صاحبة فندق حصري لصفحة روايات رولا

عيلتي مسحت وجودي 7 سنين — وتاني يوم لقيتهم جاينلي الأوتيل من غير عزومة. أبويا مال عليّ الترابيزة وقال: “هاتي 60 ألف جنيه… يا إما أتصل بالمؤجر بتاعك الليلة.”
​العيلة اللي مسحت وجودي 7 سنين دخلت الأوتيل بتاعي وكأنهم لسه بيملكوا حتة من مستقبلي.
​أبويا حتّى ممداش إيده ولا قال أهلاً.
ولا سألني عاملة إيه.
خطى على الرخام المتلمع في اللوبي، وبص حواليه على الإضاءة النحاس، والورد الفريش، والضيوف اللي نازلين للأجازة، وقال بصوت عالي كفاية عشان مديرة الفرانكت ديسك تسمعه: “يعني فاكرة عشان عندك حتة أوتيل صغير بقيتي أحسن مننا خلاص؟”
​اللوبي كله سكت.
​وراه كانت واقفة أمي، لابة فستان كحلي فشيك جداً، وإيديها ملفوفة حوالين شنطة صغيرة وكأنها بتتمرن على وش الطيبة. وأخويا كريم واقف جنبها بقميص بكولاقة مشدودة، ومراته ياسمين عمالة تفرّ في تليفونها ولا كأن المكان كله تحت مستواها.
​7 سنين.
ولا مكالمة فـ عيد ميلادي.
ولا رسالة لما اتخرجت.
ولا كلمة لما بنيت أول مشروع ليا، وبعته، واستثمرت تاني، وفشلت، وحاولت تاني، ولغاية ما رجعت الزمالك وأنا صاحبة أوتيل “الدرة”.
​ودلوقتي واقفين في اللوبي بتاعي في ليلة جمعة، تحت نور النجف الدافئ، ومستنيين مني أخاف وأكش.
​حافظت على هدوء صوتي.
“أهلاً بيكم في الدرة،” قلت. “في حجز باسمكم؟”
​أبويا ضحك.
نفس الضحكة من أيام طفولتي. الضحكة اللي تضيق عليك أي مكان. الضحكة اللي دايماً تفهمك إن النكتة عليك أنت.
​”حجز؟” قال وهو بيلتفت لأمي. “بتسألنا لو عندنا حجز.”
​أمي إدتني الابتسامة الناعمة اللي بتطلعها لما تكون عايزة حاجة.
“مريم يا حبيبتي،” قالت، “أحنا مكنّاش نعرف أصلاً إن المكان ده بتاعك. أحنا جايين عشان عشاء الشغل بتاع كريم. عنده تكريم الليلة.”
​كريم بصلي بصة واحدة وبص الناحية التانية.
البصة دي فهمتني كل حاجة.
​طلعت ورا مكتب الاستقبال وشوفت قائمة الفعاليات. الروف توب كان محجوز بالكامل لشركة “المجموعة المتحدة” عشان عشاء عمل خاص. اسم كريم كان موجود.
​كرسي واحد.
مش أربعة.
من غير معازيم عيلة.
من غير مرافقين.
​بصيتلهم تاني.
“أنا شايفه كرسي واحد متأكد باسم كريم الألفي،” قلت. “الروف توب حجز خاص الليلة، فما أقدرش أزود حد من غير إذن من الشركة الداعية.”
​فك كريم اتشد.
“متقدرينش تطلعي تطلبي منهم يظبطوا الموضوع؟”
​”أقدر أكلم منسق الحفلة،” قلت، “بس قائمة الضيوف في إيد الشركة.”
​أبويا قرب خطوة.
“مريم،” قال بصوت واطي عشان يحسسني إنه موضوع شخصي. “أحنا ضربنا مشوار ثلاث ساعات من إسكندرية. وأمك تعبانة. أكيد تقدري تلاقي لِعيلتك ترابيزة في أي حتة.”
​عيلتك.
الكلمة نزلت تقيلة وغريبة بعد 7 سنين سكوت.
​ومع ذلك هزيت راسي.
“أكيد. الصالة التانية فيها أماكن.”
​خليت سارة تقعدهم جنب الشباك، على واحدة من أحسن الترابيزات، لأني بدير الأوتيل باحترافية. بعتلهم طبق العيش المخبوز طازة. اطمنت على عشاء البروفة. حليت مشكلة كارت أوضة. ووافقت على تغيير الحلويات في آخر لحظة لـ حجز الروف.
​لمدة نص ساعة، صدقت إن الموضوع هيخلص على كده.
​لحد ما سارة لقتني بره المطبخ.
“طالبينك تاني،” قالت بصوت واطي.
​لما وصلت للترابيزة، كان أبويا قاعد ومربع إيديه. قطعة العيش بتاعة أمي زي ما هي على الطبق. تليفون ياسمين كان مقلوب على وشه المرة دي.
​كريم اختفى.
أكيد طلع فوق.
مكان ما الناس المهمة قاعدين.
​”اقعدي،” أبويا قال.
​فضلت واقفة.
“في مشكلة في الخدمة؟”
​بقه اتشد.
“تقدرين تسعدينا لما تتصرفي كـ بنت مش كـ موظفة أوتيل.”
​ويتر عدى من ورايا شايل طبقين. الشوك والسكاكين على الترابيزة كانت بتلمع تحت نور الشمع. أمي مدت إيدها ولمست معصمي وكأن لسه ليها حق تعمل كده.
​”أحنا بس عايزين نتكلم يا حبيبتي. وحشتينا.”
​7 سنين، والكذبة جاية متغلفة في سكر.
​سحبت إيدي بالراحة.
“أنا في الشغل.”
​أبويا مال لقدام.
“كريم هيتم تعيينه شريك في الشركة الشهر الجاي.”
​ما ردتش.
​”وده بيغير حاجات كتير للعيلة دي،” كمل كلامه. “اجتماعياً. ومقادماً في الشغل. الناس هتتفرج أحنا بنقدم نفسنا إزاي.”
​ياسمين رفعت دقنها سنة، وكأن الجملة دي مكتوبة عشانها هي بالذات.
​”بيدوروا على فيلا في التجمع،” أبويا قال. “فيلا بجد. من اللي تليق بالمرحلة الجديدة دي.”
​أهو ظهر المطلوب.
مش اعتذار.
مش لم شمل.
دي فاتورة.
​أمي دخلت في الكلام بسرعة وبصوت حنين. “أحنا بس محتاجين مساعدة نغطي المبلغ لحد ما مكافأة كريم تنزل.”
​”كام؟” سألت.
​أبويا ما رمشش.
“ستين ألف جنيه.”
​الترابيزة سكتت خالص.
بره الشباك، شوارع الزمالك كانت ماشية عادي من غيرنا. اتنين ماشيين تحت النور. الفاليه بيفتح باب عربية لزبون. وفوق في مكان ما، أوضة كاملة مليانة ناس غريبة بتضحك على المشروبات.
​بصيت لأبويا.
“لأ.”
​الكلمة طلعت نظيفة وواضحة.
​وشه اتغير الأول في عينيه.
“أنتِ صاحبة أوتيل يا مريم. متقوليش إنك معكيش المبلغ ده.”
​”اللي معايا مش هو الموضوع.”
​”أمال إيه الموضوع؟”
​”آخر قرار مالي كبير العيلة دي خدته وكان ليا دعوة بيه، كان لما فلوس شهادات جامعتي اختفت من غير ما أعرف،” قلت. “أربعين ألف جنيه كانوا متشالين لتعليمي وراحوا عشان يحلوا مشكلة كريم. أنا اشتغلت وصرفت على نفسي في الكلية بعد كده. وبنيت كل حاجة بنفسي من الصفر.”
​أمي بصت في الأرض.
ياسمين بطلت تتظاهر إنها مش بتسمع.
​وش أبويا قسّي.
“ده كان من سنين. وظاهر إنك وقعتي على رجليكي واشتد عودك.”
​”أنا وقفت على رجلي لأني رفضت أفضل واقفة مكان ما سبتوني.”
​إيديه اتفردت على الترابيزة.
“أنتِ اللي اخترتي تقطعي مع عيلتك.”
​كنت هبتسم.
“لأ. أنا اخترت أبطل أقف قدام باب مقفول.”
​ولأول مرة الليلة دي، أبويا بطل يمثل.
صوته نزل لدرجة الخطر.
​”خليني أكون واضح معاكي،” قال. “الشركة بتاعة كريم ليها علاقات مع ناس مساكين أصول الأماكن دي. وأنا صدفه أعرف حد ماسك عقود الإيجار التجاري في المنطقة هنا.”
​سارة، من الناحية التانية، اتجمدت جنب مكتب الضيافة.
​أبويا فضّل مبصصلي في عيني.
“سهل جداً تطلع ملاحظات وتخوفات لما ييجي وقت تجديد العقد. المطورين بيتبدلوا عادي. والأماكن بتغير أصحابها. الفروض تفكري كويس إيه العلاقات اللي تهمك.”
​أمي همست، “مريم، بلاش تصعبي الأمور.”
​الشمعة اللي بيننا اتهزت.
​لثانية واحدة، ماكنتش سامعة غير صوت التلاجة القديمة في بيت طفولتي، وهي بتزن وأبويا بيلغيني وبيقولي إن مستقبلي خلاص اتقفل عليه.
​بعدين بصيت للراجل اللي قاعد قدامي.
بهدوء.
ومباشرة.
وسألته: “يا بابا… أنت فاكر مين اللي قاطع عقد ملكية المبنى ده أصلاً؟”
​أبويا بصَّلي، ولأول مرة الليلة دي، الثقة تهتز وتضيع من وشّه.
“أنتِ بتقولي إيه؟” سألني.
​سحبت الكرسي اللي قباله وأخيراً قعدت.
“أوتيل الدرة مش إيجار،” قلت. “أنا اشتريت المبنى ده من ثمانية عشر شهر عن طريق شركتي.”
​بق أمي اتفتح سنة صغيرة. وياسمين مسكت تليفونها، وفجأة بقت مهتمة جداً بالشاشة.
​أبويا ضحك ضحكة قصيرة. “عايزاني أصدق إنك تملكي مكان زي ده؟”
​”مش شرط تصدقني.” شاورت براسي ناحية سارة. “صك الملكية بيصدق.”
​وشه احمرّ. “يبقى تبيعيه! ستين ألف ولا حاجة جنّب قيمة المكان ده!”
​بصيتله وركزت فيه كويس. حتى بعد 7 سنين، لسه فاكر إن نجاحي موجود بس عشان يخدم راحته ومصلحته.
​”أنت هددتني إنك تتصل بالمؤجر بتاعي عشان كنت فاكرني لسه البنت اللي تقدر تتحكم في مستقبلها.”
​في اللحظة دي ظهر كريم جنب الترابيزة، وشه أصفر ومغلوط.
“يا بابا،” قال بصوت حاد، “أنت قلتلها إيه؟”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *