طردني

جوزي طردني قدام عيلته كلها عشان مكنتش بعرف أخلف.
​شاور على شنطة هدومي وقال لي: “الست الجدعة كانت زتتلي حتة عيل من زمان.”
​أمه ابتسمت بشماتة وأنا بخرج من الباب.
​كانوا فاكرين إن العار ده هيفضل ملاحقني العمر كله—لحد ما بعد سنين، جوزي القديم ظهر فجأة عند المحل بتاعي ومعه تقرير خفوبة، وظرف قديم متقفل، وسرّ كانت أمه دفنته تحت الأرض.
​سبع سنين كاملة وأنا بدعي ربنا يرزقني بطفل.
​سفّيت أدوية وبرشام كانوا بيهدوا جسمي ويجيبوا لي القرف. استحملت كشوفات وفحوصات توجع القلب. قعدت بالايام في طرقات المستشفيات وأنا شايفه الناس رايحة جاية ومخلفة وشايلين عيالهم اللفة ومتقمطي ببطاطين ناعمة.
​في كل عزومة وعيلة مجتمعة، لازم حد يرمي نفس السؤال البايخ:
​”إيه؟ مفيش حاجة جاية في السكة؟”
​اتعلمت إزاي أبتسم من غير ما آخد نفسي.
​جوزي كان زمان بيمسك إيدي من تحت التربيزة. في الأول، كان بيقول لي إننا إيد واحدة.
​”أياً كان إيه اللي هيحصل، هنواجهه سوا،” ده كان وعده لي.
​بس أمه بدأت تتردد على بيتنا كتير.
​كانت بتجيب لي أعشاب، وزيوت بركة، وستات يدّعوا إنهم بيعالجوا العقم. ولما مفيش حاجة جابت نتيجة، عطفها ده اتقلب لغل وقرف.
​”الشجرة اللي مبتطرحش، وجودها زي عدمه وبتاخد مكان وخلاص،” قالتها في يوم الظهر وجوزي قاعد جنبها.
​ما نطقش بكلمة.

​السكوت ده وجعني أكتر من الشتيمة نفسها.
​وبعدها أخواته البنات انضموا لأمهم. بقوا يتهامسوا أول ما أدخل الأوضة. يبعتوا صور ستات حوامل على الجروب بتاع العيلة. حتى واحدة منهم في عزومة عشاء حطت بطانية بيبي في حجري وقعدت تضحك لما إيدي بدأت تترعش من الوجع.
​وجوزي كان بيتفرج.
​وبعدها بدأ يررد نفس الكلام اللي بيملوه له.
​أي خناقة بيننا كانت بتنتهي بنفس الجملة:
​”أنتِ مأضفتليش أي حاجة، وما معايش منك عيل.”
​كنت عايزه أفكّره إني بعت ذهبي عشان أسدد ديونه. إني شلت أبوه في مرضه وخدمته بروموش رمشي. إني بنيت بيتنا ده على أساس أحلامه هو.
​بس هو كان خلاص قرر إن كل ده مالوش أي قيمة من غير طفل.
​في ليلة، رجعت البيت لقيت عيلته كلها قاعدة في الصالة.
​شنطة هدومي كانت محطوطة جنب الباب.
​أمه كانت خلاص لمّتها لي بنفسها.
​جوزي حتى معزمنيش أقعد.
​”أنا عايز أطلقك،” قالها.
​الأوضة سكتت خالص، بس مفيش ولا واحد فيهم كان باين عليه التفاجؤ.
​أمه طبقت إيديها بانتصار وراحة. أخواته كانوا بيبصوا لي وكأنهم أخيرًا كسبوا المعركة.
​”عشان خاطر ربنا،” همست بصوت مكسور. “إحنا لسه حتي مكملناش بقية التحاليل. الدكتور قال إننا إحنا الاثنين لازم نتعاد لنا الفحوصات.”
​أمه رزعت كفها على التربيزة بصوت زلزل المكان:
​”ما تجرّيش ابني في خيبتك وفشلك!”
​جوزي بص في عيني مباشرة:
​”اخرحي بشوية كرامة فاضلين لك.”
​وفعلاً عملت كده.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *