلاله يدخل في الوقت دا!”
ضحكت من قلبي وطلعت كل التوتر: “أمي قالتلي إنها كانت تتمنى أثق فيها وأقولها.”
— “وقلتيلها إيه؟”
— “قلتلها إني حاولت.”
سكتت رنا شوية وقالت: “هل الجية والحرقة دي كانت تستاهل؟”
فكرت في الترابيزة.. وفي وش أمي.. وفي لما كان عندي 20 سنة وقاعده أسمعها وهي بتهد طموحي بحذر.
بعدين افتكرت الباب الزيتي الكبير بتاع المنتجع.. الباب اللي اتخيلته قبل ما أملك أي حاجة.
— “مش عارفة إذا كانت تستاهل ولا لأ،” قلت لها، “بس كان لازم تحصل.”
تاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة ومشرقة على بحر الجونة.
ليلى بنتي كانت جيت بدري مع رنا، ووقفنا جنب حمام السباحة نرمي فتافيت عيش للبجع، والمنتجع بيجهز لحفلة فرح كبيرة بالليل.
— “عرفوا الحقيقة يا مامي؟” ليلى سألتني.
— “عرفوا.”
— “تيتة زعلت؟”
— “كانت مصدومة أكتر.”
ليلى فكرت شوية وقالت:
— “زعلتِ أنت؟”
السؤال فاجأني: “شوية.”
— “ليه؟ أنتي ماعملتيش حاجة غلط.”
— “عارفة.. بس ساعات الزعل مش عشان عملتي غلط، ساعات عشان كنتِ تتمني إن الناس تعاملك بأصلها وتحبك من غير ما تحتاج تملك كل حاجة حوليك.”
هزت رأسها بذكاء:
— “يعني كنتِ تتمني يبقوا حنينين معاكي من قبل ما يعرفوا إنك صاحبة الفندق.”
— “حاجة زي كده.”
نفضت إيديها من فتافيت العيش وقالتلي بثقة:
— “الفستان الأزرق كان هيبقى الاختيار الصح.”
— “بس أنا ملبستوش.”
— “أنا عارفة، بس دلوقتي أنتي مش محتاجة تلبسيه خلاص.. هم عرفوا أنتي مين.”
بصيت لبنتي وفهمت قصدها بالظبط.
لسنين طويلة، كان جوايا جزء فاكر إن النجاح هو اللي هيخلي عيلتي تحترمني أخيراً.. كنت بتخيل إني في يوم من الأيام هظهر قدامهم وأنا قوية وغنية وناجحة عشان أخليهم يندموا ويقروا إنهم كانوا غلطانين.
بس النجاح الحقيقي ماكانش إني أدخل أوضة لابس فستان شيك عشان أثبت حاجة لحد..
النجاح الحقيقي هو إني مابقيتش محتاجة موافقتهم ولا تقييمهم ليا اصلاً.
مسكت إيد ليلى ومشينا في المنتجع..
عدينا على القاعة الخاصة بالفرَاح والعمال بيرتبوا الورد والترابيزات، وعدينا على التراس والناس بتفطر، ودخلنا اللوبي المليان بالنور والورد الأبيض.
وعند المدخل الرئيسي، وقفت جنب الباب الزيتي.
نفس اللون اللي اتخيلته من سنين لما كانت شركة “ميريديان” مجرد لاب توب مستعمل، و40 ألف جنيه، وإصرار إني ما أعيش في الحدود الضيقة اللي أمي رسمتهالي.
— “بتفكري في إيه يا مامي؟”
— “بفكر في أول مرة شفت فيها الباب دا.”
— “كنتِ عارفة إنه هيبقى بتاعك؟”
— “وقتها كنت بمنى نفسي بس.. بس لما برجع بظهري، بحس إني كنت عارفة.”
سندت عليا وقالت: “أنا كمان عايزة أبني حاجة في يوم من الأيام.”
— “وهتبني.”
— “حاجة تكون ملكي أنا.”
— “إن شاء الله.”
— “هتبقى صعبة؟”
بصيت للمنتجع اللي بنيته من دفاية مطفية، وسجاد مقطع، وفواتير مش مدفوعة، وتراب، وأجمل منظر على البحر..
— “صعبة جداً.. بس تستاهل كل لحظة.”
هزت رأسها، ومع بعض فتحنا الباب الزيتي وزقيناه.
ما دخلناش كضيوف بيترجوا حد يتقبلهم..
ولا كأناس بتحاول تثبت قيمتها للناس..
دخلنا ببساطة كـ نفسنا، في المكان اللي أنا خلقته وبنيته بإيدي.