عديم الفايدة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“عديم الفايدة.” الكلمة طلعت من بوق أباك كأنه كان مستني طول السهرة عشان يقولها، وهبدها في نص سفرة العشا.
لثانية محدش اتحرك.
أمي، هدى، حطت عينها في الشوكة اللي بتقطع بيها اللحمة ومرفعتش راسها.
— “اختك بتعمل خمسمية ألف جنيه في الشهر وهي رئيسة مجلس إدارة شركة كبرى.. ما تحاول تبقى زيك زيها ولا تطلع لها في حاجة؟”
قدامي على السفرة، اختي بسنت رفعت كاس العصير براحة وبكل برود.
كانت واخدة نفس الوش البلاستيك المنتفخ اللي بتيجي بيه كل عزومة عيلة—هادية، شايفانا من فوق، ومبتسمة بخبث كأن كل اللي قاعدين حواليها مجرد ناس بيتقارنوا بيها عشان هي تلمع.
أبويا، عصام، هو اللي بدأ الضحك.
أمي ضحكت وراه.
وبسنت ابتسمت بنصر.
جوزها، إيهاب، اتنحنح وبص في طبقه ومطقش بكلمة.
حطيت الشوكة والسك..ينة جنب الطبق براحة.
وبعدين بصيت لبسنت في عينها عدل.
— “تمام،” قلتها ببرود تام. “يبقى مرتبها هينزل لمتين ألف بس من الشهر ده.”
سكت ثانية وكملت:
— “أو تتفصل خالص.”
الضحك كله اختفى في ثانية.
بسنت برشت بشتات:
— “انت بتقول إيه يا ابني انت؟”
مديت إيدي في جيبي، طلعت الموبايل، وفتحت السيستم الداخلي لشركة “نورث ستار للخدمات اللوجستية” في التجمع.
الإيرادات.
المرتبات.
عقود الإدارة Executive.
موافقات مجلس الإدارة.
وفوق خالص على الشاشة مكتوب بالبونط العريض:
سيف الدين الإمبابي — المؤسس وصاحب الحصة الحاكمة.
أبويا كان أول واحد يلاحظ.
الدم سحب من وشه فجأة.
بسنت مالت على السفرة عشان تشوف الشاشة:
— “إيه الجنان ده؟ هزار إيه ده؟”
— “ده مش هزار.”
دورت الموبايل ناحيتها.
— “انت مسكتي رئيسة مجلس الإدارة عشان أنا اللي عينتك من سنة ونص. والخمسمية ألف اللي الكل بيطبل لك عليهم دول طالعين من الشركة اللي أنا بنيتها بدمياط والقاهرة شبر شبر.”
أمي تلمحت فيا كأني بتكلم لغة غريبة مش فاهماها.
— “انت مش قلت لنا إنك شغال موظف عمليات عادي هناك؟”
— “أنا شغال في العمليات فعلاً.”
رجعت بضهري لورا.
— “بس عمري ما قلت لكم إن الشركة ملكي.”
أبويا كشر وشه:
— “بس بسنت هي اللي أنقذت الشركة من الإفلاس!”
— ” لا.”
بصيت لاختي.
— “هي بقت الوش اللي بيطلع في التلفزيون وفي المؤتمرات لما أنا زهقت من الحوارات دي. هي مأنقذتش الشركة، هي كانت مجرد واجهة.”
ضحكة بسنت الثقة اختفت تماماً.
— “انت مش عشان بابا ضايقك كلمتين على العشا هتستغل حوار زي ده وتنزل مرتبها!”
— “أنا مش بعمل كده عشان كلام بابا.”
فتحت ملف تاني على الموبايل.
وزقيت الموبايل على السفرة ناحيتها.
تقرير أدائها السنوي كان مالي الشاشة.
أهداف متحققتش.
مصاريف إدارة من غير موافقة.
استقالات كبار الموظفين اللي مشيوا بسببت طريقة إدارتها.
— “أنا كنت ناوي أقعد معاكي بيني وبينك بعد السنة الجديدة ونحل القرف ده،” قلت ببرود. “بس بما إن القعدة هنا كلها بقت مقارنات وشايفين مين له قيمة ومين ملوش، فخلينا نشوف الأرقام بجد.”
إيهاب بص لبسنت، ونظرة وشه اتغيرت تماماً:
— “انت مش قلت لي إن مجلس الإدارة هو اللي وافق على الشقة اللي في الساحل؟”
بسنت برقت له وزعقت:
— “أيوه وافقوا!”
— “لا ومحصلش،” ردت أنا.
الكل بص لي.
— “هي قيدت المقدم بتاع الشقة على إنه مصاريف توسع فرع الشركة في الإسكندرية.”
أمي سابت السك..ينة من إيدها خالص.
— “بسنت؟ الكلام ده صح؟”
اختي زقت الكرسي لورا وقامت وهي بتصرخ:
— “انت غيران مني! طول عمرك غيران عشان الناس بتحترمني أنا وبتقدرني وانت محدش حاسس بوجودك!”
قمت وقفت بالراحة.
— “بكرة الصبح هيوصل لك ورقتين.”
بسنت كانت بتبص لي بذهول.
— “الأولى فيها قرار تقليل مرتبك لمتين ألف، وتجميد أي مصاريف إضافية، وكل قراراتك هتكون تحت إشراف مباشر من مجلس الإدارة.”
سكت ثواني وسبت الهدوء يملى الصالة.
— “والورقة التانية هي استقالتك مكتوبة وجاهزة على التوقيع.”
أبويا وشه اتشد وزعق:
— “سيف! كفاية جنان! هتبوظ حياة اختك عشان كلمتين اتقالوا على عزومة عشا؟”
بصيت للراجل اللي قضى سنين يقارني ببسنت ويدوس عليا من غير ما يكلف نفسه يسألني أنا بشتغل إيه اصلاً.
— “العزومة دي مخنقتش المشكلة يا بابا.”
وبعدين بصيت لاختي كملت:
— “هي بس خلتني أقرر أوقف حمايتها.”:
الجزء الثاني — سكة الفلوس
ورا الأبواب المقفولة، بسنت فضلت مصرة إن شركة “بلو هاربور” دي شركة استشارات بجد. ولما ضغطت عليها عشان أعرف مين اللي ماسكها، أخيرًا اعترفت وقالت إنه شريف رمزي، مدير المبيعات القديم في “نورث ستار” اللي أنا مشيته زمان بسبب تزويره في أرقام المبيعات.
المستشار القانوني بتاعنا على طول فكرها إن شريف ماضي على شرط جزائي يمنعه من التعامل مع الشركة تماماً.
بسنت ربعت إيدها وقالت بتحدي:
— “بلو هاربور بتقدم لنا أبحاث واستراتيجيات للسوق.”
فاطمة، مديرة العمليات، فتحت الملف اللي في إيدها:
— “أنا كلمت رؤساء القطاعات كلهم. محدش وصله أي أبحاث، ولا فيه تقارير ولا عروض ولا حتى إيميل واحد وصل من الشركة دي.”
بسنت ادعت إن الاستشارات كانت شفاهية!
بصيت لها بذهول:
— “يعني الشركة دفعت مليون وسبعمية ألف جنيه عشان شوية كلام في التليفون؟”
هنا، المستشار القانوني حط ورق تسجيل الشركة على الترابيزة. مدير شركة “بلو هاربور” المسجل في الأوراق مطلعش شريف.. طلع إيهاب!
جوز بسنت.
الأوضة كلها سكتت، الهدوء كان يقطع بالسكين.
تقرير المراجعة المالية جاب أول الخيط لآخره. فيه تقريباً 900 ألف جنيه اتدفعت مقدم لشقة الساحل، و300 ألف تانين للتشطيبات، والباقي اتصرف على عفش مودرن من معارض غالية، وفواتير مطاعم في الشيخ زايد، وعربيات إيجار.
بسنت بصت لي بغل وشرار بياكل في عينها:
— “انت كنت مستني لي الغلطة! انت كنت عايزني أفشل من الأول!”
— “أنا اللي اديتك المنصب اللي بتحلمي بيه، وأنا اللي دافعت عن مرتبك لما مجلس الإدارة قال إنه مبالغ فيه، وسبتك تتصدري الشاشات والمجلات عشان قلتي إن الشركة محتاجة واجهة إعلامية.”
قربت منها وقلت بنبرة حاسمة:
— “انتِ مفشلتيش عشان محدش إداكي فرصة.. انتِ فشلتي لما اعتبرتي ثقة الشركة فيكي مجرد كارت فيزا لخدمة مصاريفك الشخصية.”
في نفس اليوم الضهر، اتصدر قرار بتجميد بسنت من منصبها لحين انتهاء التحقيقات. مسكت فاطمة الإدارة مؤقتاً، والأمن استلم أجهزة الشركة من بسنت ولغى كل صلاحيات ورودها للمبنى.
على المغرب، كان أبويا وأمي على باب بيتي.
أمي كانت بتعيط بحرقة:
— “تخلي الأمن يطرد اختك من الشركة يا سيف؟ قدام الموظفين؟”
— “دي أصول شغل يا أمي، وهي متوقفة عن العمل بالقانون.”
أبويا قرب مني بحدة:
— “مهما عملت، الحوارات دي تتقفل بيننا وفي السر.. لم الليلة واستر اختك!”