امي نادتني
أمي نادتني “زبالة كيماويات” من ورا باب الشقة المقفول.. الشقة اللي أنا مدفوع تمنها من جيب بالكامل.
مش مأجرها.
ولا مشارك فيها.
دفعها كلها من الألف للياء.
نفس الشقة اللي أبويا، وأخويا، ومراته، وعياله الاتنين، وأمي كلهم نايمين فيها تحت سقف اسمي أنا بس اللي حاميه من إنه يترمي في الشارع وتتباع في المزاد.
كنت واقف على البسطة بجزمتي الشغل الساعة 10 إلا ربع بالليل، وريحتي لسه مطهرة ومطهرات مصانع من الوردية، وماسك في إيدي كيس صيدلية فيه علاج الضغط بتاع أبويا.
أمي كانت غيرت الكالون.
تاني.
من شباك المنور الصغير، كنت شايف أخويا تامر قاعد بياكل دليفري على ترابيزة المطبخ. مراته قاعدة بتقلب في تيك توك على الموبايل. وأبويا قاعد على الكنبة بيعمل نفسه مش سامع الخبط ومطلي الصوت على التلفزيون.
”يا أمي،” قلت بصوت متوازن بالعافية، “افتحي الباب.”
فتحت جزء صغير من الستارة. “مش هفتح غير لما تروح تستحمى في أي داهية ثانية. أنا مش عايزة ريحة الكيماويات القرفة دي تدخل بيتي.”
بيتي أنا.
بلعت ريقي. “أنا جايب علاج بابا.”
“سيبه في الجراج تحت،” زعقت. “وممكن تاكل هناك كمان. أنا حطيتلك طبقك جنب صندوق العدة.”
تامر ضحك بصوت عالٍ من جوة.
الضحكة دي بالذات هي اللي كسرت حاجة جوايا بنظافة ومن غير رجعة.
بقالي أربع سنين بشقى في ورديات 12 ساعة في مصنع مواد تنظيف وكيماويات في برج العرب لأن الفلوس كانت كويسة وأهلي كانوا محتاجين حد ينقذهم. لما ورشة أبويا أفلست، أنا اللي سددت الأقساط المتأخرة. لما تامر اتطرد من شغله، أنا اللي دفعت قسط عربيته. ولما أمي قالت إن العيال محتاجين استقرار، أنا اللي عملت إعادة تمويل ونقلت الشقة باسمي في الشهر العقاري لأن محدش فيهم كان ينفع ياخد قرض ولا يترخص له باسمه.
قالوا لي “فترة مؤقتة”.
الفترة المؤقتة تحولت لمرتبي اللي بيمشي أول كل شهر، وسريري اللي اتنقل من الأوضة اللي فوق لغرفة الغسيل الصغيرة، وبعدين للجراج “لحد ما الأمور تظبط”.
والأمور عمرها ما ظبطت.
أمي بدأت تتعامل مع شغلانتي على إنها بتخليني نجس أو معفن. كانت تطلع معطر الجو ترش منه أول ما أدخل. تعمل تلميحات وتتريق على “ريحة البرفان المسرطن”. ولحد النهاردة بالليل، لما قفلت الباب في وشي وقررت إن الجراج واسع ومناسب قوي للابن اللي حسابه في البنك هو اللي منور الشقة دي بالكهرباء.
بصيت على الطبق اللي محطوط على بنك الشغل في الجراج.
رز بارد.
ورق فرخة ناشف.
وشوكة بلاستيك.
جنبه كان في جواب من البنك الممول موجه باسمي.
تأكيد عملية البيع وإعادة التمويل النهائي.
أمي أكيد سحبته من البوكس بتاع البوستة ونسيت تخبيه مني.
فتحته تحت لمبة الجراج الفلورسنت.
جواه كانت الورقة اللي المحامية بتاعتي، أستاذة فريدة، بعتتهالي من أسبوعين.. الورقة اللي بتاكد إن ليا الكامل الحق القانوني إني أبيع العقار لأن كل قسط، وعقد نقل ملكية، وقرض إنقاذ اتوقع بإمضتي أنا لوحدي.
تليفوني زن.
كانت أستاذة فريدة.
“المشتري جاهز. العرض الكاش هيخلص يوم السبت الصبح. أنت متأكد من قرارك؟”
بصيت على باب المطبخ المقفول في وشي.
وبعدين على أبويا اللي عامل نفسه مش سامع.
وبعدين على طبق الأكل البارد اللي في الجراج.
كتبت لها كلمة واحدة.
“أيوة.”
..يوم السبت الصبح، الشقة اتباعت قبل ما أمي تخلص فطارها.
الساعة 8:03 الصبح، كنت بوقع الورق النهائي في مكتب أستاذة فريدة.
الساعة 8:17، إشعار التحويل البنكي ظهر على موبايلي.
الساعة 8:22، ممثل المشتري الجديد وصل الشقة ومعه حافظة ورق، ونجار عشان يغير الكالون، وإخطار إخلاء.
في اللحظة دي، تليفوني بدأ ينفجر مكالمات.
أمي اتصلت الأول.
بعدها تامر.
بعدها أبويا.
وبعدين مرات تامر، اللي عادة مش بتفتكرني إلا لما تعوز فلوس للطلبات.
فتحت السبيكر وأنا قاعد قدام أستاذة فريدة.
أمي كانت بتصرخ:
“في ناس برة بيغيروا كالون الباب!”
رديت ببرود: “أيوة، الشقة اتباعت.”
سكون تام.
بعدها تامر زق الموبايل وزعق: “أنتِ اتجننتي؟! إزاي تبيعي بيت العيلة؟!”
أستاذة فريدة ردت بنبرة هادية: “ده مش بيت العيلة، دي كانت ملكية موكلتي الشخصية.”
أمي شهقت: “مين دي اللي بتتكلم؟!”
“دي المحامية بتاعتي.”
أبويا مسك التليفون أخيراً: “يا أمل، اللي بتعمليه ده زيادة عن اللزوم.. كده كتير!”
غمضت عيني.
اللي كان زيادة عن اللزوم هو الجراج.
اللي كان كتير هو إن أكل في الجراج جنب جردل البوية.
اللي كان يفوق الاحتمال هو إني أدفع ثمن شقة ماليش حتى سرير أنام عليه فيها.
قلتله: “لا يا بابا، ده مش زيادة عن اللزوم.. دي أوراق ومستندات.”
تامر شتم: “ونروح فين دلوقتي إن شاء الله؟!”