قميص ابني حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
محامي طليقي رفع قميص ابني المتبهدل عشان يثبت إني أم مش قد المسؤولية—بس ابني ابن التمان سنين فتح القميص، وكشف الكلام المستخبي اللي كتبه في السر، وفضح أكبر كدبة لأبوه، وحول جلسة الحضانة لحكم محدش كان يتوقعه
القميص اللي حاولوا يستغلوه ضدي
قاعة محكمة الأسرة كانت أبرد من صباح شهر طوبة برة.
كنت قاعدة على ترابيزة خشب ضيقة ومعايا ابني سليم عنده تمان سنين جنبي. كوتشيه مكنش واصل للأرض، فكان بيهز رجله بالراحة تحت الكرسي كل ما يحس بالتوتر.
الصبح ده، اخترت له أنضف بنطلون جينز عنده، وقميص كحلي عليه هلال صغير مطرز جنب الجيب، وجزمة الشتا اللي لمعتها بفوطة المطبخ المبلولة.
القميص مكنش جديد.
ياقته دابت من كتر الغسيل، وكان فيه بقعة خفيفة جنب الخياطة اللي تحت. حاولت أطلعها مرتين، بس فيه بقع بتحسها أصرت تبصم على القماش.
على الناحية التانية من القاعة، كان طليقي شريف الباز قاعد جنب المحامي بتاعه.
شريف كان لابس بدلة رمادي شيك، وجزمة بتلمع، والساعة الفضة اللي جابها بعد ما قال لي بأسابيع إنه مش قادر يبعت نفقة الولد في معادها. كان قاعد هادي، وشكله ناجح ومستعد لكل حاجة.
أنا كنت لابسة بليزر أوف وايت مستعمل فوق فستان أسود بسيط.
ما كانش معايا محامي.
كل اللي حيلتي كان فايل مليان شهادات المدرسة، وتقارير المواعيد الطبية، وإيصالات الإيجار، وجداول شغلي، ورسايل بتوضح قد إيه شريف خِلف وعوده معايا.
قام المحامي بتاعه، فريد الديباوي، وقرب من القاضي.
”يا سيادة القاضي، الجلسة دي مش عن إذا كانت مدام أمل بتهتم بابنها ولا لأ،” بدأ كلامه بنعومة. “القض\ية هنا هي هل الحنية تقدر تعوض الغياب المستمر للاستقرار؟”
إيدي اتشدت على طرف الترابيزة.
القاضي بص لتحت من فوق نظارته.
”اتفضل يا أستاذ فريد.”
المحامي رفع صورة مطبوعة.
كانت صورة لسليم وهو طالع من المدرسة من تلات أيام.
كان لابس نفس القميص الكحلي.
”الصورة دي بتعكس المخاوف،” فريد قال. “الولد بيبان باستمرار هدومه متبهدلة ومستهلكة. أمه بتشتغل بساعات غير منتظمة، عايشة في شقة بسيطة، ومعتمدة كلياً على قريبة كبيرة في السن عشان تاخد بالها من الولد.”
سليم بطل يهز رجله.
فريد شاور على البقعة الصغيرة اللي جنب خياطة قميص سليم.
”دي حتى مش عارفة توفر هدوم شكلها مقبول لابنها بانتظام.”
ناس كتير من اللي قاعدين في القاعة بصوا ناحيتنا.
سليم بص لتحت على نفسه.
في اللحظة دي، فهمت إن شريف مش مجرد طالب وقت أطول يقض\يه مع الولد.
كان عاوز المحكمة تصدق إن ضيقتنا المادية معناها إني بحب ابننا أقل.
الحياة اللي ورا الصورة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف ساب جوازنا من سنتين.
لم هدومه، ومكنة القهوة بتاعته، والتلفزيون اللي في أوضة نومنا، وكل حاجة كان شايف إن ليها قيمة. وبعدها نقل لشقة فخمة جديدة في الناحية التانية من المدينة، وقال لي إننا نقدر نرتّب المصاريف والنفقة من غير ما ندخل المحاكم.
”إحنا كبار يا أمل،” قالها لي. “مافيش داعي نكبر الموضوع.”
وفي خلال تلات شهور، بطل يرد على أغلب رسايلي.
أمي، زينب، نقلت وعاشت معانا في الشقة بعديها بفترة قصيرة. وصلت بشنطة هدوم واحدة، وحلة طهي بطيء، وإرادة تكفينا إحنا التلاتة.
عمرها ما سألتني إذا كنت عاوزة مساعدتها ولا لأ.
هي بدأت تساعد على طول.
”تبقي تعيطي وتتكسري بعدين،” قالت لي أول ليلة. “دلوقتي ابنك محتاج يتعشى، وأنتِ محتاجة تنامي.”
شقتنا كانت فوق مخبز صغير وعيادة أسنان. الشبابيك كانت بتهتز كل ما تعدي عربيات نقل البضائع، والدفاية كانت بتشتغل بمزاجها، والمطبخ يا دوب يشيل بني أدمين واقفين جنب بعض.
برضه كانت بيت.
كنت بشتغل وردية الصبح في كافيه، وبنضف مكاتب تلات ليالي في الأسبوع. وفي الويك إند، كنت بوزع طلبات أونلاين بالعربية القديمة بتاعتي كل ما ترضى تدور.
لصفحة روايات رولا
أيام، كنت بخرج قبل ما سليم يصحى.
وليالي تانية، كنت برجع بعد ما يكون خلاص نام.
بس عمر في حياتي ما فوت اجتماع أولياء الأمور في مدرسته. كنت بجهز غداه من بالليل. أكتب له نوتس ورسائل على المناديل وأحطها تحت الساندوتشات. وأراجع واجباته بعد نص الليل لما عينيا تبقى تقيلة ومش القادرة أفتحها.
سليم كان بياخد باله من حاجات أكتر بكتير من اللي كنت عاوزاه يلاحظها.
كان بيعرف لما أكل سيريال على العشا إن ده عشان الفراخ تكفيه هو وأمي بس.
كان بيعرف أنا ليه بقلل التدفئة.
كان عارف إن أحسن تفاحة بتروح في علبة أكله، والتفاحية الطرية بتفضل على رخامة المطبخ ليا.
في مرة، لقاني قاعدة لوحدي على الترابيزة ومفروش قدامي كذا فاتورة.
”إحنا في مشكلة؟” سألني.
قلبت الورق بسرعة على وشه.
”لأ يا حبيبي. أنا بس بقرر أنهي واحدة تاخد اهتمامي الأول.”
طلع على الكرسي وقعد جنبي.
”ساعات أنا بعمل الواجب السهل الأول،” قال لي. “يمكن الفواتير بتتعمل كده برضه.”
ابتسمت، رغم إن الدموع كانت محبوسة ورا عينيا.
هو ده سليم.
كان بيعرف يلاقي أمل وسط كومة جوابات متأخرة.
القميص اللي عليه هلال
روايات رولا
أنا كنت شارية القميص الكحلي ده من أربع شهور قبل الجلسة.
سليم كان انبهر بسماء الليل والنجوم بعد ما فصله زار متحف العلوم. كان بيتكلم طول الوقت عن الكواكب، والنجوم البعيدة، وفكرة إن النور ممكن يسافر سنين قبل ما يوصل للأرض.
في ليلة، بعد ما خلصت تنظيف مبنى مكاتب في وسط البلد، مديت رجلي وعديت على محل صغير كان بيلف بضاعته وبيقفل.
القميص كان متعلق في استاند التخفيضات.
كان بسيط، وناعم، وعليه هلال فضي صغير مطرز جنب الجيب.
كان فاضل معايا تمنتاشر جنيه لحد يوم القبض.
القميص كان سعره اتناشر.
كنت عارفة إني كان المفروض أشتري بيه أكل للبيت بداله.
بس تخيلت وش سليم لما يشوفه، ولأول مرة، كنت عاوزة أدي له حاجة ما كانتش ملك طفل تاني قبله.
اشتريته وشيلته معايا للبيت في شنطة ورقية خفيفة.
لما دخلت أوضة سليم، كان باين عليه إنه نايم. طبقْت القميص بحرص وحطيته على الكرسي جنب سريره.
وقفت هناك وقت أطول من اللزوم، وأنا ببص عليه تحت بطانيته الخضراء الدبلانة.
كنت مهدودة من التعب.
كنت شايلة هم الإيجار.
بس في نفس الوقت كنت فخورة إني، رغم كل حاجة، جِبت معايا للبيت حاجة هتفرح ابني.
ابتسمت.
وبعدها عيطت في السر بالراحة.
ماكنتش أعرف إن سليم كان صاحي.
لما سليم وقف
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في قاعة المحكمة، كمل الأستاذ فريد كلامه.
”ده مش حكم على الفقر ولا الغنى،” قال. “ده تقييم للاستقرار. أستاذ شريف يقدر يوفر أوضة نوم خاصة، ووسيلة مواصلات مضمونة، وأنشطة متقدمة، وبيئة بيت مستقرة ومتوقعة.”
شريف فضل ساكت ومستقر، وإيديه متكتفة بثقة على الترابيزة.
القاضي بص لقميص سليم تاني.
وفجأة سليم وقف.
الحركة كانت غير متوقعة تماماً لدرجة إن فريد سكت وبطل كلام.
مديت إيدي لمست ذراع ابني.
”سليم، اقعد يا حبيبي لو سمحت.”
هز رأسه بالرفض.
ودانه أحمرت، وصوابعه كانت بترتعش خفيف وهو ماسك طرف قميصه.
”هو يقصد القميص ده،” سليم قال.
القاعة كلها سكتت.
فريد حاول يرجع يسيطر على الموقف.
”يا سيادة القاضي، الطفل منفعل وده طبيعي، بس—”
”سيبه يتكلم،” القاضي قال.
سليم بص للقاضي.
”ماما اشترت ده بعد ما اشتغلت طول الليل،” كمل كلامه. “هي افتكرتني نايم لما حطته في أوضتي، بس أنا ماكنتش نايم.”
صدري اتقبض.
”هي ابتسمت عشان كانت عارفة إني بحب الهلال،” سليم كمل. “وبعدين عيطت عشان افتكرت إني مش شايفها.”
نزلت عينيا في الأرض.
أنا قضيت سنتين بحاول أخبي عنه كل لحظة صعبة.
وعلى ما يبدو، هو كان شايف ومتابع كل حاجة في السر.
”ماما دايماً بتديني الأكل الأحسن،” سليم قال. “بتقول إنها مش جعانة، بس ساعات بتكون جعانة. بتساعدني أذاكر علوم حتى وهي تعبانة. هي بتشتغل عشان تجيب لي حاجات، مش عشان عاوزة تبعد عني.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف اتحرك في كرسيه بعدم راحة.
سليم قلب الطرف السفلي لقميصه لفوق.
”أنا كتبت حاجة جواه.”
القاضي مال لقدام.
”كتبت إيه؟”
سليم بص لي.
”ينفع أوريهاله؟”
القاضي هز رأسه بالايجاب.
حارس القاعة قرب بالراحة وساعد سليم يقلب الخياطة التحتانية لبرة.
جوة القميص، ومكتوب بقلم فلوماستر أزرق باهت شوية، كان فيه كلمات بآلم طفل:
ماما بتخلي بيتنا الصغير يبان كأنه العالم كله.
غطيت بقي بإيدي.
أنا غسلت القميص ده مراراً وتكراراً وعمري ما لاحظت الجملة دي.
القاضي قراها في سرّه بانتظام.
وبعدين بص لشريف.
”كنت عارف إن ابنك كتب ده؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف اتردد.
”يمكن شفتها مرة.”
تعبير وش سليم اتغير.
”بابا قال لي إن المكتوب ده يكسف ومحرج.”
شريف اتعدل بسرعة ومال ناحية محاميه.
القاضي رفع إيده.
”أستاذ شريف، تفضل ساكت لحد ما يتوجه لك الكلام.”
الكلام اللي شريف كان بيكتمه
القاضي لف وشـه لسليم تاني.
”باباك قال لك إيه المحرج في كده؟”
سليم بص لكوتشيه.
”قال لي أبطل أتكلم وكأننا فقرا.”
حالة من عدم المرتاحية مرت في القاعة كلها.
شريف اتكلم أخيراً.
”أنا ماكنتش أقصد كده.”
عينين القاضي بصلته بصرامة.
”أنا قلت لك متتكلمش.”
فريد المحامي وقف.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
”يا سيادة القاضي، حتى لو اتقالت جملة مش موفقة، ده مش بيلغي المخاوف التوثيقية الخاصة بوضع مدام أمل المادي.”
وقدم إيصالات الإيجار اللي بتوضح تأخير في الدفع تلات مرات.
وعرض على القاضي مواعيد شغلي المتغيرة وترتيبات الرعاية مع أمي.
وهنا سأل القاضي سؤال غير مجرى الجلسة تماماً.
”أستاذ شريف، هل كنت منتظم في دفع النفقة في الشهور اللي الإيجار اتأخر فيها؟”
وش شريف الواثق اختفى تماماً.
فريد رد الأول.
”كان فيه اختلافات على جدول الدفع…”
”أنا بسأل الأستاذ شريف.”
شريف ظبط كرافتته.
”أنا كنت متأخر بشكل مؤقت.”
”قد إيه؟”
”تقريباً خمس شهور.”
بصلت له وأنا مش مصدقة.